رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
البديل أن يعود القرار إلى أصحاب المصلحة في التغيير وهو مسار طويل وشاق أحداث الأسبوع الماضي أسقطت أوراق التوت عن ادعاءات واكبت الثورة بانتماء القوى إليها والتزامها بمطالبها، وكشفت أن أحاديث كثيرة أطلقت انتماء للشعب وفي حقيقتها تضمر غير ذلك، وفي أدائها تحاول إقصاء الكتلة الثائرة خارج دائرة التأثير. توحدت القوى المضادة للثورة على هدف واحد هو ضرب مصداقية شباب ثائر اتخذ من الميادين مرتكزا له، وصار وجوده علامة الإصرار وقبول تحدي الثورة في تحقيق مجتمع ما بعد التغيير. رغم تنوع الهجمات والأفعال غير أنها كشفت توازنا للقوى قائما بين القوى المضادة وشباب أعزل يقف في الميادين ويبيت ليلة في العراء في مناخ صيف حار تتجاوز درجات الحرارة فيه أربعين درجة، وشمس قاتلة. الشمس القاتلة تعيد إلى الذاكرة وقائع صيف دنشواي عام 1906، الذي ناصر الفلاحون ضد جنود الاحتلال البريطاني وقتلت منهم ضابطا لتنعقد محكمة برئاسة بطرس غالي لثلاثة أيام وتصدر أحكام الإعدام على أربعة فلاحين والأشغال الشاقة والجلد على 48 آخرين، وكأن الشعب المصري فوق أرض وطنه لا ينال حقه في الحياة إلا عبر شهداء يقدمهم قربانا للحرية على مذابح السلطة، سواء كانت سلطة احتلال أجنبية أو اتشحت بمصرية مغتربة عن أرضها، ولا يمضي الأمر دون رد فعل ليتم اغتيال بطرس غالي رئيس المحكمة بعد أربعة أعوام. هذا الرجل كان أيضا متنازلا عن حق الوطن عندما قبل مشروعا بمد امتياز شركة قناة السويس لمدة أربعين عاما حتى عام 2008. ذات مشهد اقتران المحاكمات العسكرية العاجلة لأحفاد شهداء دنشواي وتصدير الغاز لإسرائيل، وكأن التاريخ يعيد نفسه بعد مائة عام. بات واضحا أن هناك توازنا للقوى بين الشباب الأعزل إلا من إرادة حرة ووطنية وبين معسكر القوى المضادة المدجج بكل أدوات الصراع ويجمع بينها مصالح غير مصلح الشعب وتصل إلى حد التناقض. توازن القوى مصدره قدرة الشعب التي تجلت خلال الفترة بين 25 يناير و11 فبراير، وكسر هذا الشعب باستعداده للشهادة وتحدي جبروت الشرطة التي هزمها بكل عددها وعتادها خلال أربعة أيام، حاجز الخوف والتردد، وقدرته على المفاجأة وتجاوز كل تحليلات الأجهزة ومراكز البحث. واتضح أيضا أنهم لم يتوصلوا لتفسير هذه الظاهرة، وصار جهلهم بها وعدم القدرة على استيعابها مصدر التوازن الحقيقي للقوى. ما هو موقف الشعب؟ وماذا هو فاعل؟، كان دلالة انعدام القدرة على استيعاب أنها ثورة الشعب وأنه سيحميها. أعلنوا أنهم مع الشعب ومع الثورة، ومن ناحية أخرى أخذوا يجتزئون أهدافها ويشتتون قواها ويستخدمون الوقت معاملا لوأد روح الثورة. ومع تواصل حالة المقاومة لاغتيال الثورة، انفجرت مكنونات الصدور، وظهر اللواء الرويني يوزع اتهامات التمويل والخيانة، ومن ثم يهدر كل مطالب التطهير وأنها مستوردة. ويضع سيناريو أحداث العباسية صباحا ليتم مساء، وتسقط أخطر أوراق التوت "أن البلطجية أداة الداخلية والرويني في مواجهة الشعب" وتحت بصر جنود الرويني والشرطة العسكرية بقيادة البديني وقوات شرطة العيسوي تهاجم جماعات بلباس مدني يحملون السيوف والسنج وزجاجات المولوتوف، واتضح حسب تقارير صحفية أن هناك أعضاء من مجلس الشعب المنحل أسهموا في حشد البلطجية. البلطجية يهاجمون الشعب تحت حماية الجيش والشرطة العسكرية وشرطة العيسوي... فماذا تبقى ليستروا به خصومتهم مع الثورة والانقلاب عليها؟ وآخر المشاهد مشهد لواء قالوا إنه خبير عسكري وإنه مستشار للتوجيه المعنوي، خرج صوته من التلفزيون يتهم الأستاذة نجلاء بدير الصحفية أنها مخربة؟ لأنها تجرأت وانتقدت أقوال الرويني، هكذا؟ وبأدب ولباقة عالية توقفت مذيعة البرنامج دينا عبدالرحمن وتكشف سطحية ما يعرض له حتى إنه ردد ما قاله أحمد نظيف بأن الشعب المصري لم ينضج ويقول إنهم في التحرير في كي جي 1 وأننا نعلمهم الديمقراطية! لغة استعلاء أخرى. وتدفع دينا ثمن صدقها ويتم إيقافها عن العمل جزاء لدفع الخطأ وخطايا المتحدث عن زميلتها وعن أهل الوطن، ومازال الأمر لم يستقر حتى اللحظة حول ما سبب هذا الإيقاف؟ وهل سينتهي رغم تردد أنباء عن إنهاء الإيقاف! صار المجلس ومستشاريه الحَكَم بعد أن كشفوا عن أنهم خصوم للثورة وأهدافها؟ ويبلغ الأمر بهذا لمستشار أن يتهم اثنين من مرشحي الرئاسة بأنهم عملاء لأمريكا؟ وأن هذا "تخمين" من عنده؟، أي هزل هذا في موضع الجد! لا أحد يطلب من المجلس العسكري أن يحمي الثورة، فهو لم يحمها ولكنه استفاد منها وصار السلطة الحاكمة في مصر. نعم هو سلم أمر التشريع إلى الإخوان المسلمين، نعم اتخذ من الصناديق والتصويت ادعاء بديمقراطية أدت إلى أول انحراف بحركة الثورة، وتقسيم للشعب، ونعم مارس الإعلام الرسمي المستسلم دورا مناوئا للثورة ومشوها لشبابها، بل تجاوز المجلس العسكري الإعلام الرسمي بهجمات متتالية على الإعلام الخاص، واستدعاء أمام النيابة العسكرية وتحقيقات وكلها تلوح بعصي ولا تستخدمها. ولكن الجديد الآن أنه استخدم العصا في إطار حملة تشويه، ويقول المثل الشعبي "من كان بيته من زجاج لا يقذف الناس بالحجارة"، فلم يناقش أحد موقف الجيش من النظام السابق، بل وقاوم العقلاء ذلك، لأن المؤسسة العسكرية هي ما تبقي للدولة المصرية والمفروض أن يحكم أداؤها قيم الوطنية، أي أن يحكم أداؤها مصلحة الشعب وليس فئة دون أخرى. قد يتحمل الموقف عجز حكومة شرف على إدارة الفترة الانتقالية، ولكن الموقف لا يتحمل حيودا للمجلس العسكري عن دور متوازن حتى لا يفتح أبواب الحرب الأهلية على مصراعيها. سقطت أوراق التوت عن التنظيمات الدينية وبلا استثناء. فالجهاد القادم من غياهب السجون يعلن أنه سيخرج لتطهير ميدان التحرير من الثوار، وتحت عنوان أنهم ليسوا هؤلاء الثوار، ويتوعد كل من سيقاوم يوم الجمعة 29 يوليو بالويل. والسلفيون يخرج متحدث باسمهم يعلن نفس الموقف. والإخوان يناصرون موقف المجلس العسكري من مواجهة التظاهرات بالدم، لأن المتظاهرين ليسوا الثوار؟ فقد ملكوا أمر التثبت ممن هم ثوار ومن هم ضدهم. وأصحاب رؤوس الأموال يقومون بتمويل العمليات القذرة، من دفع دية الشهداء لتفويت الفرصة على محاكمة القتلة إلى دفع أجرة البلطجية وتكاليف الأسلحة والحجارة القادمة من أموال جمعوها زمن الفساد. ويخرج بعد ذلك كله متحدث باسم حزب الوسط ليقول إن المجلس العسكري يستشير الإخوان ـ دون كل القوى والتيارات ـ في أمر القوانين التي يصدرها. اللواء ممدوح شاهين الذي طالبنا من قبل أن يختار المجلس العسكري رجلا غيره للتعبير عن المجلس العسكري لأن لديه قدرة غريبة على استفزاز العقلاء ولا يملك لغة حوار على الإطلاق ولكن المجلس لا يسمع ما يقوله غيره، خرج على الناس بإعلان عن انتخابات في نوفمبر وفق قانون خاص أقروه فيما بينهم، ويحتاج إلى "كتالوج" للشرح والتفصيل. المجلس العسكري رغم كل النداءات التي وجهت إليه ليأخذ دورا لصالح الشعب وفق إستراتيجية "الخبز ـ الحرية، العدالة الاجتماعية"، ويحول دون الوصول إلى صدام داخل المجتمع سيعود بنا إلى الوراء عشرات السنين، رغم ذلك كله، يقف المجلس حائلا دون تحقيق أهداف الثورة، وكأن الوعي السياسي بمدلول الشرعية الثورية غائب، ولم يبق منه إلا أنه سلطة تكاد تقارب أداء النظام السابق، يعطي إشارات بالتوجه في اتجاه الثورة بالأقوال، ويتحرك على الأرض في عكس الاتجاه، ويأخذ بمهمة تشويه عناصر منها، ويقاومها بالبلطجية. وسقطت ورقة التوت عن وزير الداخلية الذي لا يمكن توصيفه غير كونه أداة لتمكين الانقلاب على الثورة من الداخلية وبكل إمكاناتها. من ناحية حركة تنقلات الضباط اتضح أنه نقل كل المتهمين بالقتل إلى أماكن أفضل. وتمارس عناصر جهاز أمن الدولة المنحل ذات الدور القديم تحت اسم الأمن الوطني، ويجري الآن تشكيل مجموعات اختراق لكل التيارات التي نشأت بعد الثورة، فضلا عن إحياء القديم من عملائها. والأخطر العودة إلى نظام الاختطاف ومافيا أمن الدولة، فيجري اختطاف ابن شاهد على جريمة محل التحقيق ضد مدير أمن القاهرة السابق! وتكشف واقعة الدكتور حازم عبدالعظيم الذي رشح لمنصب وزير الاتصالات، وهو محسوب على ثوار التحرير، وتدخل أمن الدولة عبر جريدة خاصة للإطاحة به، تكشف الواقعة أن التصنت على التليفون قائم والتهديد والتدخلات قائمة. وسقطت كل أوراق التوت التي كانت تحول دون كشف عجز حكومة شرف، وليس هناك مبرر واحد لبقائه، فرجل مثله بلا رؤية سياسية غير قادر على الإبحار بسفينة الوطن في هذه المرحلة. تساقط أوراق التوت وكشف المواقف وحتى توازن القوى بين الثورة وأعدائها لن يضمن تحركا للأمام، بل إنه وضع خطير وحساس لأنه يفتح الاحتمالات على مصراعيها وجميعها ليست في صالح مصر الثورة والشعب. الخطوة القادمة لتجنب خطورة القادم ليست على جانب واحد دون الآخر، بل هي على ضفتي الأداء في مصر. فالثورة مطالبة بتعميق العلاقة بينها وبين الشعب بكل طوائفه وفئاته لأنه العمق الحقيقي لها، ولن تتمكن من هذا بغير الحوار البيني بين القوى السياسية وتشكيلاتها المتعددة وأن يكون حوارا حده الأدنى إستراتيجية "الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية" وترجمتها إلى مهام. ولن يمكن ذلك بغير إعلان واضح من الكافة عن مدى وعيهم بدلالات الثورة وشرعية إرادتها، والنازل عن "الأنا" والمصالح الضيقة إلى رحابة احتياج الشعب والوطن، الخطوة الأولى العمل على إيقاف الصدام الذي يسعى إليه البعض مع المعتصمين بالتحرير، فهل تنجح الثورة في هذا مع الالتزام بالحفاظ على القوة الدافعة للثورة. ويبقى الجانب الذي يملك القرار، والمطلب هنا في حاجة إلى وعي بالدور الغائب عن القرار وهو المسؤولية تجاه الشعب والوطن طالما أنه في مركز القرار، وليست الانتخابات التشريعية هي الحل، الاحتياج هو الترجمة العملية لإستراتيجية الثورة إلى مهام، الشعب يعاني من ارتفاع في الأسعار تجاوز 30% ووجب النظر المباشر إلى هدف إستراتيجية الثورة الأول وهو "الخبز"، شعب لا يجد "خبز يومه" لا يعنيه ولن يجدي مع احتياجه انتخابات تشريعيه تدور في مناخ غير مناسب سياسيا وغير معبر عن الثورة. ليس هناك غير أن يكون القرار لصالح الثورة والشعب وإستراتيجية التغيير، والبديل أن يعود القرار إلى أصحاب المصلحة في التغيير وهو مسار طويل وشاق. الجيش المصري أشرف وأكبر من أن يرتع أمامه البلطجية سواء في مواجهة شباب الثورة أو في فنادق الخمس نجوم، بينما الشعب ينتظر عائد الثورة وما قدمه من تضحيات.
921
| 26 يوليو 2011
الشعب يملك الجسارة في شبابه والشباب يريد تحقيق مصر القوية ليس هناك سبيل لإعادة عجلة التغيير إلى الوراء. وكل ما يجري على أرض مصر، محاولات خارج مسار التاريخ وليس لها إلا أحد نتيجتين: إما انتصار الثورة ـ رغم محاولات البعض لإلغاء تعبير انتصار الثورة وكأن نتائج أي صراع غير الانتصار أو الهزيمة ـ أو حمام دم يزيح طليعة الشعب من الشباب الثائر. المواجهة منذ 11 فبراير كانت على محورين الاعتقالات والمحاكمات العسكرية السريعة لكل من تطال أيديهم. المحور الثاني إرهاب الشعب في خطة منظمة، وإطلاق الإعلام لتغيير المفاهيم حول الوقائع. حرب نفسيه وحرب مادية والهدف واحد إخراج الشعب من معادلة القوة في المجتمع. الكل في مصر يتكلم، ولم يعد هناك من يخفي وجهة، فالجميع يحارب معركته الأخيرة، عدا هذا الشباب الصابر والقابض على ثورته كالقابض على الجمر. الصراع في مصر، وعلى مصر دار دورات كثيرة عبر التاريخ، البعض منها انتصر فيها الشعب، والبعض الآخر انتصرت فيها قوى معادية للشعب، وقد يكون في الحساب بعدد السنين أن أزمنة انتصار الشعب أقل بكثير من أزمنة سيادة أعدائه، ولكن دوما كانت الفترات البينية فترات إعداد وتجهيز، ولم يتوانى أعداء الشعب في الداخل والخارج من العمل أولا على تفريغ انتصار الشعب من مضمونه ومن بعد ذلك حصاره والإجهاز عليه. حياة الشعب فوق تراب مصر قصة صراع منذ بدأ الخليقة، والصراع تتحدد نتيجته بكلمتي النصر والهزيمة، وليس هناك فرصة للتعايش بين طرفي الصراع، ولكن ما يعتقده البعض هدنة في الصراع، هي فترات لإعادة تقييم المواقف والإعداد لجولة جديدة، سواء أدرك هذا أطراف الصراع أم أن أحدا يدعي أنه الموات والنهاية. دائما كان هناك الفرعون، وكان هناك كهنة المعبد، كان الفرعون تارة قائدا عسكريا أو كان حكيما، أو كان موحدا، ولكن كهنة المعبد كانوا ذاتهم، ولم يكونوا الوطن ولا حتى الفرعون، فالفرعون أداة إن هي استهلكت أنقلب الكهنة عليه وربما قتلوه وهم الذين نصبوه إلها. وهكذا صار الكهنة تعبيرا عن مصالح غير مصالح الشعب، ومن بينهم تخرج الخيانة للإله الفرعون الذي صنعوه ليحقق لهم مصالحهم. ويتلون الكهنة حسب المواقف، ولا تعنيهم حمامات الدم، بل قد يصنعوها في بعض المراحل ليوطدوا مكانتهم. لم يخرج منهم قائد عبر التاريخ، وكان دائما القائد يخرج من الشعب، سواء للعدل أو للتحرير، فلم يرصد التاريخ حملة لمواجهة الظلم أو العدو المحتل خرجت من المعابد وقادها الكهنة. كان الفرعون ينصب ابنه كبيرا للكهنة حتى بأمن شرهم، وليضمن أن ينصب الابن بعد وفاته ملكا، فقد كان الحكم يؤول إلى ابنة الفرعون وكان عليها أن تتزوج كبير الكهنة، هكذا كانت المناورات المضادة بين الفرعون وبين الكهنة. ومع تطور المجتمع وعبر عصوره تغير مسمى الكهنة، ولكن تغير الاسم لم يكن يعني تغير طبيعة الرابط بينهم وبين غاياتهم، والذي كان دائما "مصلحة غير مصلحة الشعب". اتخذ خط المصالح مسارا رأسيا، من رأس المجتمع ممتدا داخل طبقاته إلى قاع المجتمع، حتى تجد فيمن يدفعون ثمن العبودية والظلم من يكون "مدعيا الكهانة أكثر من الكهنة"، تتعجب أنه يتحدث بلسانهم مدافعا عنهم بينما هو لا يجد لقمة العيش الكريمة، ويستطيب الاستعباد. وفي زمننا قد تجده موظفا أو طالبا أو عاملا أو مهنيا بل والأدهى قد يكون مرتديا مسوحا دينيا، فالشعب الذي نادي بالتوحيد قبل إبراهيم أبو الأنبياء، على يد اخناتون، يجري في عروقه الدين مجرى الدم. دورة التاريخ التي نحياها خرج فيها الشعب لمواجهة الطغيان والفساد ولم تكن المؤشرات توحي أن الثورة قادمة ولا حتى أثناء المواجهة أنها ثورة شعب لن يتراجع. المفاجأة أخذت بعقول الكثيرين في الداخل والخارج، وكان من الضروري أن يمضي بعض الوقت ليجمعوا شتاتهم ولبناء مواقفهم لمواجهة المتغيرات التي جرت، ذات أداء الكهنة عبر التاريخ. مصر الآن تضع أملها في هؤلاء الشباب الذين لا نعلم أسماءهم، ولا ندرك وجوههم، فهم جنود المشاة في معركة دورة التاريخ الجديدة. عرقهم عطر عرس الحرية، ودمائهم تزين وجه العروس مصر. يأخذ البعض على الشباب أن هناك عشرات التشكيلات التي أعلن عنها، ويأخذون عليهم أنها دلالة انقسام، وأراها دلالة عدم ثقة فيما هو معروض عليهم مما سبق الثورة من تشكيلات أو أشخاص، وهي أيضا محاولات لتنظيم الجهد، وهي ثالثا محاولات لإضافة عمق الرؤية إلى الأداء العملي. نعم كانت محاولات الفصل بين الشباب والشعب هي الفتنة الأولى التي جرى صياغتها للانحراف بالثورة، والآن يخرج علينا المتحدثون من الحركة الرامية لإجهاض الثورة في تنظيمي الإخوان وحزب الوسط الدينيان لمحاولة اغتيال أداء الشباب. انضم التنظيمان اللذان ما كان لهما وجود من دون الثورة إلى الجانب الآخر المضاد للثورة، وصار المبدأ الحاكم لحركتهم ومواقفهم هو مجرد الوجود، وأكدا أن غياب المشروع السياسي لديهما يتجاوز حدود الاتهام بعجز في الرؤية، إلى خطورة الأداء، ولا أتوقع أنهم ومن على شاكلتهم سيبقون في الحلبة السياسية طويلا، وتحددت مهمة التطهير القادمة أمام حركة الثورة في مواجهتهم، ليس رغبة في الافتراق ولكنها خنادق الصراع وقواه تفرض نفسها. من يتابع وقائع الأسبوع الماضي بين يومي 8 يوليو و15 يوليو، يدرك أن خروج الشعب يوم 8 يوليو أصاب المتواطئين والمتباطئين بنوبة هيجان تدلل على حجم الوعي الغائب وعلى عدم القدرة السياسية. حكومة الدكتور عصام شرف سقطت، وأيضا اتضح للجميع ـ عداه هو شخصيا ـ أنه ليس رجل المهمة، وسيمر بعض الوقت حتى يدرك شرف وجوب الاستقالة، فكل ما نقل عن مشاوراته لتشكيل وزارة جديدة يؤكد أنه بلا رؤية وأنه عبء على الثورة ومهامها. وبيان المجلس العسكري الذي ألقاه اللواء الفنجري أضفي بعدا جديدا من التوتر على المناخ العام، ودقت طبول الكهنة فرحا، وخرج الإعلام كاشفا أنه مازال في حاجة إلى التطهير، فموجة التحريض التي يمارسها الإعلام في مصر تكشف أنه مستقر في خندق معاد للثورة. المهمة الحالية أمام الثورة هي إقالة شرف وحكومته، ومن ناحية أخرى أن تصل رؤية الثورة واضحة للمجلس العسكري، والتي يعبر عنها شعار الخبز الحرية والعدالة الاجتماعية. على الثوار اتباع تكتيك مداه التقدم حتى التلامس بأطراف الأصابع، ومن ثم التراجع، وهو تكتيك الوجود لإعادة الوعي لدى الأطراف الأخرى، وليس تكتيك الاشتباك الكامل، لأن الاشتباك بالإضراب أو العصيان المدني يفرض مهام أخرى باتجاه حشد كل المجتمع، لا يتأتى إلا بالتواصل الكامل مع قوى المجتمع المؤثرة، وهو ما لم يكتمل بعد، ومازال متروكا للتداعي الذاتي. لم يكتف المجلس العسكري بالبيان ولكنه ألحقه بمؤتمر صحفي، ومن بعده توالت المشاهد من جمع لتوكيلات لتأييد المجلس ومظاهرات بمصر الجديدة لتأييده، واقتحام للاعتصام بمدينة طنطا، وأخيرا دخول اللواء المهدي المكلف بالإعلام إلى التحرير لمناقشة المعتصمين والمعتصمون يرفضونه ويرفضون سماعه، بعد اتهامه لبعضهم بالخيانة. مشاهد تؤكد خطأ في إدارة الموقف، كتب عنها الكاتب الصحفي جلال عامر "ثورة لها جسد وبلا رأس ومجلس عسكري له رأس وبلا ثورة". بهذه التصرفات وضع المجلس العسكري نفسه طرفا في مواجهة الشعب. العلاقة بين حركة الشعب والمجلس العسكري ليست مسؤولية الشعب وحده، بل مسؤولية المجلس العسكري أيضا، فمن غير المقبول التغاضي عن وقائع الأشهر الماضية منذ إزاحة مبارك، وخلالها لم يقدم المجلس العسكري ما يبني العلاقة مع الشعب، بل دخل في يقين كل المراقبين أن انحياز المجلس للنظام القديم قائم على نحو تعاملاته مع قضايا الفساد ودخل شريكا معه في هذا النائب العام، وأخطر من هذا وضع المجلس العسكري أمر الثورة بيد لجنة البشري والإخوان المسلمين وهو ما حاول المجلس نفيه، ولكن وقائع الأمور كانت تدلل على ذلك رغم هذا النفي، وغير هذا لم يفصل المجلس بين العناصر المنتمية للثورة وبين البلطجية، بل كانت المحاكمات العسكرية تطول شباب الثورة ولا تطول أركان النظام. المجلس مطالب أن يقدم دليلا على الاستيعاب السياسي لمتطلبات الثورة، وأن يعدل عن انحيازاته، وأن ينحاز للثورة ولا يلقي بها فريسة لادعاءات تنظيمات وكيانات سقطت مع الثورة كما سقط الحزب الحاكم، بما في ذلك الكيانات التي اكتسبت الوجود العلني بقيام الثورة. الاحتياج في اللحظة أن تكون ممارسات المجلس العسكري وقراراته لصالح الثورة. لا تختزل الثورة في رؤية ممدوح شاهين والبشري ومن ورائه الإخوان، هناك 45 مليون مصري تحت خط الفقر، لن تخدمهم محاكمات الفساد وحدها ولا حقوق الشهداء والمصابين المهدرة، ولكن يحققها الاستيعاب الجاد لمدلول شعار الثورة "الخبز ـ الحرية ـ العدالة الاجتماعية". نحن نحتاج لإعلان سياسي يوضح ماذا تعنون بأنكم مع الشعب، واستمرار الأمور مبنية للمجهول تزيد عمق الاختلاف وتآكل الثقة، والسؤال لمصلحة من غياب الرؤية؟ كيف ترون الفترة الانتقالية التي انقضي منها ستة أشهر، ولا شيء يتحقق إلا بجهد من الشعب وتضحيات، بينما هناك حملات معادية لمطالب الشعب واحتياجاته. الحياد بين الشعب وأعداء الثورة انحياز مضاد للشعب. تطهير الإعلام والقضاء والجامعات وإدارة الدولة مهام لم تتم بعد. ولا يمكن إتمامها إلا برؤية سياسية تتبني مدلولات التغيير، والثورة أيها السادة علم تغيير المجتمع، وليس مجرد إزاحة نظام حكم، ولكنها بناء مجتمع بالوعي والإرادة. وهناك الفساد السياسي، وهو ينطبق على كل من راوغ الشعب طوال الحكم السابق، ويشمل من كانوا بعيدين شكلا عن الحزب الحاكم، وينضوون فعلا داخل عباءته، وأولئك الذين فاوضوا النظام وأمن الدولة لينالوا حظا من الوجود، هؤلاء لا تصلح معهم توبة فهم يأكلون على كل الموائد، وهم اليوم أقرب إلى مجلسكم من الشعب، ومكانهم محكمة الفساد السياسي، فلا تستبدلوا الشعب بهؤلاء. الشعب يملك الجسارة في شبابه، والشباب يريد تحقيق مصر القوية، فهل تدفعون بشباب مصر وذخيرة المستقبل فيها إلى أن يشق طريقة عنوة فوق بحر من الدم، ويومها لا عاصم من غضبة الشعب. لست يا أمير الحكم، فلا تصالح مع الفساد، مهما تعددت مناوراتكم. وكأننا بأمل دنقل ينقل صرخة شهدائنا: هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟، أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء، تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟ لا تنسوا أن شعب مصر في رباط إلى يوم الدين، ودورة التاريخ هذه لصالح الشعب وإن طال الزمن.
649
| 19 يوليو 2011
الثورة قمة النضج البشري عقلا ووجدانا وإرادة كان الخروج الثاني يوم 8 يوليو إعلانا بثورة ثانية داخل الثورة، تجاوز مجرد المظاهرة، إلى إعلان جديد للثورة الثانية بعد أن استنفدت الموجة الأولى طاقاتها في مقاومة كل محاولات الانقلاب عليها، وحالة الانفلات الأمني، ورغم أن العناوين الأساسية كانت تطالب بالتطهير، أي العودة إلى المربع رقم 1 من عمليات الثورة، غير أنها كانت تعيد إحياء إستراتيجية الثورة "الخبز (العيش) ـ الحرية (الكرامة) ـ العدالة الاجتماعية". كانت شوارع المدن فارغة وقت التجمع، وبدون أي جرائم، وتوقف الانفلات الأمني مع سكون الشرطة بعيدا عن الشوارع ومدرعات الجيش تحمي أقسام الشرطة. كشفت الأنباء عن محاولات كانت تجري للإعداد لاعتداءات على المتظاهرين وتم إجهاضها، في القاهرة والسويس والإسماعيلية، ودخلت "الغرف التجارية" إلى دائرة التخطيط والتمويل لعناصر البلطجة، إلا أن المظاهرات الشعبية تجنبت الصدام، وفوتت الفرصة على محاولات اختراق التجمعات وتصرفت بعقل بارد وثقافة "أمن المظاهرات" مما أدى إلى نجاح البداية وتأمينها واستمرارها. التصرفات على الجانب الآخر من المجلس العسكري وحكومة تسيير الأعمال كانت غامضة ووصلت إلى حد الريبة. نعم تصاعدت بعض الهتافات ضد المجلس العسكري ولكنها كانت تعبر عن لون آخر من الحرب النفسية تديرها عناصر النظام السابق بكافة انتماءاتها ومحورها: ماذا ستفعل الثورة التي لن يتم تمكينها من أهدافها؟، وكأنهم يملكون إستراتيجية المجلس العسكري، وساعد على هذا تصرفات تمت حيال أسر الشهداء أو المتهمين بالقتل وقضايا الكسب غير المشروع. والتقيت جنرالا سابقا بالطيران في مناسبة اجتماعية مساء يوم السبت 9 يوليو، ورغم العديد من الآراء المنطقية إلا أن الخبر الرئيس الذي كان يؤكد عليه أن الجيش لن يتنازل عن حكم البلاد رغم كل ما يدور من أحاديث داخل المجتمع، وأن مرشحهم هو أحمد شفيق وظل يؤكد ويستدل على حديثه باستفتاء نشره المجلس العسكري حول المرشحين للرئاسة وإضافة اسمي أحمد شفيق وعمر سليمان إلى القائمة التي يجري الاستفتاء حولها. وصباح الأحد 10 يوليو تناقلت شبكة الإنترنت صورة التقطت في حفل تخريج دفعة جديدة للكلية الجوية، وأحمد شفيق يجلس في منصة الاحتفال بالصف الأول إلى جوار رئيس الأركان المصري. استفزاز لا حدود له للشعب وإرادته، وكأنه إعلان لموقف مضاد لخيارات الثورة والشعب. قد يقول قائل إن أحمد شفيق كان حاضرا بصفته قائدا سابقا للقوات الجوية، وهي التي دفعت بطائرتين أف 16 لتحلقا فوق رؤوس المتظاهرين بالتحرير قبل خلع مبارك، كان الحديث يومها أن القوات الجوية تعلن حمايتها للمخلوع، فهل اليوم تعلن القوات الجوية المصرية والمجلس العسكري احتضانهم لأحمد شفيق رغم إرادة الشعب؟، الصورة على أي نحو تزيد من غموض المواقف والريبة تجاه النوايا، وتكاد تعلن موقفا وتتحدى مشاعر الشعب وإرادته التي أقالت شفيق من منصبه كرئيس وزراء عينه مبارك قبل خلعه، واعتبر من رموز النظام السابق وهناك تحقيقات تجري حول اتهامات وجهت إليه أمام الكسب غير المشروع. رفضت الموجة الأولى للثورة أحمد شفيق، وخرج من الوزارة رغم بكاء د.يحيى الجمل نائب رئيس الوزراء الحالي على رحيله!! ظهور الرجل على هذا النحو يؤكد أن هناك تعددا لمراكز القوى داخل المؤسسة، وأن عدم الاستقرار هناك يعكس نفسه على قرارات المجلس واستجابته المترددة لاحتياجات وضرورات المرحلة الانتقالية. مراحل تعامل المجلس العسكري مع الثورة وأهدافها أثارت من الأسئلة والريبة أكثر مما أكدت على صحة التفهم والانتماء. فهل نحن ذاهبون إلى صراع إرادات جديد، لاختلال في الوعي بما جرى في كونه ثورة شعب، وخلل في فرز العناصر وانتماءاتها؟، سؤال جديد يفتح أبواب جهنم وقد ينتقل بالثورة من كونها ثورة سلمية رغم دماء الشهداء والمصابين، إلى طبيعة جديدة مغايرة جذريا، إن جرى حساب الجيش الوطني في غير خندق الثورة والشعب، وهو ما يلقي على الجيش مسؤولية الحيلولة دون ذلك الاعتقاد فبقدر حاجة الشعب إلى الجيش للحيلولة دون إجهاض الثورة فالجيش يحتاج الجبهة الداخلية المتماسكة في مواجهة العدو. ويخرج د.عصام شرف على شاشة التلفزيون باختراق ناعم لحالة الصمت التي واجهت المشهد العظيم ليوم الجمعة، وركن في حديثه إلى استجابات لمطالب المحاكمات وإقالة المتهمين بقتل المتظاهرين والإعلان عن إعانات للشهداء والمصابين وتخصيص دوائر لمتابعة المحاكمات دون إجازات. لم يمس الحديث جوهر قضايا التطهير، مما أفقده البعد السياسي للحديث، وأفقده زمام الأمور وصار الحديث مجرد هرولة خلف مطالب المتظاهرين، وبلغ بالبعض تشبيه الحديث بحديث مبارك الأول بعد 25 يناير، والذي وصل إلى الناس محرضا أكثر منه مقنعا بأنه استوعب الدرس. فقدان الوزارة الانتقالية للمبادأة وأد احتمالات الحل السياسي ووضع الجميع أمام أزمة لم تصل إلى ذروتها بعد، وافتقاد هذه الفرصة سيؤدي حتما إلى مواجهة قد تسيل فيها مزيد من الدماء، فالتوجه إلى العصيان المدني يعني تعطيل مرافق الحياة في المجتمع، وهو ما قد يستدعي إجراءات للحيلولة دون ذلك، وهو ما سيعود بنا إلى تصرفات الداخلية خلال الأيام الأربعة الأولى للثورة، وعندها فقدت الشرطة السيطرة وانسحبت، لكن كان وراءها قوة أخرى يمكنها السيطرة على الأمور وهي القوات المسلحة، ولكن الوصول إلى نقطة صدام مع الجيش لن تكون لحظة مقبولة ولا هي مطلوبة، واستمرار الصمت دون اتخاذ إجراءات جذرية تنم عن الاستجابة لإستراتيجية الثورة، تدفع إلى الصدام دون بديل. وفي الوقت الذي كان رئيس الوزراء يتحدث فيه عن قراراته السبعة وأولها إقالة الضباط المتهمين كان وزير الداخلية يتحدث حديثا مغايرا على قناة أخرى، ويهدد بالاستقالة وأنه لن ينفذ قرارات شرف إلا طبقا للقانون، دلالة أخرى على تعدد المحاور والإرادات بين وزراء حكومة تسيير الأعمال، فكيف اتخذ رئيس الوزراء قرارا دون التشاور مع الوزير، نوع من عشوائية القرار. وظهر يوم الأحد 10 يوليو تظاهر ضباط الشرطة أمام وزارة الداخلية بقيادة ائتلاف ضباط الشرطة وأعلنوا رفضهم قرار رئيس الوزراء بإقالة المتهمين وطالبوا بمحاكمة عادلة لهم. ويعلم ضباط الشرطة حقيقة عمليات القتل، ومؤامرة إطلاق الرصاص التي أعقبت خلع مبارك، ويعلمون حقيقة القناصة، وأكثر من هذا يعلمون مدى الفساد داخل الجهاز وعناصره، ويرصد ضباط الأمن المركزي في قطاع القناة دور قائد القطاع قبل الثورة في بناء شاليهات وفيلات لقيادات الداخلية على الشاطئ الشمالي لسيناء، وعلى الرغم من ذلك لم يعلن ائتلاف الضباط أو من خارجه من هم قاتلو المتظاهرين بل وتتواطأ بعض عناصر التحقيق مع القتلة، ويطالبون بشهود أن الضابط "س" قتل المتظاهر "ص"، ويطالبون بسلاح القتل وفوارغ الطلقات!! شواهد لاحتمالات الانقسام داخل المجلس العسكري، وداخل الحكومة، ويمتد إلى مرشحي الرئاسة فيدعو محمد العوا إلى فض الاعتصامات والاكتفاء بالتظاهر، وهو من رفض المظاهرة يوم 8 يوليو وبمجرد تمامها ذهب إليهم ليخطب فيهم، بينما البرادعي يدعو الحكومة إلى اتخاذ قرارات واضحة وقاطعة بالاستجابة إلى مطالب المتظاهرين. وتتصاعد الحدة في السويس والمستمرة من قبل 8 يوليو وتصل إلى مواجهة بين الشرطة العسكرية والمعتصمين على طريق السخنة عندما أغلقه المتظاهرون، ويحاول آخرون منع استخدام مبنى إدارة الملاحة ببور توفيق ويتدخل الجيش ويقوم باحتلال الموقع، ويبدأ بعض المعتصمين إضرابا عن الطعام، وهو تطور آخر، وتتصاعد المطالب الشعبية بقطع الملاحة في القناة. وفي الإسكندرية يقطع المعتصمون طريق الكورنيش عند جامع القائد إبراهيم. وفي الإسماعيلية يعتصم المتظاهرون أمام مديرية الأمن، ويحيط الجيش مبنى المحافظة بالأسلاك الشائكة وتحويل الطريق أمامها تحسبا لأي تطورات. ويغلق المعتصمون في التحرير مبنى "المجمع" الإداري، ويمنعون الموظفين من الدخول، وتتسرب أفكار عن إيقاف خطوط مترو الأنفاق ابتداء من الإثنين، وإن لم يصدر بعد قرار بهذا. انشطارات عديدة، والجميع يلقي بآخر أوراقه. مسار المظاهرات يتحول إلى العصيان المدني والمجلس العسكري يكتفي بردود الفعل وببطء، وينشر صورة لأحمد شفيق في حفل تخرج دون أي داع سوى إرسال رسالة عكسية إلى الثورة. وحكومة تسيير الأعمال تتخبط وتفتقد القدرة السياسية على إدراك إستراتيجية الثورة وتكتفي بملاحقة المطالب الجزئية للمحاكمات وإعانات للشهداء والمصابين دون تحويل المطالب الأساسية للثورة "خبز ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" إلى خطة عمل ومهام قابلة للتنفيذ. الحديث من الشعب عن الأداء من حيث الاتجاه والمضمون والقوة والمعدل، بينما الحديث المقابل عن الثقة والخطوط الحمراء والصبر. وحوار الطرشان هذا بين الطرفين سيؤدي إلى نقطة أقصى تطور في الأزمة بين الطرفين. هل هناك من يريد إجهاض الثورة؟ نعم. هل هناك من يريد تقزيم الثورة عند حدود وعيه القاصر؟ نعم. هل هناك من يتربص بمصر من الخارج وله في الداخل أنصار وأصحاب مصالح؟ نعم. هل إستراتيجية الثورة واضحة؟ نعم "الخبز ـ الحرية ـ العدالة الاجتماعية". هل يمكن تحقيقها؟ نعم. ما شرط التحقيق؟ أن ينتمي إليها المجلس العسكري مصدر القرار وحكومة انتقالية تستطيع إدراك مسؤولياتها وتعمل على تحقيقها. هل هناك قوى سياسية قادرة على قيادة الجماهير؟ لا فقد تجاوز الشعب الجميع وسقطت القوى في بئر "الأنا" ملطخة بدماء الشهداء. هل يملك الشعب بديلا عن التظاهر؟ نعم التظاهر والاعتصام والعصيان المدني. هل هناك ما ينقص حركة الاعتصام المدني؟ نعم أن ترتقي كل قوى المجتمع إلى ما وصل إليه الشباب والمعتصمون والمتظاهرون في مدن مصر. الحركة تحتاج في هذه اللحظة كافة النقابات المهنية والعمالية والعمال في المصانع وعلى وجه الخصوص في المحلة الكبرى، والتي تبدو علامة استفهام كبيرة. انتقل الحوار من أيهما يسبق الآخر، الدستور أم الانتخابات، إلى الحوار كيف نسترد الشرعية الثورية وما الذي يترتب عليها؟ سقطت الأشهر الماضية يوم 8 يوليو وسقطت معها كل محاولات الانحراف بالثورة وكانت أشد المؤامرات التي جاءت من قوى ظلت حبيسة الظلام إلى أن أسقطت الثورة رأس النظام وجهاز الأمن التابع له. الذين يمضغون الكلمات ويقولون إن الثورة تحتاج إلى العقلاء وليس إلى الثائرين أبدا، هؤلاء لا يعون ما يقولون. فالثورة قمة النضج البشري، عقلا ووجدانا وإرادة، أما حديث العقلاء فهم يعنون به أن يصيب الثوار خبالا وليس أن يعقلوا أمرهم. العقل الآن يريد الثورة الثانية، ويفرض خيار العصيان المدني، بديلا وحيدا أمام الثوار. ويبقى بديل في المجهول، أن يأتي من خارج المشهد من ينتمي إلى الثورة ويفرض استيلاؤها على السلطة تجسيدا لإرادة الشعب وواعيا بمهام المرحلة الانتقالية الحقيقية وليس زيف النوايا الذي نعاني منه.
448
| 12 يوليو 2011
طالب الشهادة تمنح له الحياة.. والموت لن يحني رأس الشعب أبدا الشعب يقاوم.. هو العنوان الرئيسي للفترة الانتقالية بعد 11 فبراير 2011. رغم المهام العديدة التي حلت فور خلع الرئيس، غير أن الشعب المصري تجمعت عليه كل صنوف العدوان والحرب ماديا ونفسيا، في محاولة لإجهاض ثورته، وكأن ثورة الشعب يمكن لقوي الظلام والفساد أن تجهضها وتحيلها إلى فعل ماض، ناسين أن الدوافع الرئيسية لثورته لم تنقض بعد، أيا كانت محاولات الانحراف بإرادته أو تفريغها من مضمونها، أو محاولات قنص شبابه الذي مازال وقود الثورة، ومازالت تضحياته تتوالي. لا أتصور أن في مصر الآن جنرالات مقاه، أولئك الذين عانت الأمة من ادعائهم المعرفة والخوض فيما لا يعلمون. ولكن ألم المعاناة فجَّر كل إمكانات الذكاء الشعبي، وتحول الشعب إلى ضوء كشاف ساطع يرصد كل الانحرافات، وبدأ في الحديث من جديد عن معاني الثورة، والحديث عن الأنا المحركة للنخبة والجماعات والتكتلات، وصار تقاعس الأمن سؤالا مريبا، وصار أمله في دور للمجلس العسكري محل شك يردده ويقول به، وتبين لكل ذي بصيرة أن الشعب أسقط كل الخطوط الحمراء غير خط واحد "حقه في الحياة". نعم هناك غيامة ألم شديد، ترفض الاستسلام، ورغم اتباع منهج أن الوقت هو جنرال النسيان لدي الشعوب، إلا أن استمرار إمساك الشعب بقضية "الحق في الحياة"، أدي إلى تحويل بذور اليأس إلى غابة مقاومة، ونكاد نري هزيمة الحرب النفسية، وهزيمة سياسات التفتيت لجبهة الشعب الثائر والتي تجلت خلال الأيام الثمانية عشر الأولى من الثورة. متابعة أحاديث النخبة ترصد التشتت ومحاولة اجتزاء الثورة إلى مكاسب ذاتيه، بل يراها الشعب ممالأة لسلطة مؤقتة، يسألونها الوجود، والمنح، ذات منهجهم مع النظام السابق، وبقايا النظام السابق الحاكمة الآن تتبع ذات منهج "ثلاثية القرد: لا أرى ولا أسمع ولا أتكلم". وترصد عجز وزارة بنى عليها البعض آمالا بينما لا تملك الوزارة ما يؤهلها لأداء مهام الفترة الانتقالية. وتخرج أحاديث النخبة كل يوم بمتناقض جديد، لا تقبض علي مهام المرحلة الانتقالية وتسعي إليها، ولكنها تتنازل تدريجيا عن مضمونها حتى تكاد العناوين تفقد معناها ومضمونها، أيضا قصة القرد الذي يقوم بقسمة قطعة الجبن علي الميزان إلى نصفين، وكلما وجد فرقا في الميزان أكل قطعة من الجبن لتتساوي الكفتين، إلى أن أكل الجبن كلها، وفرغ الميزان من دورة. عندما أعلنت الثورة شعارها "الخبز ـ الكرامة ـ العدالة الاجتماعية"، كانت تضع استراتيجية للقادم من أداء وعمل، ولكن موجودات النظام السابق الذي جرت الثورة علية علي كلا جانبي النظام ومن سجونه أيضا، كونت ائتلافا مضادا البعض منه يهاجم ماديا بكل الأسلحة في يده وحاول زرع الخوف وإرهاب الشعب، وحاول تسويف المطالب التي أعلن أنه معها، وانضمت إليه نخبة وجماعات وأحزاب لا وجود لها الا في غياب الشعب، وحاولت تحجيم استراتيجية الشعب في حدود وعيها القاصر، وسرقة الزمن لصالحها. الجميع في مركب القراصنة، ولا أستثني منهم أحدا. وحولوا استراتيجية الثورة إلى "الأنا ـ تعديلات دستورية ـ انتخابات"، وألبسوا ادعاءاتهم أردية الدين وأطلقوا لها لحية، علهم يزيفون وعي الشعب. ألم المعاناة أصبح السلاح الرئيسي لمواجهة التزييف والتسويف وصار وقود الثورة. شعار الثورة "الخبز ـ الكرامة ـ العدالة الاجتماعية" كان محددا وقاطعا، وكانت الاستجابة أليه تتمثل في تحويله إلى مهام بديلا عن مهمة مزيفة كان عنوانها "نقل السلطة من العسكريين إلى مدنيين"، نقل يمثل ترجمة حرفية لما أطلقة الغرب وأمريكا، وكأنهم يقولون إن العسكر ليسوا من المصريين أو أن السلطة المدنية المطلوب أن ننتقل إليها محددة الانتماء إلى الشعب وليست بقايا النظام السابق، فبقايا النظام السابق ليس من يحلوا لهم إطلاق مسمى "الفلول" عليهم بلا معني، ولكن هناك فلولا أخرى هم من عايشوا النظام السابق وواكبوه تحت مسمي "المعارضة"، فسقوط النظام وسلطته كان يعني ضمنيا سقوط المعارضة التي عاصرته فهي جزء من نظام الفساد، وعناد الحقيقة ومحاولة اكتساب مبرر وجود بعد الثورة هو ضد الثورة ومقتضياتها، بل هو نوع من تزييف إرادة الشعب وتحميلها بأعباء غير مبررة. وبدلا من تحمل مسؤولية شعار الثورة ومهامه انتقلنا إلى صراعات السلطة، وحتى يكتمل مشهد القرصنة وكان العداء المستعر من الكل لمعنى الدستور، ويجرى اختزاله كل يوم إلى محددات لا تقترب من قضايا المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، أيضا القرد وميزان الجبن. هكذا جرى فرز المجتمع، الشعب بمعاناته وضع أماله في شعار ثورته "خبز ـ كرامة ـ عدالة اجتماعية" وهو يملك عقيدة الصبر والمقاومة وسلاحه أبنائه الشباب الذين تراكم وعي الكرامة داخلهم، ولم يعد لأحد إمكانية الانقضاض عليهم، ذاقوا طعم الشهادة في أعز رفاقهم، فصاروا ينشدونها وكأنها سبيل الحياة، ونجحوا في تجاوز كل محاولات الاستقطاب الذاتي أو الخارج عنهم، وبقيت كتلتهم الأكبر خارج صور الاستقطاب، حرة لا يطولها سم الكاميرات أو الجلوس على مقاعد وثيرة. وعلى الجانب الآخر النظام السابق بأكمله، من مكونات السلطة والمعارضة، الجميع تم استقطابهم إلى حنين للعودة للماضي، بمظنة أن الماضي يبرر بقاءهم، وخرجوا من خندق الثورة عندما فقدوا التوافق مع استراتيجيتها، واستعاضوا عنها ببديل عاجز جسده سعي غير حر وبلا كرامة للشعب إلى سلطة ستكون نهايتهم. ليلة 28/29 يونيو الماضية كانت قمة الوضوح في فرز المجتمع، وأي متابع لما جرى يخلص إلى نتيجة حاسمة بأن "مؤامرة وأد الثورة مستمرة"، وأن الثورة خارج السلطة، وإذا كان يوم 28 يناير هو يوم سقوط النظام ووزارة داخليته، فقد كان يوم 28 يونيو هو يوم سقوط وزارة تسيير الأعمال ووزارة داخليتها. وما يزيد الأمر ريبة أن الجيش يتحرك فقط لحماية المنشآت بادعاء أنها رمز للدولة، ولا يتحرك لحماية الشعب الذي هو الدولة ومبرر وجود الجيش ذاته. وما يثير الاستغراب ويدفع إلى التعجب، أنك تسمع من الجيش ملاحظات حادة على أداء الداخلية منذ سقوط النظام حتى اللحظة، وأنهم بعد هزيمتهم أمام ثورة الشعب واستمراء قتل المتظاهرين، خرجوا إلى تنفيذ مخطط الفوضى داخل المجتمع، وأن ضباط الشرطة كانوا هم من يطلقون الرصاص على الأهالي ليلا، في مخطط وصفوه أنه كان معد سلفا حال وقوع أي خلل في عملية التوريث من المخلوع إلى ابنه، ورغم هذا لا تري من تحركات الجيش إلا مصاحبة مجموعات الشرطة في مهام تنفيذ الأحكام، ولم نجد من الجيش موقفا في مواجهة الضباط الذين قادوا عملية الفوضى وهم يعلمونهم بالاسم. وبلغت الصلافة والتبجح بأحد أفراد الشرطة أن يقف في مواجهة المتظاهرين يرقص بأحد "السنج" أو السيوف مشيرا بيديه بإشارات بذيئة، بينما مكبرات الصوت من فوق مدرعات الشرطة تتوعد الشعب وتسبه بأقذع الألفاظ، وتتوعده وتتوعد الثورة، حديث إفك يديره العيسوي والغافل أبداً رئيس الوزراء. روايات الحضور في ميدان التحرير أن ثلاثة تشكيلات من الأمن كانت تواجه المتظاهرين على ثلاثة منافذ للميدان، تشكيلان منهما كانا في مواجهة قاتلة مع المتظاهرين، وأن التشكيل الثالث كان خارج الاشتباك بل وانصاع لأوامر الانسحاب والآخران كانا يمارسان كل العنف بلا مبرر في مواجهة الجماهير التي احتشدت دفاعا عن أهالي الشهداء الذين تعرضوا للإهانات المتوالية، وكان آخرها إعلان إنشاء صندوق لرعاية أسر الشهداء والمصابين بعد ستة أشهر من الثورة. وحاولت أبواق سلطة ما بعد الثورة وصم اسر الشهداء ومن تداعى حولهم من الشعب لحمايتهم من بطش مجهول المصدر، حاولت هذه الأبواق والإعلام والبيانات وصفهم بالبلطجية، وأقطع باليقين أنه لو كان الحضور بالتحرير من البلطجية، لما تحركت ضدهم جموع الشرطة، فالبلطجية والشرطة يد واحدة في مواجهة الشعب بل نجح البلطجية أن يغيروا من أسلحة الشرطة لتستخدم أسلحة التخلف المجتمعي "السنجة والسيف". وعلى قناة تليفزيونية يخرج شاب وفتاة وإخوة لشهداء مع ريم ماجد المذيعة التي أضافت للإعلام المصري صورة مشرفة جديد لمعني الإعلامية التي تحترم عقل المشاهد، وتحترم نفسها، وتنتمي لمجتمعها. كان مع ريم "علاء وجيهان" شابان من شباب الثورة، أن استمعت إليهما أدركت وجوب أن تأخذ الثورة السلطة، وأنهم قادرون بالصدق، نعم أهم وأعظم ما تكتشف فيهم الحماس والوعي والثقة والصدق، حديثهم لا كذب فيه، ويراجعان بعضهما البعض، مقاتلان ببساطة الإنسان وبراءته يدركان أن ما يحققانه لا يأتي بالادعاء ولا الكذب ولكن له ثمن يجب دفعه، هكذا هي مصر، وسط ظلام المؤامرة تضيء شعلة جديدة للثورة ألا تكذب فهذا حقنا والجرائم السوداء تكشف نفسها. سقطت وزارة تسويف الأعمال، وأسقط مجرمو الداخلية جهاز الشرطة، كلاهما يستوجب الحل. شرف يجب أن يذهب فهو ابن للنظام السابق ويجهل معني الثورة وأهدافها وكيف السبيل إليها. والداخلية أصبح واجبا حلها وتسريح رتبها العليا، الشريف مع غيره، ثم إعادة بناء جهاز الشرطة، ولن نمل من تكرار مثال إعادة بناء القوات المسلحة بعد يونيو 67، وكيف تجاوزنا حالة الفوضى. نذكر محاولات المشير وجماعته للعودة إلى القوات المسلحة والتي انتهت بانتحاره، وهي ذات محاولات الداخلية للعودة بالبلاد إلى حالة ما قبل يناير، والفارق بين الحالتين أن عام 67 كان هناك من يستطيع أن يتخذ قرارا ومن حوله رجال ينفذون القرار، وبين اليوم حيث حالة "اللا قرار" التي تسيطر على البلاد المسروقة تحت شرعية استفتاء طلبته لجنة معادية للشعب هي لجنة البشري، وصادرت به الشرعية الثورية. الجريمة الاقتصادية مستمرة ويقودها وزير مالية تسويف الأعمال الذي رفض له المجلس العسكري أن يستدين من البنك الدولي، ويعيد إليه الميزانية فيقوم بتجميد المعاشات، ولأن الثورة طالبت بالعدل الاجتماعي فقد ترجموه في زيادات أهدروها، والخروج الجديد للشعب سوف يكون لمطلب العدل الاجتماعي، تراجع وزير مالية شرف والذي كان مستشار يوسف بطرس غالي الهارب من العدالة، تراجع عن فرض ضرائب جديدة تطول المتعاملين بالبورصة، وتراجع عن زيادة الأجور والمعاشات، فأي وزارة للثورة هذه، تحرم الفقير وتضيف لأثرياء زمن الفساد. هل سيكون يوم 8 يوليو الموعود فيه بمليونية شعبية جديدة للعدالة الاجتماعية، أم أنكم تذهبون بالبلاد وشعبها إلى دم جديد، والشعب وشبابه يستعدون له بل ويطلبون الشهادة، وطالب الشهادة تمنح له الحياة التي يستحقها، والموت لن يحني رأس الشعب أبدا.
485
| 05 يوليو 2011
يجب تمكين الثورة من سلطة القرار أيا كان الأرقام باردة، مهما عظمت، وأوراق التحقيق باهتة، مهما حملت من اتهام، ولكن النار الحقيقية هي في دم الشهداء المسال على ثرى مصر، والمصابين بفقدان البصر أو قطع الأطراف أو العجز. هؤلاء لم يصابوا في حوادث طرق أو كارثة طبيعية، هؤلاء كانوا تحت وابل من رصاص القتل المتعمد مع سبق الإصرار، والرصاص الذي قتل أبناء الشعب مدفوع ثمنه من عرق الشعب ذاته، والأسلحة التي استخدمت كذلك، والقاتل ومن أصدر الأمر مصريو الجنسية وكانوا يتقاضون مرتباتهم من عرق الشعب أيضا، رئيسا أو وزيرا أو ضابطا أو جنديا، ولم يكونوا جميعهم من جيش العدو الصهيوني، ولكنهم كانوا مصريين، والتعامل بدم بارد مع هذه الحقيقة، هو قتل متعمد جديد، يتجاوز الشهداء والمصابين إلى ثورة الشعب، بل إلى قتل من جديد لمصر الحرة التي استخلصت كرامتها وحقها في الحياة بكل الشعب ولكل الشعب. التباطؤ، تواطؤ والتواطؤ انقلاب على الثورة. والثورة ليست عرضا مسرحيا، أو مباراة لكرة القدم، وليس هناك مبرر ما يمكنه أن يحل كائنا من كان من الالتزام تجاه الشعب وثورة الشعب. مصر تحيا أشد الحروب النفسية وطأة في تاريخها. الهدف الواضح والمباشر تحويل الثورة إلى قصة كانت، وإعادة امتلاك زمام المبادأة. عاش الشعب المصري عبر نضالاته المعاصرة حروبا نفسية شتى، كانت دوما تستهدف تمزيق وحدته، والقضاء على إرادته. كانت آخر صورها ما صاغه أنور السادات، في محاولة لتمرير اتفاقات الاستسلام والتي أطلق عليها زيفا اتفاقات السلام مع العدو ومصدر الخطر الرئيس المتمثل في الكيان الصهيوني، ويومها أطلق السادات أنها عقدة نفسية وليست صراع وجود مع العدو، وكان لزاما أن يغطي ذلك بشعار داخلي، وأطلق شعار دولة العلم والإيمان، وكان لزاما أن يختار انحيازا اجتماعيا واقتصاديا يدعم توجهه، وظهرت سياسة "الباب المفتوح" اقتصاديا، وبدأ عصر النهب المعاصر لمصر، وتفريغ كل السياسات من الانحياز الاجتماعي للفقراء أصحاب رسالة "المنديل الملفوف به بصل ورغيف البتاو الصعيدي"، والذي قال بشأنها جمال عبدالناصر: لقد وصلتني الرسالة، واستطرد السادات مبررا الاستسلام لأمريكا وإرادة إسرائيل بمقولة: إن 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا، كفر بشعبه فقتل فوق منصة العرض، وكان درس التاريخ، من يخون إرادة الشعب وحقه في الحياة ليس له إلا القتل. وأعقبته سياسات نظام حسني مبارك والذي ادعى أنه المدافع عن الفقراء، وكان سبيل دفاعه استجداء القراصنة الجدد الذين انقضوا على الاقتصاد المصري وثروات مصر أن يحسنوا إلى الفقراء، واعتمد أن فيض الإحسان الاختياري هو الانحياز إلى الفقراء، وتحول العمال إلى المعاشات المبكرة، وامتلأت بهم الشوارع بكل خبراتهم، وتم هدم القطاع العام الذي تحمل مسؤولية التنمية وتحمل مسؤولية فترة الإعداد لحرب التحرير بين عامي 1967 و1973. ولم ينج الفلاحون من هجمة التدمير المنظم للطاقة البشرية الإنتاجية في مصر، وقضى القضاء المصري بنزع ملكيات الإصلاح الزراعي من صغار الفلاحين الذين يملك كل منهم 5 فدادين، وما أن خرجت أحكام القضاء حتى تولت الداخلية التنفيذ، ولم تكن مشاهد ثورة يناير هي بدايات القتل المنظم، ولكن سبقها إخلاء مصر من طاقاتها البشرية وإمكاناتها الاقتصادية. وعزل الشعب مبارك من الحكم وبالدم. درس التاريخ المعاصر لشعب مصر، أنه يدرك من معه ومن عليه، قد يطول به الصبر حتى يظن المسيء أنه غائب عن الوعي، ولكنه حين ينفجر يعرف هدفه الأساسي، ولا يحيد عنه. وكما أن هناك درسا للتاريخ لصالح الشعب، فقد تعلم مبارك الدرس المضاد من سابقه، وقتل الزمن، وشكل طبقة ذات مصالح مرتبطة به، وأغدق عليها المال، فطال به الزمن ثلاثة أضعاف زمن السادات. مارس مبارك سياسات التضليل والخداع، وتمادى في إفقار الشعب، والاستغفال، وتفريغ الوعي بإعلام مزيف، وفتح باب المنح والرشاوى بلا حدود، ولكن الحبل الذي أرخاه الشعب التف على رقبة مبارك ونظامه وسقط المخلوع، وانهار جدار العزل والخوف. تقول بعض الإحصاءات المنشورة إن الصناديق الخاصة في مصر كانت تحتوي على 1200 مليار جنيه مصري، أو بعبارة أخرى 1.2 تريليون جنيه، وأنها كانت سبيلا لشراء الولاء، والإغداق على فئات معينة في الجهاز الحاكم، ويضاف غير هذا، ما يمكن تسميته مجازا بحجم الدخول السوداء التي كانت الرشاوى مصدرها، لتتكون جماعات المستفيدين من الفساد وهم في هذه اللحظة "الطلقاء" في المجتمع والذين يجري التباطؤ في مواجهتهم، مما دعاهم إلى استعادة شيئ من القدرة على الحديث، بل واستمراء العودة إلى الرشاوى والدفاع عن مخصصات الولاء التي كانت تمنح لهم. يجب التسليم بأن الثورة واستخلاص الإرادة الوطنية لم تؤد إلى استيلاء الثورة على السلطة، ولكن تداعيات الأحداث نقلت السلطة إلى المجلس العسكري للقوات المسلحة، والذي أعلن أنه يؤيد المطالب المشروعة للشعب المصري. ومطالب الشعب كانت تمزج بين رغيف العيش، والكرامة، والعدالة الاجتماعية، وجرى اختزالها عنوة فيما سمي بالتعديلات الدستورية، والتي لا تتجاوز مطالب سابقة على الثورة ، وكأن مصر قامت بثورتها لاختيار نظام مجهول المعالم بدلا من نظام الاستبداد والنهب. وبدلا من تحقيق إرساء قواعد النظام الجديد خلال الفترة الانتقالية، صارت مهامها ترويض الثورة من حيث المعنى والبشر والمهام. وأطلق العنان لجماعة "طلقاء" نظام مبارك في البلاد وتعددت روافد "الطلقاء" الذين يقبضون على النظام الإداري واقتصاد المجتمع وأمنه وإعلامه. وتمثل "الطلقاء" فيمن تم شراء ولائهم، وأي مراجعة لثرواتهم تضعهم تحت طائلة التطهير، وقمة الجهاز الإداري في البلاد، والرأسماليون الجدد ولعل جماعة الغاز ـ إسرائيل مازالت طليقة، وربما منها من يتولى الوزارة، وكذلك جماعة الكويز والتي تسيطر على اتحاد الصناعات، والبعض منهم أسهم في نزح ثروة الاقتصاد المصري إلى الخارج، كما يساهمون في تمويل الحركة المضادة للثورة. ويندرج ضمن "طلقاء" نظام مبارك جهاز الأمن الذي استشعر الهزيمة بعد نجاح الثورة، ويتساءل عن النظام المطلوب منه حمايته. ولا بديل من الإقرار بأن وزير الداخلية الحالي يقود منظومة الداخلية بمفهوم تأديب الشعب عمليا دون الالتفات إلى تصريحاته التي تمر بلا تفسير ولا حساب. ومن "الطلقاء" وبلا مراجعة سياسية أعضاء المجالس المحلية. وقيادات الحزب الحاكم وانتماءاتهم العائلية وتجمعات المصالح. ولا يجدي إطلاق لفظ "الفلول" عليهم لإعلان غياب التأثير على مسار المجتمع، بل هو هروب بالمسمى من مسؤولية التطهير. كما يندرج ضمن "الطلقاء" المحافظون الذين منحت لهم المناصب كإكراميات خدمة وكانوا أداة النظام السابق، وعناصر بالحكم المحلي اتهموا بأنهم بؤرة الفساد الرئيسة داخل المجتمع ومدرسة تجاوز القوانين بالرشوة. وغير هؤلاء "طلقاء" أنتجتهم أمانيهم ورؤاهم الخاصة، المنقضون على الثورة، والمنقضون على العمال والفلاحين وآخر مكاسبهم في التمثيل النيابي. وأصحاب الاختيار الاقتصادي السابق، والذين سعوا إلى المؤسسات العالمية للاستسلام إلى شروطها مقابل ثلاثة مليارات من الدولارات بلا مبرر من حاجة للشعب إليها. وينضم إلى "الطلقاء" أداة الانقلاب أعضاء لجنة السياسات بالحزب الوطني المنحل، ويندرج ضمنهم رئيس الوزارة ووزير المالية وغيرهما، بل إن الاتهام بالانتماء إلى منهج النظام السابق بدأ يطارد وزير الخارجية الجديد وقبل أن يحلف اليمين. "الطلقاء" هم عصب الانقلاب على الثورة وأداته، وليس الحل بتجريدة إقصاء، وإلا انقضى الزمن لمهمة الإقصاء وحدها، ولكن الحل في تأسيس حقيقي لقواعد آليات تضمن القضاء على منهج النظام السابق والبحث عن سياسات بديلة، وليس تمكين "الطلقاء" من مجالس التشريع. في مصر الآن اليمين الليبرالي ينافس اليمين الديني، وتغيب المطالب الاجتماعية عن المتنافسين ويغيب الشعب عن المعادلة السياسية. وتسعى الحرب النفسية إلى تقسيم الشعب إلى فريقين الأول "ديموقراطي منتم لإرادة الاستفتاء"، والثاني معاد للشعب وديموقراطية الاستفتاء. حرب نفسية وغسيل للعقل هدفه وأد إرادة الشعب بهدف حصر حركته في بديل واحد هو اختيار لأعضاء لمجالس نيابية من الطلقاء تصوغ مستقبل مصر القادم. لا بديل عن وضع معالم الطريق القادم في مصر الرؤية المجتمعية للنظام الاقتصادي والتنمية تسبق الدستور. رؤية إستراتيجية الأمن القومي ومصادر الخطر القائمة والمحتملة، وحدود الأمن تسبق الدستور. الرؤية الاجتماعية لمكونات المجتمع وحقوقها وواجباتها تسبق الدستور. رؤية النظام السياسي ومكوناته وعلاقاته وقوانينه الحاكمة والواجبة تسبق الدستور. رؤية الأمن الداخلي للمجتمع، وإبعاد الخلل وإعادة تكوين جهاز الشرطة تسبق الدستور. رؤية دور الأجهزة السيادية تسبق الدستور. رؤية العلاقات مع المحيط العربي والإفريقي والإسلامي تسبق الدستور. رؤية السياسة الخارجية تسبق الدستور. رؤية محاور التعليم والبحث العلمي تسبق الدستور. رؤية الصحة تسبق الدستور. رؤية التأمينات ورعاية المواطن تسبق الدستور. والدستور الموضوع بإرادة كل الشعب يسبق أي تشكيل لمؤسسات المجتمع التشريعية. هذه الرؤى جميعها ينتجها حوار مجتمعي حر وبين كل فئات الشعب وقواه، ولا يجدي معها محاولات الإرهاب الفكري أو لي الذراع لتنفيذ خطط خاصة لا علاقة لها بثورة الشعب. وليس مرشحا لها عناصر النظام القديم لإقرارها أو الحوار حولها. هذه مهام يحتاجها المجتمع ليعيد وطنه إلى مكانه ومكانته. المرحلة الانتقالية تنقضي في اقتتال بلا انتماء للثورة وحاجات الشعب. والاقتتال أعاد سلوكيات ومناهج ما قبل الثورة، وتلطخ الثوب الناصع للثورة التي شهد لها العالم، بأنها مثال جديد لثورة شعب له حضارة. مصر ليست جماعة أو حزبا أو مجلسا عسكريا أو فئة دون أخرى، ألم يدرك الإحساس عندكم رائحة الدم الزكي وعرق الشعب، أم أزكمت أنوفكم رائحة الرصاص والغازات ومياه الصرف الصحي التي كانت تطلقها مدافع الشرطة على الشعب. لم يعد المطلب أيهما نختار، الانتخابات أو الدستور، فهو اختيار غير شرعي، وتبديل للأولويات لأغراض في أنفس وذوات لا تملك مبررا وطنيا واحدا لخياراتها سوى الاستقواء بالمجلس العسكري مصدر القرارات، وأضافوا بادعاء غير أمين مبررات الانتقال إلى الحكم المدني وليس العسكري. هي محاولة لتغليب خيار على آخر فليست المجالس المنتخبة بديلا للمجلس العسكري، ولكنها مكلفة بمهمة ليست لها بحكم المحكمة الدستورية. وتناسى المجلس العسكري مطالب الشعب المشروعة التي أعلن انتماءه إليها وصار كل همه أنه خط أحمر لا يجب الاقتراب منه فضلا عن تجاوزه، واختزلت مصر والشعب والثورة في هذا الخط الوهمي الذي يحول بين الشعب وأهداف ثورته. الهدف الآن تمكين الثورة من سلطة القرار، أيا كان الثمن، والوسيلة ثورة داخل الثورة، لتحرير إرادة الثورة من الطلقاء المنقلبين.
544
| 28 يونيو 2011
الثورة ستستقر عندما يكون عمودها الفقري العمال والفلاحين خسوف القمر الكامل الأسبوع الماضي عاد بالذاكرة إلى أفعال كان يأتي بها العامة من أهل بلدي حين خسوف القمر، فتخرج النسوة والأطفال بصفائح ويطرقون عليها كأنهم يطاردون الأشباح داعين " بنات الحور " أن يحرروا القمر مما أصابه، خفتت الظاهرة عن وعيي بالحقائق الفلكية، أو عن انشغال برغيف العيش أو بسبب اختفاء الصفائح واستبدالها بعبوات بلاستيك قد تضر أكثر من صدأ الحديد في الصفائح، فضرر العبوات البلاستيكية ممتد المفعول وينشر مرض السرطان. ويكاد ما يدور في وطني الآن أقرب إلى " الطرق على الصفائح الفارغة "، ضجيج بلا طحن. بل وصل الأمر أن الأصوات والضجيج راحت تقسم المجتمع دون مبرر غير غياب الوعي بحقائق وبديهيات الفعل الثوري الذي حققه الشعب في ثورته. وانقسم المجتمع، فقهاء دستور يدعون إلى الدستور أولا، وجانب آخر لا نجد له من مبرر لرفض بديهيات الثورة وقول الفقهاء، إلا نتائج الاستفتاء، وهو قول يراد به باطل، فالقصد اختزال الثورة واغتنام الفرصة التي يعتقدونها، وهؤلاء وجدوا من يكتب لهم وينظر قائلا إن الفريق الأول يفرض وصايته على الشعب وإرادته التي تجلت في نتائج الاستفتاء، وهو في هذا ينسى أنه بفرض إرادته على الثورة ويختزلها باستفتاء دعي إليه على غير حاجة، وجرى تجاوزه أيضاً، ولعلهم يذكرون حكمة الثيران " أكلت يوم أكل الثور الأبيض ". يتزايد الحديث عن غزوة أحد بين المتحاورين في مصر، وموقف رماة النبال الذين أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعتلوا الجبل ولا يغادروه أيا كان موقف القتال، وعندما نجح المسلمون في الجولة الأولى، خالف الرجال فوق الجبل أمر الرسول ونزلوا لجمع الغنائم، فالتف عليهم خيل قريش وانقلبت نتائج المعركة وخسر المسلمون. ويسوق المجاهد العربي محيي الدين عميمور في حديث عن الثورة المصرية، مثلين من الفتح الإسلامي لمكة المكرمة، الأول عندما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل مكة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء "، ويحذر الدكتور من " الطلقاء " في المجتمع بعد الثورة، والثاني بشأن قول الرسول: " من دخل المسجد فهو آمن ومن دخل بيته فهو آمن ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن ". وينقل عميمور عن كاتب مصري قوله: " إنها كانت عملية الفرز، من دخل البيت الحرام هم الذين كانوا يخفون إسلامهم، ومن دخل بيته لم تصل الدعوة إلى قلبه بعد، أما من دخل بيت أبي سفيان فهم من بقيت في نفوسهم غضاضة تجاه الفتح وانتصار الإسلام ". انقسمت الأصوات واختلطت في مصر الآن، وجرى استبدال الخصومات، وفي المقال السابق كانت الدعوة إلى لملمة التشتت في المجتمع، وتحديد مهام المرحلة الانتقاليه وبوضوح، ولكن أصحاب الصرخات العالية دخلوا بيت أبي سفيان علهم يأمنون، أو هم بالأحرى يتمنون استبدال استبداد النظام السابق باستبدادهم تحت مقولة إن الشعب أراد وإرادته فوق الجميع، وهم ذاتهم وليس غيرهم يدركون كيف صاغوا تزييف معاني ومضمون الاستفتاء. الانقسام في المجتمع ليس انقساما مبعثه سياسي بالدرجة الأولى، فالانقسام السياسي لا ينفي حقائق الثورة ولا يتجاهل بديهياتها، فالسؤال السياسي الأساسي لمن يطلبون بيت أبي سفيان قبل العقيدة والمنهج، هؤلاء الذين يهربون إلى الانتخابات قبل الدستور، في أي علم سياسي وجدتم شعبا يختار أفرادا منه ليمثلوه على غير عقد اجتماعي ودون دستور؟. ما الذي يخيفكم من الدستور قبل الانتخابات؟. وكيف تتوقعون أن يقبل بقولكم أحد؟. وكيف تصل بكم الأمور إلى التهديد بمليونية ضد الدستور أولا؟. وكيف تكيدون داخل المجتمع أمرا بين المجلس العسكري والشعب؟ ولماذا تكيدون بين فقهاء الدستور الذين لا يطرحون دستورا ولكنهم يطرحون منهجا وخطة عمل؟ وبأي حق تختزلون الشعب في مائة عضو من مجلس نيابي سيأتي من المجهول؟ راجعوا أنفسكم قبل أن تصل الأمور إلى حالة المواجهة معكم وبيوتكم من زجاج؟ ونحن أحوج ما نكون إلى وحدة كل الشعب لأمرين كلاهما جلل. نحن نواجه مهام ما بعد الثورة، ومهامها تتعدد وتحتاج إلى رؤية إستراتيجية واحدة لمصر المستقبل، لا تحصر أفقها في المادة الثانية من الدستور التي أقر بها الجميع بمن فيهم البابا شنودة ذاته، وصارت معركة مدعاة أو معركة من لا يريد التقدم إلى صميم قضايا الوطن الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ونحن نواجه توترا على الحدود المصرية الشرقية، ورغم أن ثورة يناير أدخلت الشعب الثائر معاملا جديدا على ميزان القوى بيننا وبين العدو الصهيوني، فكيف بكم تحاولون اختزال هذا الثقل الشعبي من المواجهة مع العدو الصهيوني، كيف ؟؟؟؟. وكل معاركنا التي خضناها بعد 1948 كنتم خارج الصف الوطني، بل خرج علينا مرشدكم بتصريح أن الله انتقم منا لأن منكم من كان بالسجون، أي أنكم غير الشعب وغير الوطن وأن أدوات الانتقام لكم كانت إسرائيل وأمريكا وإنجلترا وفرنسا، من أعطاكم السر الإلهي لتتحدثوا عن حكمة الخالق، هل اختصصتم بالله دون الشعب المصري كله، وهل خير أجناد الأرض هم المتاجرون بآلامه والمنفضون عن نضالاته، أليس بينكم رجل رشيد، أم أخذت بعقلكم لحظة الفوضى التي تتحدثون خلالها لتخسروا كل يوم. أنتم في هذه اللحظات كمن يضرب على الصفائح الفارغة، بلا وعي بحقائق علم الثورة، ولا يشغلكم رغيف الخبز الذي يحصل عليه الفقراء المصريون بشق الأنفس، فقد طالت بكم أزمنة الاكتناز من جهات عديدة، رغم أن بينكم من يراجع نفسه ولكن كما يقول البعض " الجنية شرسة ". وخرجت الأحزاب والنخب السياسية بمطلب غريب ومريب جديد، هو استفتاء الشعب من جديد على البديهيات، وكأننا أحلنا ثورة الشعب إلى أوراق التصويت، في وقت تجري فيه عمليات الحرب النفسية على أشدها ضد الثورة، سواء بإعلام ناقص أو شاشات تليفزيون تبحث عن الإثارة قبل الإرادة، المنقلبون على الثورة هم " الطلقاء " الذين تحدث عنهم عميمور، وحذر منهم. الاستفتاء يأتي عندما تحقق الثورة هدفها في التغيير بوضع دستور عبر جمعية تأسيسية يمثل فيها الشعب بكل فئاته، وتقرر رؤية متكاملة اقتصادية وسياسية واجتماعية، يصيغها الفقهاء في نصوص دستورية غير قابلة للتأويل، والدستور أولا كما أنه ليس محلا للاستفتاء، فهذه ثورة أيها السادة، ليس محل استبدال بما يطلق عليه المبادئ فوق الدستورية، فمن يقول بأن هذه مبادئ فوق دستورية؟ هل هو الشعب أم أيا من كان غيره؟. ووسط كل الضجيج يخرج رئيس حكومة تسيير الأعمال بتصريح بأن الاتجاه إلى الدستور أولا، وكأن الوطن يسترد الوعي بحقائق الثورة وإرادة التغيير، فلا يضرب على الصفيح الفارغ لإحداث ضجيج يطرد به خسوف القمر، ولكنه يتجه بوعي لإقرار أسس الدولة المصرية الحديثة، ويخرج نائب رئيس مجلس الدولة ليهاجم تصريح رئيس الوزراء، وتقود قناة الجزيرة مصر الحملة، وكأنها لم تدرك ملاحظة الشعب عليها بعد دورها في زمن وقائع الأيام الثمانية عشر والذي أكبره الكثيرون، بأنها تحولت إلى بوق لجماعة الإخوان!، مما يستدعي من المشرفين عليها إعادة تقدير الموقف والوقوف إلى جانب إرادة الشعب المصري وليس لصالح جزء منه. يبقى أن يلتقي المجلس العسكري مع حكومة تسيير الأعمال، ورغم كل الملاحظات التي يسوقها البعض على أحداث وقرارات للمجلس تعرضنا لها من قبل، إلا أنه ما زال بداخلي ثقة أنه سيتجاوز مستشاريه القانونيين إلى إعمال إرادة الثورة، فدرس الفرص الضائعة في مصر يعلمنا جميعا أن الزمن لصالح الشعب ولصالح إرادته، فما الذي يجدينا أن نفقد الفرصة الثورية المتاحة؟، ولصالح من نفقدها؟، وكل ما تبقى أن يوضع جدول زمني واضح من انتخاب الجمعية التأسيسية لوضع الدستور حتى إجراء الانتخابات، وعندها يمكن القول إن مصر عادت إلى سمائها شمس ثورتها وليس القمر الحجري المخسوف وليتوقف ضاربو الصفيح الفارغ عن الضجيج. وسوف يذكر التاريخ أن جسر الوعي والإرادة قد امتد بين ثورة 25 يناير وبين جماعة من فقهاء الدستور في مصر، وسيكتب التاريخ أسماءهم بأحرف من دم الشهداء، محمد نور فرحات وتهاني الجبالي وحسام عيسى وإبراهيم درويش ورفاق لهم لن تنساهم مصر فقد تولوا الدفاع عن حق الشعب في الدستور أولا. كتبت إلى د. محيي الدين عميمور معلقا على حديثه " أنت الذي يستحق الشكر، علمتك فترة النضال أن البقاء بين الناس مبرر الوجود فزاد إصرارك على الوجود بالناس، وانتقلت من الجبل أرض المناضلين الحانية إلى أروقة الدبلوماسية المخملية وعدت إلى أرض الفيس بوك مرشدا وداعيا، تتزايد مهامك كقدوة وما أحوج أمتنا إلى مناضلي السلاح والثورة في هذه اللحظات ليعلموا ويرشدوا، نحن نجتهد والشعوب خرجت، منها من عاد إلى مكمنه ومنها من مازال يقتتل، ولكن هناك رؤية مازالت غائمة، بداياتها رفض الشعوب لما كان ولكن الشعوب بلا تنظيم ولا قيادة قد تفقد ما أنجزت. القديم يتصارع مع الجديد ويحاول أن يؤطره في حدود العجز السابق، والجديد وهو يصنع لنفسه مجرى يقتل كل ما هو قديم حتى التاريخ وبلا بديل ". فهل نخرج من موجات الفتنة المتعاقبة إلى طريق الثورة الأبدية؟. وقال صديقي في لندن إنهم علموا ابنته بالمدارس هناك كيف يدرسون الأفلام السينمائية، وينقدونها، وهي التي لم تحيا مصر ووقائعها إلا عبر المنقول، وبعدما شاهدت فيلم الأرض قالت له " الغالبية من النخبة هناك هم الشيخ حسونة " ! وهو عندها الشخصية الانتهازية كما صورها يوسف شاهين في فيلم الأرض، والذي بدأ حياته مناضلا في ثورة 1919، وقاوم الإنجليز وتم حبسه ونال التعليم الأزهري وصار شيخا وعاد إلى بلدته في أزمة الاستيلاء على الأرض وقطع مياه الري ليخرج على أهله بتجنيب أرضه الدمار دونا عن كل أهل القرية، ويبقى محمد أبو سويلم رفيق رحلة الكفاح كلها، هو الفلاح المرتبط بأرضه وحده ويرويها بدمه. ستستقر الثورة في مصر عندما يكون عمودها الفقري العمال والفلاحين، فمازالت مصر وطن الفلاحين ووطن العمال.
1247
| 21 يونيو 2011
علينا ألا نضع قواعد اللعبة في يد غير سياسية تتمسك بالشكل دون المضمون الدولة في أبسط تصور لها هي أرض وشعب ومنظومة قواعد وأداء وآليات، والطبيعة الجادة في أداءات الدول تدعم تطور منظومتها، وتنمو المنظومة وفق رقي العلاقات البينية بين الشعب فوق الأرض. وتجارب الدول عبر تاريخها يصنع تراكما من المعرفة والخبرة والدروس المستفادة، والتراكم الكمي هذا يتيح فرص التغيير الكيفي في حياة الأمم، مما ينتج تأثيرا إيجابيا عندما يجري التعامل معه بالعلم. وتنهار التجارب وتتزاحم الفرص الضائعة إذا دخل الهوى الخاص في التعامل مع التجارب والأزمات، حيث يقول علم إدارة الأزمات، أن أي أزمة تتضمن فرصة، وإدراك الفرص المتاحة والتعامل الهادف معها، ينتج نتائج إيجابية تضاف إلى رصيد الأمم وهي تعبر تلك الأزمات، ولكن الشرط الضروري لتحقق ذلك هو وجود الهدف ووضوحه، والتعامل العلمي مع الأزمات. المشهد في مصر الآن يقول إن هناك خليطا من الأزمات يجب بحث سببه، وتوجيه أصابع الاتهام هنا وهناك لا يعني أنه طريق الحل، بل ينحدر إلى خلق مضاعفات للأزمات قد تتجاوز قدرة المجتمع على التحمل. الناس في مصر الآن يقومون بمراجعة لما جري، تتسم المراجعة بأنها لا تستسلم لخوف أو خشية، لا تهدف إلى إقصاء أحد دون الآخر، لا تسلم لتابوهات يحظر المساس بها، الناس استعادوا الثقة في النفس، ولكنهم يملكون علامات استفهام كثيرة، وهو حقهم، وأيضا الإيجابي في هذا أن الحوارات وأن جرت في كل مكان إلا أنها تعبر عن نفسها بحركة ومواقف. ومثال على هذا دعوة ضد الانفلات الأمني نشأت في مدينه الإسماعيلية، بدأتها جمعية وليدة لحقوق الإنسان، وانتهت لتبني القوي الوطنية لهذه الدعوة، وعناصر الإيجاب في هذه الدعوة تعددت وكان أولها مشهد جلوس قيادات الكنيسة إلى جوار قيادات الجماعة السلفية وقيادات الإخوان بالإضافة إلى القوي السياسية والوطنية ومنظمات المجتمع المدني، هذا اللقاء كان أول علامة صحة أن الجميع في قارب واحد، وأن الباب مفتوحا لحوار أعمق، وأن الدعوة عندما تخلصت من "الأنا" نجحت في جمع الجميع حول قضية القضايا في المجتمع، ونجح الحوار في الاتفاق على ما هو أعلى من الحد الأدنى، فيخرج بيان مشترك بأن هناك شكوكا تحيط بالانفلات الأمني وأنه مقصود وفق منهج لإلهاء المجتمع عن قضاياه، وهي نقطة متقدمة في مواقف الأطراف، بل يخرجون إلى الشارع في وقفة واحدة تعلن موقفهم من حالة الانفلات الأمني ومن التخبط في التعامل الداخلي بوزارة الداخلية وتدعو إلى لقاء مع قيادة الجيش في مؤتمر حول الأمن، وكان رجع الصدى أن المواطنين احتضنوا هذا الهدف وصار حديث المدينة التي عانت من موجات عنف واختطاف أدت إلى معدل قتيل يوميا لمدة عشرة أيام متتالية، بينما رجال الشرطة قابعين في مكاتبهم يسوقون مبررات الغياب ويضعون أصابعهم بين شفاههم كطفل رضيع يحتاج أما تدلل وتحنو والأم تفقد الأمن وتهددها الجريمة. خرج الناس من ميدان التحرير في أعقاب خلع الرئيس مبارك، واكتشفوا بعد خروجهم أنهم خارج السلطة، وصار واجبا عليهم العودة، وتمت وقفة مليونية أطلق عليها جمعة الغضب الثانية في 27 مايو، وانتهت بإعلان أن الثورة وليست المليونيات عائدة بكل رصيدها البشري في الثامن من يوليو ولن تخرج من الميدان دون تحقيق أهدافها. وهذه الدعوة تعني أن الجميع أمامه ثلاثة أسابيع من الآن للملمة حالة التشتت في المجتمع والتباين في القرارات. عدم الاتفاق على تعريف واضح للمرحلة الانتقالية ومهامها، أدى إلى خلط الأوراق، واتجهت الأعين والرغبات إلى مانشيتات الصحف وصخب الثروات المنهوبة التي أفزعت بالأحجام التي جرى رصدها كل الأطراف حتى المغالين منهم في اتهام النظام السابق بالفساد، وعجزت عن وضعها في الإطار الصحيح بأن النهب جاء نتيجة الفساد السياسي في إدارة مقدرات مصر طوال 30 عاما، وبدلا من المحاكمة السياسية للنظام وعناصره، تم حصر التعامل بقانون الكسب غير المشروع، ويصدم المستشار هشام جنينه رئيس محكمة استئناف القاهرة الجميع بتأكيده على أن جميع إجراءات المحاكمة التي تتم للرئيس السابق وعائلته ورموز نظامه أمام جهاز الكسب غير المشروع غير دستورية ومخالفة للقانون. وأبدى جنينه تحفظه على عمل جهاز الكسب غير المشروع، وقال: لابد من إعادة النظر في هذا الجهاز من الأساس، حيث إن عمله يقوم على " قلب عبء الإثبات"، أي أنه يتعامل بمنطق المتهم مدان حتى تثبت براءته، وليس العكس كما هو معمول به في كل دول العالم. وأضيف إلى تحقيقات الكسب غير المشروع بعض التحقيقات في جرائم قتل المتظاهرين، وإن شابها أن الذين يجرى التحقيق معهم مطلقو السراح ويديرون أمن الشعب الذي قتلوا أبناءه. وفقدت المرحلة الانتقالية قيمة الحوار بين القوى الاجتماعية، وما دار من حوار وفق دعوات حكومية شمل بالأساس عناصر أغلبها من النظام السابق، تتولى صياغة أسس المستقبل بعد الثورة مما أفقد هذه الحوارات قيمتها وأسبغ القائمين عليها بشبهة التواطؤ مع النظام السابق، بالإضافة إلى كونهم دعاة المصالحة مع نظام الفساد السابق تحت دعوى جلب الأموال المهربة. وسادت المرحلة الانتقالية فزاعة الفتنة الكبرى برفض الحكم العسكري، وجاء من الطرف الآخر أن الجيش يريد تسليم الحكم لإدارة مدنية، وكلتا المقولتين تتجاوزان الوعي بطبيعة المرحلة والعلاقة بين الجيش ودوره في تأمين الثورة وانحيازه لمطالبه، أيا كانت مبررات هذا القرار التي ترددت وتنوعت، إلا أنه كان دورا حاسما وداعما لمطلب التنحي. وخرجت دعوات بائتمان الجيش على الوطن والانتباه إلى قضايا التغيير إلا أنها لم تنجح في رأب الصدع، وساعد على هذا موقف المجلس العسكري في تشكيل لجنة التعديلات الدستورية وما خرج عنها، ثم الاستفتاء الذي كان من حيث المشاركة الشعبية يوما عظيما، إلا أنه أدي إلى شق الصف إلى كتلتين. وزاد على ذلك بعض التصرفات في فض الاعتصام في التحرير أو كلية الإعلام أو المحاكمات العسكرية لعناصر من شباب ونشطاء الثورة، ولكن الأمور تبدو وكأنها ذاهبة إلى هدوء واستيعاب من الأطراف أن ما تم هو ثورة شعب وليست جماعة متمردة يجب قمعها. وتفاقم الأمر بالدعوة إلى انتخابات نيابية تسبق الدستور لملء الفراغ السياسي ليتفرغ الجيش لمهامه الرئيسية على الحدود في مواجهة أي تهديد خارجي، متناسين أن دور الجيش على الحدود يجب أن يستند بالأساس إلى جبهة داخلية متماسكة، وواجهت هذه الدعوة وجهة نظر تقول إن انتخابات نيابية تسبق وضع الدستور وقوانين مباشرة الحقوق السياسية وإقرار التطهير السياسي لعناصر النظام السابق، ستنتج مجلسا نيابيا يماثل مجلس ما قبل الثورة لطبيعة العملية الانتخابية داخل المجتمع، ودون وصاية على الشعب كما يحلو للبعض تصويرها هروبا من استحقاقات المرحلة الانتقالية، ولكن ذلك وعيا بالظروف التي تحيط بالانتخابات النيابية والعناصر المكونة لها من افرد وأموال وعصبيات وأيضا بلطجة. وزاد الزخم من حول دعوة فقهاء القانون الدستوري بأن القواعد تؤكد وجوب وضع الدستور أولا، وأن وضع الدستور ليس مهمة لجنة فنية من خبراء القانون ولكنها مهمة الشعب والقوي المجتمعية، وإلا فهو دستور خاص لفئة وليس دستور الشعب. وأدى الانفلات الأمني خلال المرحلة الانتقالية والطبيعة المهادنة في التعامل مع جهاز الشرطة الذي يمتنع عن العمل ولا يمارس مهام وظيفته ولا نقول رسالته، لأن رسوخ الرسالة الأمنية في أفراده يعني تغييرا في عقيدة التعامل مع المواطنين، ويقول البعض منهم عن قناعة بأن مهمة الشرطة الحفاظ على النظام، ويتساءلون: أي نظام نحافظ عليه؟. ويطالبون الشعب الذي مارسوا ضده صنوفا متعددة من الاضطهاد أن يعتذر لهم!. وكانت حادثة القبض على فتاة في مدينة 6 أكتوبر، والتعامل بأساليب جهاز أمن الدولة الذي تم حلة، مدعاة للشك فيما تعلنة وزارة تسيير الاعمال والشك كذلك فيما قيل إنه ميثاق عمل جهاز الأمن الوطني البديل الجديد لأمن الدولة الذي يقول بابتعاد الأمن الوطني عن التعامل مع الأنشطة السياسية الداخلية، وتحدث عن رقابة قانونيه على أعمال الجهاز. ونشأ اعتقاد أن الانفلات الأمني منهج مقصود داخل المجتمع، وأن جهاز الشرطة بهذا يمثل أداة للقوي المضادة للثورة، خاصة أن العديد من عناصره يقولون بأن الحالة الأمنية نتيجة مباشرة "لما تسمونه الثورة"!. نبدو جميعا خارجون على قانون الثورة. إن كنا ندرك أن التعريف الذي استقر عليه التاريخ الإنساني وعلم الاجتماع بأن الثورة هي علم تغيير المجتمع، فإن ما يجري في مصر لا ينتمي إلى تغيير المجتمع، ولا إلى العلم الذي يفرض أولا وضوح الأهداف للنظام الجديد والتي تتحدد باتفاق مجتمعي شامل، ويرتبط بالتخطيط وفق جداول زمنية تدرك الإمكانات المتاحة وتضعها موضع الاستخدام الأمثل، وتدرك قيمة محاكمة الفساد السياسي وتضعه في مهمة التطهير، ولا تنشغل بأي من هذا كله عن الباقي. نحن جميعا نلوك كلمة الثورة، كتابة وقولا وصراعا غير منتج، فإن لم نعد لطريق الثورة الواضح وفق قواعدها المتوارثة عبر نضالات الشعوب، فإننا لا نغتال الثورة والفرصة المتاحة فحسب، بل إننا ننتحر ونضحي بجيل استطاع أن يكسر حاجز الخوف والتردد، أو إننا سندفع الثمن باهظا من دم الشعب ومقدراته، وهو نوع من الانتحار غير المبرر. والأولى بنا أن نلتزم جميعا قانون الثورة وإلا تخدعنا أوهام كسب جزئي هنا أو هناك سينتهي حتما إلى خسارة الجميع. فلنعد إلى قانون الثورة ونتحد إرادتنا معا لمواجهة أي خارج عن الثورة واستحقاقاتها، ولنترك الكبر والعناد، وألا نضع قواعد اللعبة في يد غير سياسية تتمسك بالشكل دون المضمون، ورجال الحرب أقدر القادة على اتخاذ القرار وتعديله وفق المتغيرات والحقائق في ارض الواقع وليس منهم على الإطلاق من يمتلكه قرار سابق بعد أن تتغير الحقائق من حوله.
452
| 14 يونيو 2011
روحانية الميدان تجلت في الإيثار و"الأنا" أطفأت ضوء القمر الأحداث في مصر تتلاحق، وغالبا ما تخرج عن النص، واللاعبون على المسرح يتزايد انشغالهم يوما بعد يوم بقضايا متعددة تتوحد أحيانا وغالبا ما تختلف، عاشت مصر الغناء الأوبرالي العظيم الذي امتد منذ وقفة الشباب الصامتة في كل ربوع مصر لخالد سعيد سواء دعاء بالرحمة أو طلبا للثأر، في مشهد هو أقرب إلى البروفة الجنرال للخروج العظيم الذي بدأ في الخامس والعشرين من يناير. تصاعد الخروج العظيم للشعب حتى تحقق عزل الرئيس السابق، وما زال يأتي في صورة زخات بشرية لتصحيح مسار أو للضغط لتحقيق هدف. ولغياب الثورة عن السلطة، وغياب الرؤية عن الثورة، والتشتت في الخطط الزمنية المطروحة واختلاط الأولويات، اعتقد كل لاعب أن ما يشغل باله من قضايا وعناوين هو الأولى بالرعاية من غيره، كفرقة موسيقية على مسرح الأوبرا، لا أحد يعلم إن كان أعضاؤها من العازفين أو عابري السبيل الذين ساقتهم أقدامهم إلى المسرح وليست قدراتهم، كل منهم يخرج أصواتا، والمايسترو غائب، لم يخوضوا معا بروفة قبل الحفل الكبير، فصار الحفل بروفة لمعزوفة مجهولة المصدر والهدف والمحتوى، وصارت الحياة هي بروفة حياة، والثورة بروفة ثورة. وكما تصور البعض في إعقاب انتحار الشاب التونسي محمد بوعزيزي، أن الانتحار كان زناد تفجير الثورة التونسية، وتوالت مشاهد الانتحار في الجزائر ومصر، أخطأ البعض الآخر بالاعتقاد أن مجرد الاحتشاد بلا مضمون وتحت أي عنوان هو دلالة إرادة، ويمكنها أن تساوي ثورة شعب. تتوالى المشاهد في مصر، حصار للإعلام، واغتيال معنوي للقضاة أصحاب الرأي، ولعبة السلم والثعبان في أمر التحقيقات فيما يسمى بالكسب غير المشروع، ثم حلقات حوار مجهولة الأعضاء ويلف غاياتها ضباب كثيف يحول بينها وبين المجتمع، حتى أن دعوة للشباب للاجتماع والمجلس العسكري، الدعوة إلى شباب الثورة، بلا تعريف واضح لمعنى شباب الثورة، وكأن الثورة بلا أب، وأن الشعب خارج الاعتبار. ضجيج وصخب وصراخ وأمن مفقود. قضية القضايا في مصر الآن هي الأمن المفقود وليس الدور التائه الباحث عن فارسه، وليس الوعي العائد مغتربا بين أهل الوطن الذين في أشد الحاجة إليه، وليست أيضاً الاعتقاد السائد أن مجرد نطق الكلمة يعادل التجربة، ولا هي ذلك النمو السرطاني لتجمعات تحمل من الثورة والشباب والالتئام مجرد الاسم. الجميع يرصد نمو الجريمة، وتكاد نسبة عالية منها تقع تحت توصيف الجريمة المنظمة، ويكشف تنوعها حجم العقل المخطط لها، وانتشارها بأنواع من الأسلحة يتجاوز أي تصور عن توافرها وبهذه الكميات، ليست أسلحة بيضاء يمكن تصنيعها ولكنها أسلحة نارية متنوعة تتجاوز حتى بنادق الكلاشينكوف. وصدر تصريح عن وزير العدل في وزارة تسيير الأعمال أن عدد البلطجية في مصر يصل إلى نصف مليون بلطجي، وأن تكلفة الفرد منهم خمسة آلاف جنيه لليوم الواحد، أي أنهم قادرون على رصدهم عددا، ويعلمون تكلفتهم قطعيا. وترصد المعلومات أن الأمن بدأ في إعادة الاتصال بالبعض من البلطجية، ربما هؤلاء من كانوا بعيدا عن متناول الأمن في أعقاب خلل إعادة ترتيب البيت الداخلي للأمن، والغريب أن إعادة الاتصال بهم ليست بهدف عزلهم عن المجتمع، ولكن الهدف ما زال مجهولا، والبلطجية من هذا النوع كانوا يبحثون عن مصادر للرزق، والآن توقفوا عن البحث مما يؤكد أنهم استعاضوا عن العمل بأشياء أخرى كمصدر للرزق. تعدد الجرائم وتنوعها وحدتها وتكرارها في ذات المواقع تؤكد أنه لا رادع لها، وليس للمجرمين خشية من مواجهة أجهزة الأمن. وانتقلت الجرائم من سرقة كابلات التليفونات، إلى الاختطاف لرجال وسيدات، وإن كانت جريمة اختطاف السيدات مبررة جنسيا، إلا أن اختطاف الرجال أمر لا تفسير له إلا الثأر، أو مجرد الترويع، فالإنسان من دون حماية له سلعة سهلة ورخيصة. ووصل الأمر إلى القرصنة على الطرق بين المدن، وبتكتيكات متنوعة وتنتهي إما باقتناص السيارات وما يمتلكه ركابها، أو يضاف إليها قتل الركاب أيضا. وضاعف من أثر هذه الجرائم ومعدلات تكرارها، انعدام أي خطة أمنية محسوسة لمواجهتها، وعلى حد تعبير أحد الخبراء الأمنيين، "نحن يجب ألا ننتظر خروج البلطجية إلينا، بل المفروض أن مواقعهم ونوعياتهم مرصودة وهم معروفون على الأقل بنسبة %80، ويجب أن نذهب إليهم، إعمالا لقاعدة أن الهجوم أفضل وسيلة للدفاع". وتتسرب أنباء عن تعليمات أمنية تطالب الضباط والقيادات المحلية بالهدوء والتروي والتزام الحذر. وبلغ الأمر داخل مؤسسة الشرطة بعدم إلزام رجالها بتنفيذ خطة الأمن أيا كان استغراقها للوقت، ولكن تم تحديد ساعات للعمل الوظيفي، وتحديد مقابل لساعات العمل الإضافية، في حال القبول بالعمل الإضافي، بمبالغ تبلغ 1.5 جنيه للساعة للرتب العظيمة، فما بالنا بالرتب الأقل، وكأن صانع القرار يقول لهم الزموا منازلكم بعد ساعات العمل الرسمية. وانتقل مفهوم العمل الشرطي من كونه رسالة، إلى أنه وظيفة. ففقد الدافع الرئيسي في العقيدة والمنهج التي تحكم أداء عناصره. ومن جانب آخر، يخرج وزير داخلية تسيير الأعمال بتصريحات لا تطفئ جذوة الغضب الشعبي من ممارسات الشرطة السابقة حتى يوم 28 يناير يوم مذبحة جمعة الغضب، تصريحات من نوع أن من قتلوا في المظاهرات والهجوم على مقار الشرطة ليسوا شهداء بل "بغاة"، وأن الشرطة كانت في حالة دفاع عن النفس، وبينما يعلم الجميع المسؤولون عن المواجهات الدامية، يتم نقلهم إلى وظائف أكثر سخاء ماليا، وكأن الجهاز يكيد للشعب، وبدلا من إزاحة الفاسدين والمسؤولين عن الجرائم، والدفع بالعناصر غير المتهمة بكل هذا، يتم التحريض بوجوب اعتذار الشعب للشرطة. وتتباطأ عملية المحاكمات، بل وتطلب النيابة شهود رؤية قطعية لعمليات القتل من هذا الفرد الشرطي لذلك الشهيد. ووصل الأمر بعلامات الاستفهام إلى حد القول إنها خطة منهجية لإثارة الفوضى والغياب عن أداء الدور الأمني، لشغل المجتمع والمواطنين عن قضايا الحياة وإعادة البناء. وتتصاعد ردود الفعل الشعبية العفوية على أداء بعض رجال الشرطة إلى حد حرق قسم الأزبكية بوسط العاصمة لاعتقاد تسرب إلى الأهالي أن الشرطة قتلت سائق سيارة ميكروباص. وتنتقل اللائمة إلى كيف نعيد تأهيل الشعب للتعامل مع الشرطة بديلا عن تأهيل أفراد الشرطة لأداء دورهم، وقبل ذلك تأهيل البيئة التي يعملون فيها بإجراءات توضح أن التطهير يتم بعزل كل الفاسدين والمتهمين لحين صدور الأحكام في أمرهم، وعند وضوح هذا الأمر أمام المواطنين، سيكون هناك بالقطع إمكانية لتصديق مقولة إن تغييرا تم في منهج الشرطة في التعامل، أما سياسة المكابرة التي تتبعها وزارة الداخلية صارت هي أداة الاستفزاز الرئيسية للمواطنين. الأمن مسؤولية الجميع الجيش والشرطة والشعب، وبدون هذه المنظومة المتكاملة، فلن يتحقق أمن في بيئة ترفض سلوكيات سابقة ولم تتيقن من جدية التغيير في السلوك والهدف، بل وصل الأمر من تخوف أن عودة الشرطة تعني بدء حملة الانتقام من الشعب. إن المقاومة الوطنية للمحتل الأجنبي تبني بيئة صديقة لها بين شعبها الذي تهدف إلى تحريره، فما بالنا بشرطة وطنية تواجه الجريمة ومدى حاجتها إلى بيئة صديقة وآمنة تتحرك خلالها، والأمر لا يكلف إلا الصدق وإجراءات طبيعية لمن هم تحت المحاكمة أو متهمون إلى أن تثبت براءتهم أو إدانتهم. وتجاوز الأمر في العناد إلى مواجهة في دائرة القضاء، ويجري تقديم ثلاثة قضاة إلى التحقيق لظهورهم في أجهزة الإعلام وإعلان آراء لهم في شأن قضايا المجتمع الحالية. ويبلغ الأمر أن تنعقد الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية يوم الثلاثاء 31 مايو، وتصدر قرار بحظر ظهور أعضاء المحكمة والمفوضين، في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، وكذلك عدم المشاركة في أي ندوات أو مؤتمرات، أو الحديث فيما يتعلق بالشأن العام والأحداث الجارية. وكأن القرار يقول بمنع المستشارة تهاني الجبالي نائب رئيس المحكمة الدستورية بالذات من دورها المجتمعي والبعيد عن الممارسة السياسية، وذلك بعد أن قادت حملة ضد تأجيل الدستور ضمن مجموعة من أساتذة القانون وفقهائه، وكانت هي وسط الكوكبة نجما بازغا طافت محافظات مصر وأجهزة الإعلام شارحة معنى الدستور ولماذا، ووجوب أن يسبق أي انتخابات، ووصل الوعي بالقضية إلى الشعب، وجاء قرار الجمعية العمومية متأخرا وبلا تأثير، بل اصطف العديد من أساتذة القانون للدفع بعدم دستورية هذا القرار لأنه يمنع مواطنا من حق إبداء الرأي الذي يكفله الدستور. وانتقلنا من أن الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية العليا هي الحامية للدستور إلى كونها معتدية عليه، ضربة أخرى إلى البيئة الآمنة، ومسار جديد تنتهجه مراكز القوى المضادة للثورة، وهو مسار الاغتيال المعنوي لعناصر الوعي والريادة داخل المجتمع. وتتداعى أسئلة حول ما كان وما هو الممكن: هل كان من الخطأ ترك ميدان التحرير؟ وهل يمكن تصحيح الخطأ؟ هل الانفلات الأمني دلالة عجز وقصور في الأداء أم أنه خطة منهجية لحصار الثورة؟ هل نلطم الخدود أم ننتقل إلى استكمال أداء كانت آخر مشاهده المضيئة جمعة الغضب الثانية؟ أليس بينهم عقل رشيد نستدعيه دون أن يمن علينا بفضل الانحياز للثورة الغائبة عن الواقع في اللحظة الراهنة، أو أن يتمترس خلف ادعاء القوة وامتلاك حق الإحالة للمحاكمات العسكرية؟ أعتقد نعم يمكن للشعب تحقيق أهدافه بالخروج الثالث، وتحمل مسؤولية الأمن مباشرة عبر اللجان الشعبية كما حققها يوم 27 مايو في جمعة الغضب الثانية، وها هي دعوة جديدة تنادي بالخروج يوم العاشر من يونيو في جمعة استعادت الأمن للمواطن، وهو ما يعني أن الغياب عن الميادين هو مقتل الثورة والاحتشاد فيها هو ضمانة استمرارها. كتبت بائعة الذهب من أهل التحرير تصف الحال " تجلت روحانية الميدان في الإيثار.. فما إن تذكر كل منا تلك "الأنا" حتى انطفأ ضوء القمر.. فلم نعد نستبين الطريق". أيها السادة نحن نحيا ثورة وليست بروفة ثورة.
421
| 07 يونيو 2011
الحوار يجب أن يكون مقدمة لاختيارات وبدائل للقرار الحوار وسيلة التواصل بين العقلاء، وبدون تحديد أهداف الحوار داخل المجتمع في المرحلة التي يجري فيها الحوار، يصبح ما يدور "بغبغة" بين الأطراف، ويطلقون عليه حوار الطرشان. والحوار بحث جاد عن المشتركات بين الأطراف، وهو يتطلب لغة مشتركة بين المتحاورين، والاجتهاد في تحديد أطراف الحوار، وتحديدا قضايا الحوار، وفوق ذلك كله إعداد بيئة مناسبة للحوار. ونجاح الحوار يتطلب أن يدرك المشاركون فيه، أنهم جاؤوه لعدم إمكانية الحياة المنفردة، ولا القدرة على الوجود الأناني، وإن كانوا قد دخلوا إليه أطرافا بينها اختلاف، فهم ينشدون أن يخرجوا منه، وقد اتفقوا على رؤية مشتركة، مع احترام التمايز بينهم. ما يدور في مصر تحت عنوان الحوار، وهو كثير ومتعدد إلى حد التشتت، يبتعد كثيرا عن الحوار المنشود، وإن كان السبب الرئيسي في ذلك محاولات من اليمين الديني للثأر من التاريخ الوطني، وثورة يوليو، دون بديل غير الاقتتال الديني بلا رؤية اجتماعية وسياسية، واستخدام الدين وسيلة للإرهاب الفكري، ومحاولات من اليسار للعودة إلى ذات الموقف الذي قاده لطفي الخولي عام 1971 لوراثة ثورة يوليو بالارتماء في حضن السادات والحديث عن "الديمقراطية المفقودة"، فلا هو حافظ على رؤية اجتماعية ولا هو لحق بقاطرة الديمقراطية، ويومها أيضاً تجاوز المجتمع في 18 و19 يناير 1977 كل أباطرة الفكر داخلة وقاد شباب التيارات الناصرية واليسارية مظاهرات الخبز، وكان أيضاً الشعب ذخيرتها، ويدخل على المشهد في هذه المرحلة تيار ليبرالي بأوعية متعددة، يشخص مشاكل الوطن في جانبها السياسي، ولا يطرح لقضايا الوطن الاجتماعية غير عناوين دون مضمون. حالة التشتت هذه يرجعها البعض إلى ما أصاب الحركة الوطنية من تبعثر نتيجة التعاملات الحادة من النظام السابق، وإلى الفصل بين النظام السياسي والاقتصادي داخل المجتمع، وإلى الحالة التي فرضتها نجاحات ثورة يناير، بإفراز تشكيلات جديدة من أرصفة المظاهرات وميادينها، دون رؤية سياسية سوى ترديد الهتافات على أنها برامج عمل، مما أفقد الوجود البشري محتواه الاجتماعي والسياسي. وساعد على التشتت أداء عناصر من النخبة، والتي كانت من قبل تنتمي إلى نداءات التغيير والعصيان، وأصبحت من بعد يناير في حالة من الارتباك الذهني تحركها إما عقد قديمة أو تدفعهم مخاوف أن تتجاوزهم الأحداث التي فاقت قدرتهم على التوقع أو حتى الاستيعاب ومازالوا في حالة الهذيان، وانتاب الجميع محاولات الهروب للأمام ليحدث الصدام بالأجساد أكثر منه جدل الأفكار وتخصيبها. وأضيف إلى هذا الأمر فزاعة "المؤسسة العسكرية"، والخلط بين أنها مؤسسة الأمن القومي الرئيسية، والمملوكة للشعب، والتي استقر على علاقتها بالشعب منذ وقائع يونيو 1967 وما استتبعها من احتمالات الصدام بين عناصر المؤسسة العسكرية وبين الدولة، وهو ما تطلب إدارة حوار داخلي في تحديد المهام والعلاقات، بدأ بانتحار عبدالحكيم عامر، وتجسدت قمة التعبير عنه في معركة العبور عام 1973 والتي مثلت مدى النجاح في طبيعة العلاقة بين القوات المسلحة وبين الشعب في إطار دولة القانون والدستور. ورغم الدعوة إلى الشرعية الدستورية بديلا عن الشرعية الثورية التي استتبعت وقائع رحيل جمال عبدالناصر عن المشهد، إلا أن تجاوزات وإعادة صياغة القوانين والمفاهيم ومواد الدستور، جعلت كل بناء الدولة المصرية معرضا للتشوه، وأجابت وقائع ثورة يناير العظيمة عن السؤال الحائر: إلى من سينحاز الجيش في المواجهة بين الشعب والسلطة؟ وانحاز الجيش إلى الشعب، وكانت علامة الطريق الثانية في مسار العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة، إنها درع الوطن في مواجهة العدوان الخارجي، وإنها للشعب ولا تقبل أن توجه مدافعها ورصاصها للشعب الذي ائتمنها عليه لحمايته، الذين هم المكون البشري الوحيد لقوام الجيش. هكذا أجابت ثورة يناير عن السؤال الحائر، الجيش لمن؟ وبقي أن نتمسك بأعلى نقطة تطور داخل العلوم العسكرية، والتي ترتبط بتقدير دائم للمواقف يدرس كل عناصر تكوين الصراع، من العدو إلى أرض المعركة، وتعلمنا في كلية ضباط الاحتياط القاعدة الذهبية للتكتيك العسكري والتي تقول: "سرعة استغلال النجاح"، وهكذا لمن يرون أن العسكرية عبارة عن حالة جامدة، فالعسكرية في اتخاذها للقرار تربط بين الاستراتيجي والتكتيكي، فالهدف النهائي للمعركة واضح، وتحويله إلى مهام تكتيكية أيضاً واضح، وإن اتخاذ القرار ينتج من تقدير متجدد للمواقف، وإن الزمن وإنجاز المراحل يفتح الأفق لاستغلال النجاح وتطوير الحركة لتحقيق الأهداف التالية. وهكذا بتطبيق قواعد القرار في العسكرية المصرية، يصبح الحوار داخل المجتمع هو وسيلة الاستطلاع، وهو المدخل الرئيسي لتقدير الموقف في مواجهة ما ترتب على تحقق الثورة سواء في شأن هدم النظام البائد أو بناء النظام الجديد. وهذا الحوار لا يفرق بين أطرافه بلون الزي، ولا بسلطة الرتبة العسكرية، ولا بمن يملك قوة السلاح، فكل هذا ملك للشعب، لذا لا يجوز لأحد أن يدعي أن هناك من يهاجم جيش الشعب، أو أن يمارس بجيش الشعب أداء إرهابيا على عناصر الثورة من أبناء الشعب. وهكذا تجسدت الحاجة إلى الشرعية الدستورية عبر الحوار بين قوى المجتمع، مدخلا إلى القرار، والقرار في مسار الأمم وصناعة تاريخها لا يأتي بالاختطاف، فتعرض على المجتمع عناصر للاستفتاء، ثم تدخل عليه بتزييف الوعي أنه اختيار بين الإسلام وما عداه، ثم تخرج نتيجة الاستفتاء، فيدعي البعض أنها إرادة الشعب لخطوات نحو الشرعية الدستورية بالانتخابات أولا، أو يدعي الآخرون أنها تفويض مطلق للمجلس العسكري، كلاهما يوظف نتيجة الاستفتاء لما يريده هو، مناقضا لاحتياج الوطن. الانتقال من ثورة بالشعب إلى ثورة للشعب، هو مهمة المرحلة. وعليه فمهمة الاستطلاع بالحوار لا تتأتي بالحديث بين أصحاب الياقات البيضاء وفقط، ولكن من دون أن ينضم أصحاب الجلابيب الزرقاء والأفرولات إلى حلقات الحوار، تتحول جلسات الحوار إلى بغبغة بين "تنابلة السلطان"، وبدون أن يكون الحوار مقدمة لاختيارات وبدائل للقرار الوطني، يصبح حرثا في الماء، وبدون أن يكون الحوار بين أنداد وأحرار يصبح إملاءات، ويبقى السؤال الحائر مدويا من جديد في كل أرجاء الوطن: الجيش ينحاز لمن؟ وعليه، فبقدر حاجة المجتمع إلى الحوار يحتاج متخذ القرار إلى الحوار. ومن غير الصحيح ألا تكون هناك قواعد تحدد من هم المتحاورون وما هي قضايا الحوار؟ والعجيب أن القول بأن الثورة نجحت وضربت مثلا رائعا لحركة الشعوب في مواجهة الطغيان هو قول صحيح، إلا أن الجميع يقول بأن الثورة ليست بالسلطة، ولا هي تملك القرار، حتى أن رئيس حكومة تسيير الأعمال يأتي بمستشار سياسي يهدد ويتوعد، وهو القادم من بين مقاعد الدراسة أو صفحات الجرائد، ويرتكن وبلا مبرر إلى سلطة توهمها لكرسيه الذي يمكن أن يطاح به في لحظة، وأيضا ليس من المقبول أن يعبر عن المجلس العسكري من يستعدي الشعب، بل ويتهم الإعلام بأن يقول إن المظاهرات حاشدة وهي ليست كذلك!!، ويهدد أحد الصحفيين على الهواء أن حديثه عن شبهة صفقة بين المجلس العسكري والإخوان يعرضه للمحاسبة القانونية، ويرد الصحفي عليه إنه قال في زمن مبارك أكثر من هذا ولم يتلق تهديدا مماثلا، ونجح ذلك اللواء في استفزاز الجميع وتوحيدهم في موقف منه، وبديلا عن الربط بين موقفه وموقف المجلس العسكري، صارت الملاحظة التي يرددها الجميع، أليس هناك عقلا أكثر رجاحة يمكنه عن يعبر عن المجلس العسكري المصري؟ الحوار وقضاياه المتنوعة يتطلب أن تمسك بنقطة المركز قوة حاسمة وغير منحازة، ورغم ترديد مقولة مجلس رئاسي مدني بين الكثيرين، إلا أن الوصول إليه قد يكون صعبا ومعطلا لإمكانية الإنجاز، وليس مطلوبا استمرار فتح بوابات الفتنة بأنواعها، ما إن نغلق إحداها حتى يسارعوا بفتح أخرى، والزمن ينقضي من حولنا دون إنجاز حقيقي يحمي ثورة تمت بالشعب، وينقلها إلى تحقيق أهدافها كثورة للشعب. لقد نجحت مظاهرة يوم الجمعة 27 مايو في تحقيق أهداف متعددة، وهي أن الشعب يحمي ثورته، وأنها ليست صنيعة من يحاولون اقتناصها، بل لقد أطاحت بمحاولات غير أمينة من الإخوان للوقيعة بين الشعب والجيش، وأوضح انسحاب الجيش من الميادين والشوارع، أن محاولات التهديد بحمامات من الدم ذهبت أدراج الوعي السياسي والأمني للشعب، واتضح أن هجمات البلطجة مصنوعة وليست وليدة غياب الأمن، وتولي المتظاهرون أمن المظاهرات، والتزموا جانب الثورة، وكانوا أرقى من كل محاولات الوقيعة وتجاوزوها. لقد قدم الشعب شهادة الثقة في قواته المسلحة، وبات واجبا أن تعلن القوات المسلحة ردها على رسالة الشعب الراقية والواضحة، وبات مطلوبا، تغيير أداة التعبير عن المجلس العسكري بعقول قادرة على التعبير عن الاحترام لإرادة الشعب، وأن توقف المحاكمات لعناصر الثورة أمام المحاكم العسكرية، وبدأ التطهير الحقيقي للإعلام والقضاء والأجهزة الأمنية، وأن تفتح الباب للمحاسبة السياسية للنظام السابق ومحاكمتهم أمام محكمة الثورة، وأن تفتح أفق الحوار الوطني على مصراعيه، في قضايا الاقتصاد والاجتماع والسياسة تمهيدا للحوار داخل الجمعية التأسيسية للدستور حول العقد الاجتماعي الجديد، وأن يتم تشكيل هيئات الحوار بالانتخاب من كل المحافظات والنقابات والقوى السياسية، وليس باختيارات من مجهولين لأسماء أيضاً لا تعبر عن مخزون الإرادة الشعبية بمصر. نجح الشعب يوم 27 مايو في رسالة "إرادة الشعب" المطالبة بالدستور قبل أي انتخاب، ووجب أن يسمع الشعب إجابة على رسالته بالإيجاب.
1029
| 31 مايو 2011
رسم الفنان مصطفى حسين كاريكاتير في جريدة الأخبار المصرية، لطائرة تطير في سماء القاهرة فوق مبنى مجلس الشعب ومواطن مصري يقول "يا كابتن أنا لو قفزت دلوقت على مجلس الشعب حتنكسر رقبتي... شوف لي "دستور باراشوت" أقدر أنزل بيه سليم". فيولد تعبيرا وصفيا جديدا للحالة في مصر "الدستور الباراشوت"، وهو يوصف به الصراع بين لجنة الإخوان المسلمين "البشري سابقا"، والمطالبات الدستورية الأخرى والمتداولة على استحياء والتي تستخدم ذات منهج الإخوان في الإقصاء، بل تكاد الفتنة الدستورية تصل مداها في صورة مواجهة بين من يقولون إنهم الدينيون وغير الدينيين، وأصبحت الدولة المدنية، والتي تعني دولة الدستور والقانون، هي دولة إقصاء الدين، ونسي الجميع الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية للثورة. وبلغ الأمر بالمحامي الإخواني صبحي صالح أن يقول وبكل وضوح في مواجهة الشعب المصري: "نحن كجماعة لا نعترف بمفاهيم مسلم ليبرالي ومسلم علماني ومسلم يساري، نحن لا نعرف إلا مسلم يكفيه دينه عما سواه من المناهج".، ويفتح بهذا القول مرحلة اقتتال واشتباك جديد ينحرف بالثورة والمجتمع انحراف فتنة الجاهلية، وفقط نقول: من فوضك في الحكم على المصريين ومنح شهادات بالإسلام أو منعها؟ ولجنة البشري تصمت عن جريمتها المركبة وهي صبحي صالح والتعديلات التي اقترحتها اللجنة. ومن جهة أخرى دعا المفكر الإسلامي الدكتور محمد سليم العوا المواطنين للخروج في مظاهرات مليونية إذا تأخر إجراء الانتخابات يوماً واحداً، محذراً من "أن هناك من يريد الالتفاف على نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية لأنها لا تصب في مصلحته"، أي أن هناك مصالح متعارضة قي الإعلان الدستوري وعليه فالفقيه القانوني والمفكر الإسلامي ينحاز لمصلحة دون أخرى وهو ما يمثل إدانة للتعديلات ذاتها!! وحول ما يثار بشأن دفاعه عن عدد من رموز النظام قال «العوا»: "أدافع عن رجلي أعمال فقط لإيماني بأن الحكومة استفادت منهما وضحكت عليهما"، ولم يكشف عن موقفه من الشعب الذي استغلته الحكومة ورجال الأعمال، وها هو الرجل يجمع بين الحسنيين، أموال رجال الأعمال، وتعديل دستوري ينحاز لمصلحته. هكذا الكاريكاتير بعين الصقر ومن خارج الصندوق يرى أن الدستور أصبح وسيلة انقضاض على المجلس النيابي، بينما جماعة "لجنة البشري" ومن حولها تخشى ألا يستكمل الانقضاض أهدافه، ويتخذون من الدين غطاء. والمجلس العسكري وبعين النملة يغرق في تبريرات الالتزام بالإعلان الدستوري الذي التزم بخيارات "البشري ولجنته"، ويأبى إلا أن تحدث انتخابات تشريعية في سبتمبر، معاندا الواقع والحقيقة كرجل أراد أن يغيظ وجهه فقطع أنفه. الأهل تعني قرابة الدم، وأخص الناس بالشخص، وهو تعبير ينم عن التآلف والانتماء بين الجماعة، مرادف للعشيرة، هو التعبير الذي استخدمه شركاء أيام وليالي ومعارك الثورة المصرية لتحديد طبيعة العلاقة بينهم، فبعد أن اقتسموا كسرة الخبز ـ وأعني ما أقول... كسرة الخبز ــ أيام الحصار، ها هم ينقلون العلاقة إلى زمن ما بعد الحصار داخل الميدان، ويتكاتفون وتلتئم لحمتهم دفاعا وحماية لأي منهم إن تعرض لأزمة ما. وشاءت الظروف أن أذهب إلى حيث مكان النيابة العسكرية يوم نظر قضية بعض ممن كانوا يتظاهرون أمام السفارة الإسرائيلية، من بالداخل لديهم قصصهم، ومن بالخارج والشمس تحرق جلودهم لديهم دموعهم وتشتتهم وعدم الدراية بالتعامل مع الأماكن العسكرية، وعلى هؤلاء جميعا يعيش بعض عناصر أمن الدولة بين الرصد والمتابعة، وفي مشهد مكمل للصورة يخرج رئيس تحرير جريدة الشروق الذي كان مستدعى للتحقيق أمام النيابة واثنين من الصحفيين لنشر خبر عن رسالة "طلب السماح" من الرئيس المخلوع، بعد توقيع على تعهد ما؟ مصر الثورة تمثل أمام النيابة العسكرية، ولا أحد يراعي أن شباب الوطن، خرجوا وأطاحوا بنظام فاسد وكأنهم يعاقبون على فعلتهم. وإعلام مصر أيضاً أمام النيابة العسكرية، بينما الأنباء تتردد عن الإفراج المتتالي عن رموز النظام السابق، ويعقبها إلغاء للإفراج، حالة من التأرجح مبررها الوحيد أنهم يحاكمون بقوانين صاغها النظام السابق، وأن المحاكمات تدور حول الفساد المالي، ولم يقترب أحد من الإفساد السياسي بعد وكأنها ليست ثورة شعب من أجل الحرية والكرامة والعدل، ولكنها تجريدة دائنين على جماعة القراصنة، انقلاب بالثورة وعليها للتخلص من المسؤوليات التي تفرضها. هكذا يبدو الحال الآن في مصر، الثورة في مفترق طرق، والبعض اعتقد أن مكاسبه نتيجة الثورة تمنحه حق المنح والمنع للشعب، والبعض الآخر يحاول أن يحول نتائج الثورة لصالحه حتى وإن غامر بمستقبل الوطن. وتبلغ صورة العناد حدا مزريا بالحديث المتتالي أن المجلس النيابي القادم سيختار لجنة من 100 عضو لوضع الدستور، إجراء أقل ما يوصف به هو الجهل بطبيعة الدستور ومسؤولية وضعه كعقد اجتماعي بين الشعب، وأن هذا الإجراء أقرب إلى الخيانة الوطنية ممن لا يملكون حق التقرير في شأنه ولكنهم اغتصبوا هذا الحق بحلف أسود بينهم وبين جماعة الإخوان التي لا يمكن وصف ما تفعل غير أنه انقلاب على الشعب والثورة. كل هذه المشاهد تفرض الحرص على حماية نتائج الثورة، من الطبيعي أن تظهر قوى مضادة للثورة، ولكن من غير الطبيعي أن تختفي قوى الثورة. وأخطر من القوى المضادة للثورة. حالة القوى السياسية ومرشحي الرئاسة التي وصلت إلى حد التلاسن والانشغال عن قضايا الوطن والصراع على التورته المسممة، وهذا كله ليس من طبائع الشعوب الثائرة ولكنه من سمات المنافقين والانتهازيين. وبلغ النداء إلى مليونية يوم الحرية 27 مايو لفرز القوى الحقيقية. وضع الدستور المصري ليس محطة وصول ولكنه رحلة ممتدة بطول الوطن وعرضه وعمقه: 1. فالمنوط به وضع الدستور هو الشعب، بواسطة جمعية تأسيسية تمثل كل قواه الاجتماعية والسياسية في تجمع مناظر للمؤتمر الوطني القوى الشعبية الذي اجتمع في أول الستينيات، ومثل مصر كلها، وليس مجرد تمثيل نيابي عبر الدوائر الانتخابية وما تحمله الدوائر من عصبيات وانحرافات في التعبير عن الرأي باستغلال الاحتياج الاقتصادي للشعب. 2. والدستور يسبقه خيار اقتصادي ورؤية لمعادلة التنمية والنظام الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ولعل كتابات الأساتذة زياد بهاء الدين، ووائل جمال، وإبراهيم العيسوي، وأحمد النجار في المسألة الاقتصادية تفرض علينا الالتئام في مؤتمر اقتصادي يبحث القضايا الاقتصادية، وعدم الركون إلى تصريحات رئيس حكومة تسيير الأعمال عن الخيار الاقتصادي، فهذا أمر لا تقرره تصريحات، ولكن تقرره رؤى ودراسات وإحصاءات وإمكانات وظروف داخلية وعالمية. 3. ويسبق الدستور حوار مجتمعي حول مباشرة الحقوق السياسية، تلك التي يجري التعامل معها بقوانين الصدمة، فقانون الأحزاب مشكلة، وقانون الصحافة مشكلة، والتصويت يترنح بين المنح والمنع، والحاجة إلى ربط المصريين بالخارج بوطنهم عبر الإدلاء بأصواتهم، والذي تتراوح فيه الآراء بين المنح والمنع. وغير هذا فإن الحقوق السياسية مرتبطة أيضاً بحالة الإفساد التي جرت طوال 30 عاما مضت، فمن الذين يجب تجميد ممارستهم للعمل السياسي؟ ومن الذين يجب ضمان حقهم وتوفير فرص التعبير عن إراداتهم، وما يدور من حول انتخابات النقابات، يؤكد أننا في حاجة للمشاركة وليس الإقصاء. 4. ويسبق الدستور حوار مجتمعي حول الأمن القومي، الداخلي والخارجي: أ. مصر التي زرعت فيها عناصر النظام المنحل نصف مليون بلطجي، لخدمة أهداف ترويع المجتمع عند الحاجة، ومصر التي انتشرت فيها الأسلحة البيضاء كما تنتشر في رواندا وبوروندي، يظلل هذا الخطر كل فرص التنمية والبناء، وهو أمر يجب التعامل معه، والقضاء عليه، وبدون خطة أمنية وثقافية وبدون القضاء على البطالة، واستقرار الحالة الإعلامية والقضاء على الفساد والصور الانتهازية في المجتمع، لن يمكن القضاء على هذا الوجود السرطاني، فهم ليسوا محتلا أجنبيا، ولكنهم خلايا مشوهة لها ذات سمات خلايا المجتمع السليمة. ب. والمجتمع يجب أن يتصدى لدور الشرطة داخله ومهمة إعادة بناء الجهاز، والتغافل عما يحدث من قيادات الجهاز يدلل أن الجهاز منقسم، بين أغلبية لا تريد العودة وفق أصول العمل الشرطي، وأقلية تسلم بدور للشرطة وفق حاجة المجتمع ولصالحه وفي الإطار القانوني لهذا الدور. ج. والحوار يجب أن يربط بين القضاء وأمن المجتمع، والتصريحات بأن القضاء لم يطله الفساد تبدو كمن يدفن رأسه في الرمال ويعتقد أن لا أحد يراه، ولعل تصريح المستشار زكريا عبدالعزيز رئيس نادي القضاة السابق بأن الثورة لم تصل إلى القضاء يستدعي هذا الحوار. د. والحديث عن الأمن الخارجي ومواجهة مصادر الخطر والنطاق الأمني المصري وارتباطه بنطاقاته العربية والإفريقية، وحدود النفوذ والتأثير، ومصادر المياه والأسواق، كل هذا يفرض حوارا مجتمعيا بديلا عن حالات التشرذم الواقعة داخل المجتمع والتي خلطت بين العدو والصديق، ولعلنا في هذا الصدد نحتاج إلى دراسة للقدرة العسكرية المصرية والتزامات تطويرها، ولعلنا نكتشف حاجتنا لنبيل العربي وزيرا للخارجية أكثر من الحاجة إليه أمينا لجامعة الحكومات العربية. المجتمع في كل هذه المهام يجب أن يكون تحت مظلة تؤمن له حرية الحوار، ومن غير المقبول تكرار مقولة أن المجلس العسكري يريد العودة فورا إلى ثكناته، فالمطلوب منه أن يؤدي مسؤولياته، وليس المطلوب منه التزام ثكناته، ودون تحقيق كل ما سبق من حوار والوصول إلى دستور الشعب وبواسطة الشعب لن يستقر أمن ولن يتمكنوا من العودة إلى الثكنات. مقصلة الثورة الفرنسية حافظت على اندفاع الثورة إلى الأمام، حتى أنها نالت من المفكرين والفلاسفة، ولكنها مثلت صمام عدم الرجوع، والبحث المصري الآن عن مقصلة مصرية، ليس بالضرورة أن تكون مهمتها فصل الرقاب عن الأجساد لضمان الحركة للأمام، ولكنها على الأقل تحول دون الارتداد، فكيف السبيل إليها؟
630
| 24 مايو 2011
تبدو قصص الثورة ودروسها بلا نهاية، فكلما اقتربت من البشر أكثر، كلما اكتشفت أن الإعجاز ليس فيما تحقق سياسيا وحسب، ولكن في مشاهد إنسانية تتجاوز معارك مواجهة نظام الفساد الذي سرق الوطن والشعب ويتبين كل يوم أحجام الثروات المنهوبة بما يثير الفزع من فجور جماعة الفساد ونظام الحكم. كان حديثنا دائما أن الحركة الوطنية المصرية تعوزها الإمكانات المالية وأنها فقيرة، وفقدان القدرة المالية عائق ويحول أحيانا دون الاستمرار في الحركة، وهو أيضا شرخ يجري التسلل من خلاله إن نقص الوعي أو انحرفت الإرادة. هذا العوز دائما كان مدخلا للتعاون إن حدث اعتقال، أو حدث إضراب، أو حدثت أزمة، تتكون جماعات الإعاشة وتقبل التبرعات أيا كان مقدارها، ودائما كانت هذه الصناديق مؤشرا أمام أمن الدولة عمن يدعمون الحركة، وتتناولهم أنشطتها بالمضايقات وأحيانا الاعتقالات. عزة ابنة المهندس عادل آدم رحمه الله، صديق العمر ورفيق رحلة العمل الوطني، لم تعاصر زمن اعتقال والدها عام 1971 ولكن القصص وصلتها، واتصلت بي بداية الأحداث أنها ومعها العديد من الشباب يودون دعم الصامدين في مواقعهم بالطعام والغطاء والأدوية، وكانت المعلومات تؤكد أن المنازل والمحلات التي تحيط بالمعتصمين تتولى أمر رعايتهم، وأحطتها علما بما يجري وطلبت منها التوجه بالإمكانات إلى المستشفيات لأنهم هناك يحتاجون الدعم مع تزايد أعداد المصابين. وبعد نشر مقال الأسبوع الماضي، "الكتلة الشعبية الوازنة" وما تضمنه من مشهد مؤثر من ميدان التحرير، تلقيت من الأستاذة مروة عاشور ليسانس لغة إنجليزية وتعمل مترجمة، رسالة لا يمكن أمامها إلا أن نكبر هؤلاء المقاتلات المحتسبات من بناتنا، وتروي مروة الحكاية على النحو التالي: "من الحاجات اللي فاكراها وبستغرب لها ساعات بس هي "فدا عيون مصر" إني أنا وبنات معايا أيام الميدان كنا بنروح من بدري ونمشي آخر اليوم، لأن في البيت عندي غير مسموح بالمبيت خارج المنزل. كنا بننزل نساعد الشباب في تنظيم الميدان وشراء المستلزمات الطبية من الوحدات القريبة لأن إصابات 25 و28 والأربعاء الدامي كانت كتيييير وخطيرة أكتر مما صورها الإعلام، برك الدماء كانت تملأ المكان والشباب فقد عينه وأحيانا أطرافه ومع ذلك يبتسم ويلوح بعلامة النصر وأحيانا كنت لا أتمالك دموعي وهما اللي بيخففوا عني. في يوم وإحنا هناك حسينا أنه فيه مواد ناقصة من وحدة الطوارئ الطبية وكذلك الغطاء وكنا في عز البرد، وكان لازم الشباب ده يصمد ويكمل وقررنا إننا نساعد بكل ما لدينا، اقترحت فكرة إننا نبيع ما نملك في ذلك الوقت من "ذهب"، خاتم أو أي شيء وقلت لهم: ده اختياري طبعا بس أنا هعمل كده عشان الناس دي لازم تتأمن وتكمل بمنتهى الحماس..... ووافقوا فعلا وجمعنا ما كان معنا، كل شيء.... وكنت بسأل نفسي إيه الشعور اللي يخللي الناس تتنازل عن كل شيء حتى الحياة في حب التراب ده.... وذهبنا لمحل في وسط البلد وعرضنا عليه الموضوع وكنا عارفين إن البلد في حالة كساد ومفيش بيع ولا شراء عشان كده أنا عرضت على صاحب المحل باقتراح إحدى صديقاتي أن يبتاع الذهب ولو بربع الثمن.... وللمفاجأة صاحب المحل خصم جزء بسيط جدا لأنه بعد ما عرف إحنا عايزين الفلوس ليه قال لنا ولاد الميدان في رقبتنا كلنا وأنا مصري يا بنات زيكوا وشاركت في 73 (يعني حرب أكتوبر 1973) وكنا بنبوس الأرض مع كل نصر نحققه وقال لنا لو الفلوس قصرت ارجعولي من غير أي حاجة و.... وتأكدنا في اليوم ده أن الثورة دي مش يتيمة وأن مليون واحد هيدافع عنها معانا واشترينا المستلزمات والبطاطين والأكل ورجعنا للشباب الصامد ودمعت عيوننا كلنا.... تعرف حضرتك أنا لو عشت ميت سنة كمان عمري ما أحس أجمل من المشاعر اللي كانت في الميدان، لكن كان ناقصني حاجة مهمة، "الشهادة"، كان نفسي فيها قوي، وإن شاء الله ربنا يكتبها لي المرة الجاية في فلسطين". باعت بناتنا ذهبهن ليثبتن أن الثورة ليست يتيمة، وأنها تملك موارد شعبها التي لا تنضب، أرواح ودماء وذهب البنات. تبدو هذه المشاهد التي تمت في صمت وسكينة وأحاطها دم المصابين والشهداء وأرواحهم، فعل الملائكة الحارسة للوطن والذي يعج اليوم بالضجيج، مظاهرات لتنظيمات دينية لف الجهل العقول منها، وعلى كافة الأصعدة، وصار الصراخ باسم الدين لا يعبر عن الدين، ولكنه يعبر عن مجتمع فقد هويته ومقومات بنائه وبقائه، وتعددت صور الفتن التي يمكنها أن تودي بوحدة المجتمع وبالسلام بين أبناء الشعب الواحد. لا وجه للمقارنة بين بائعة الذهب ومن يطالب باقتحام دور العبادة، أو من يقتل برصاص من كنيسة أو منزل يجاورها، ويتظاهر مطالبا بتدخل أجنبي لحماية الأقليات. هؤلاء خارجون على هذا الشعب، والصمت عليهم هو مشاركة لهم في جريمة قتل الثورة والانحراف بها وإهدار نتائجها. والغريب أن كليهما، السلفيون والكنيسة، وقفا ضد تحرك الشعب في 25 يناير، ولكنهم عادوا بعدها كل يحارب الآخر غير معركة تحرير إرادة الوطن. بمجرد أن هدأت موجات الصدام مع النظام المخلوع، بدأت الفتن تطل برأسها لتفتيت جبهة الثورة ولحصارها المعنوي وزرع الفتنة بينها وبين الشعب جميعه. كانت أولى الموجات، ما يمكن أن نسميه "فتنة الأجيال"، حيث جرى الحديث عن أن الشباب صنع الثورة وأن الشيوخ عجزوا عنها، وكأنهم ولدوا من رحم أجهزة الكمبيوتر، ولم يتشكل وجدانهم وحاجاتهم في مجتمع الأهل، وكأنهم عندما خرجوا ليكسروا حاجز الخوف، تنكر المجتمع بكل أطيافه لهم، ولم يكن حاميا لحركة الاختراق، ومدعما لها بموجات التظاهر باتساع الوطن وبعمق تجاوز الثمانية عشر مليونا. الثورة كانت فعلا شعبيا جامعا، لم تترك جيلا دون الآخر، ولكن هذه الفتنة أنتجت موجة نفاق وتسلق من بعض من الأجيال التي سبقت، وهو الأمر الذي أدى إلى استخدام كلمة "الشباب" في محاولات متكررة للالتفاف على الثورة، ومع ذلك فإن حسم أمر هذه الفتنة لم يستقر بعد، ومازالت تنتج مواجهات داخلية بين قوى الثورة غير المبررة، بينما توقفت حركة الحشد. وواكب هذا الاتجاه فتنة "الاستقرار"، وأن استمرار التظاهر سيؤدي إلى انهيار الاقتصاد، واستقطبت هذه الدعوة قطاعا داخل المجتمع، وصارت الثورة مطالبة بالدفاع عن حق التظاهر والحشد وسيلتها الوحيدة للضغط من أجل استكمال المسيرة، وكأنها هي سبب المشكلة وليست طريق الخلاص من الفساد والانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ومنذ اليوم الأول للثورة، اختزل بعض المتعصبين حركة الشعب من أجل التغيير إلى نداء "الإفراج عن كاميليا"، وكاميليا هذه سيدة مسيحية قيل أنها أسلمت، وجرى حبسها في أحد الأديرة، وصارت كاميليا في عرف هؤلاء هي القدس وهي مصر. وخرجت موجات التعصب الديني تمارس جرائم النظام السابق عندما قام بتفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية لإشعال نار الفتنة وإطلاق يد الأمن. كانت نار "الفتنة الطائفية" تختفي تحت رماد مكتوم، والأطراف جميعها تمارس العناد لإعلان وجود الذات، وحصار الوطن رهينة التعصب الديني، الذي نجح في احتواء الجميع أيا كان وعيهم، ويعلن وزير العدل أن بعض ضباط أمن الدولة تنكر في زي الجيش لإشعال الفتنة بين الجيش والشعب وأسفر التحقيق أن هذه الأحداث كانت مرتبة، ولم يتجاوز موقف الحكومة مجرد الإعلان!! وتبرز "الفتنة الكبرى" التي صاغتها لجنة البشري، وتمثلت في الاتجاه إلى انتخابات تسبق الدستور، وكأن هناك من خطف مصر وسرق الثورة. وتتجسد سرقة الثورة وعائدها بحفل لتبادل الدروع في الإسكندرية بين وزير العدل في حكومة تسيير الأعمال وجمعية رجال الأعمال بالإسكندرية، ويدلي الوزير بتصريحات تتجاوز المهام الموكلة إليه ويستبق صياغة الدستور، وبصياغة تفتقد الكياسة والوعي بتاريخ مصر، قال: "الدستور الجديد سيتم وضعه في الفترة ما بين الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ولكننا سنلغي فكرة أن يكون نسبة العمال والفلاحين من مجلس الشعب ?50، فلا يوجد دستور في العالم ينص على ذلك، ووجودهم بكل هذه النسبة كان تخلفا". إن قضية نسبة الخمسين في المائة للعمال والفلاحين في مجلس الأمة، جاءت كأحد إنجازات ثورة يوليو 1952، وتستند لنصوص دستورية لم يتم تعديلها حتى الآن كما لم تكن واحدة من النصوص التي عارضتها الحركة الشعبية المصرية طيلة الأربعين عاما الماضية، وهي عمر الجمهورية المصرية الثانية، أو من النصوص التي عرضت للاستفتاء الشعبي الأخير، ولعل التصريح الجاهل لهذا الوزير يطرح مهمة على كل المعنيين بهذه القضية للبدء بحوار شعبي حولها ضمن إستراتيجية العمل الوطني الجديدة مع تأسيس الجمهورية المصرية الثالثة وإقرار دستورها الدائم. لم تعد سرقة الثورة من تنظيمات أتاح لها المجلس العسكري الخروج من الظلام إلى النور، بل تشاركه حكومة لا علاقة لها بالشعب ولا ثورته ولا تاريخه. والادعاء بأنها جاءت من ميدان التحرير لا يعني بالضرورة وعيها بمكونات الشعب، ولا بحدود دورها الوظيفي كحكومة تسيير أعمال، لا يحق لها اتخاذ قرارات مصيرية كهذه بالنسبة للمجتمع. عندما تكون أخطاؤك في حدود ذاتك يصبح لك ما لك وعليك ما عليك، ولكن عندما تتجاوز أخطاؤك ذاتك إلى الوطن وأنبل ما أنتج الوطن في ثورة شعبه، تصبح المواجهة حماية للشعب والثورة والتاريخ. وسيبقى وطن بائعة الذهب حرا ينتظر الاتجاه إلى بناء الدولة بالدستور وليس بالترقيع.
550
| 17 مايو 2011
تقاطر المدعوون صباح السبت 7 مايو 2011، إلى مركز المؤتمرات بمدينة نصر لحضور مؤتمر مصر الأول، يلبسون ملابس العيد، الكل يتعانق، شباب في مقتبل العمر، وبأدب جم يقومون بتسجيل الحضور، الحالة التي يحياها الجميع هي مصدر الأمن، صافحت الدكتور إبراهيم الزعفراتي القيادي الإخواني، هل جاء مشاركا أم معتذرا؟، فالإخوان اعتذروا بعد الاكتفاء بغنائمهم من الثورة، ولا يعنيهم الموقف الوطني الجامع، صافحت الدكتور محمد مندور في عناق طويل، لم أره منذ أن غادرنا السجن معا عام 1972، بادرني قائلا: لي خمس سنوات في دارفور، من قبلها في فلسطين، تذكرت جيفارا وحملاته الثورية، هنا امامنا مندور وحملاته الطبية، والعقيدة والانتماء الثوري والاجتماعي لديهما واحد. الكل جاء علي رجاء أن يقوي بالكل، الكل جاء والأمل يسبقه، والرجاء والأمل لم يمنعا الواقعية. الكل في حذر، اليوم يجب أن يكتمل، وأن تصل كل رسائله إلى الجميع. رسالة وحدة القوي الوطنية ــ غير من اختار الوقوف خارجها ــ بأن الجميع معا، وأن كان الحوار مشواره طويل، ويحده توقيتات المهام، إلا أن الكل يرفض سرقة الثورة. ورسالة رفض للاختيار الذي تضمنه الإعلان الدستوري بناءا علي لجنة البشري بإحالة أمر الدستور إلى لجنة المائة الفنية، دون الحوار المجتمعي الوطني حول العقد الاجتماعي قبل الصياغات الفنية. ورسالة ثالثه تعلن قبول التحدي إن فرضت خيارات الإعلان الدستوري أن تذهب مصر مرغمة إلى الانتخابات النيابية المزعومة، وأن الجميع يحاول أن يكون معا في مواجهة هذا التحدي. وتصدح موسيقي النشيد الوطني ويغنيه الحضور وقوفا، 4300 عضوا الذين سجلتهم لجان الاستقبال، ويعلن مذيع المؤتمر البدء باسم الشهداء، وتنطلق موجة تصفيق عاليه لمدة عشر دقائق بلا انقطاع، تحية لأرواح من وهبونا فرصة للتطهر والعيش الكريم، مشهد مزلزل، أرواح الشهداء بيننا، ليسوا بعيدين، دموعا كثيرة تشهدها والكل في وقوف صامت، والتصفيق الحاد متصل ولا يخبوا، يحاول أن يصعد إلى السماء، عبر السنوات الضوئية الفارقة، يسابق رحلة الأرواح ليلقاها ويعانقها، والدموع تجري من الجميع، دموع حب ورحمة وعهد، والتصفيق يتواصل ومذيع المؤتمر يعاهد الله والوطن والشهداء. وتبدأ الجلسة الأولى ويأتي صوت الدكتور حسام عيسى النحاسي، واضحا، وقاطعا، فأستاذ القانون لا تخذله الكلمات المعبرة، والمحددة المعنى، والقاطعة الدلالة، فالموضوع وثيقة إعلان "مبادئ الدستور المصري القادم"، وهو لا يقدم الوثيقة، ولكنه يقول، منذ اليوم الأول الخامس والعشرين من يناير نزلت إلى ميدان التحرير ولم تغادره إلا بعد سقوط النظام وخلع رئيسه، وقال أنها تحدثت إلى "جمعية المحكمة الدستورية" بأنهم جميعا أمام فرصة تاريخيه، وأنها فرصة لمصر وليست عملا سياسيا، وأنهم يجب أن يكونوا والشعب في بنيان واحد، وهي من تقدم لكم الورقة: القاضية تهاني الجبالي نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا، ويقف الجميع في مشهد لا يخلو من الجلال، وموجة تصفيق حاد أخرى تؤكد أن المؤتمر يربط بين الشهداء وإرادة العقل فيه، تكرار من نسخة واحده، والقاضية، تقف في ثبات لا يأخذ بلبها عاصفة التحية، وأمامي بالقاعة شابة في رداء أبيض، ووجهها وعيناها أتصور أنه وجه كليوباترا تقفز الحيوية منه، تطلق صوتا عاليا كما صوت الطاووس وله استمرار غريب، يتصاعد الدم إلى وجهها وأسألها، ما هذا الصوت، وتقول أحب تهاني واحترمها، كنت أريد أن أطلق صفيرا، ولا اعرف، قأطلقت هذا الصوت، فقلت لها أنه صوت الطاووس، وقالت ضاحكة ابنة النيل الخمرية، التي يزين جيدها سلسلة فضيه علي شكل هلال يحتضن صليبا من فصوص تتلألأ: كنت أود أن يكون صوت الكروان!، كم أنت جميلة يا مصر العربية بأهلك. وبوقار المعنى الدستوري للكلمات تعلن الأستاذة تهاني أن هذا الإعلان هو جهد أساتذة القانون الدستوري وشيوخه في مصر، وتتلوه، وكأنها ابنة مصر البدوية التي صاغتها المحلة الكبرى وصاغتها ترانيم العشق لآل البيت التي يتغني بها أبناء طنطا البدوية، وشاركت أهل الثورة في ميدان التحرير طوال أيامها حتى خلع الرئيس، كأنها ترتل سفر الوجود الجديد الهابط علي مصر الثورة من السماء، ويكمل الفقيه الدستوري الدكتور محمد نور فرحات الخناق على "جريمة البشري" في حق مصر، ويقول بضرورة الجمعية التأسيسية لوضع الدستور وأن دور القانونيين هو الصياغة وليس البناء، فهذا حق أصيل للمجتمع وقواه التي تحيا فوق أرض الوطن. هذه المشاهد جمعت بين الحب والشهادة والوفاء والعقل والتقدير من الجميع وإنكار الذات. ويعلن المذيع الداخلي الحاجة إلى طبيب لحالة طارئة، ويجري الدكتور محمد غنيم أبو الكلي في مصر، بطول القاعة كما لو كان ابن العشرين، ويقفز الدكتور نزيه رفعت فوق حاجز ووزنه يتجاوز المائة وعشرين كيلو جرام، وتعدوا طبيبات بأعمار مختلفة من كافة أرجاء القاعة إلى خارجها لإسعاف الحالة، مصر تستدعي قدرتها في لحظة، دون صراع الأجيال الذي يصنعون منه الفتنة الجديدة. وكأن مصر تضرب مثلا جديدا لمعني المرأة من أهلها، لا تعترف بها التزاما بمواثيق ومعاهدات دوليه، فتلك المواثيق والمعاهدات الدولية لإلزام من لم يصنعوا الحضارة، ويدركون معني الإنسان، رجلا أو امرأة، وتستقي عناوينها لتحقق حقوقا ضائعة، ولكن مصر ــ التي خاضت تجربة أن يكون الحاكم امرأة مع حتشبسوت 1458 ق.م.، ومع شجرة الدر 1250م ــ تضع مضمون حقوق المرأة بممارسة ناعمة ولا تأبه بتلك الصياغات القاصرة. وهي مصر التي تأبي أن يشدها أحد إلى عصور الظلام بادعاءات دينيه، لا صلة لها بالإسلام الحنيف. سيدة أخرى، في عمر الزهور، وكأنها زهرة اللوتس المصرية، مضيقة جوية تقول عن نفسها ضاحكة: "دخلت الثورة من التليفزيون عندما شاهدت لقطة ضايقتني جدا قررت أني لازم أنزل". وتستطرد: "المشهد كان للرجالة ع الكوبري بتصلي والأمن المركزي مسلطين عليهم خراطيم المياه وطبعا عرفت بعد ما نزلت أنها مياه مجارى".. وتكمل: "وكانوا كل يوم يأتون قرب صلاة العشاء ويغرقون أرض الميدان بها، وكنا بنجيب أي حاجة جرايد رمل زلط طوب اللي نلاقيه ونقعد برضه!!" و "إحنا كنا بندفع بعض ونتخانق علشان كنا بنجري للشهادة لكن مع الأسف ربنا لم يكرمني بها"، "كان نفسى فيها قوي. كنت متخيله أنها لو حصلت هشوف بابا وأهديها له وأخلد أسمه في الدنيا لما يكتبوا أسمى مع الشهداء بس لسه عندي أمل ياااارب يكتبها لي"، "والله العظيم كان بيضحك لي أنا عارفه أنه كان عارف أنى هعمل كده وكان مرتاح وفي أثناء الثورة كنت دايما بقول لزمايلي مش إيمان اللي واقفة معاكوا لأ ده ناجي مصطفى اللي واقف مش أنا. كان نفسي أشوفه وساعة التنحي في الميدان بعد ما قلت الحمد لله فضلت أنادى عليه بأعلى صوت وأصرخ وأقوله الحمد لله يا بابا اللي كنت عايزه، ولادك عملوه ومش عارفه هتصدقني ولا لأ بس كنت شايفة وشه بينظر لي ويضحك ويقولي زي ما كان دايما بيقول شاطره يا إيمان بنت أبوكى صحيح أنا عارف أنى خلفت راجل. الله يرحمه". لون من المشاعر يحدد دافعا لم يرصده المحللون، دافع اختمر ولم يكن حدثا انفعاليا، وهو يقول أن الجيل الذي تحرك كان امتدادا لجيل سبقه، ولحظة الثورة تحددت عندما وصل حجم نمو الرفض وانتشاره الحجم الحرج الذي أديى للانفجار. زهرة اللوتس المصرية ابنة النيل كانت من الجرانيت الأحمر، وجدتها في المؤتمر، جاءت لتشارك في التنظيم. ويتحدث محمد فائق كلمة المؤتمر الرئيسية، ويتضمن المؤتمر مداخلتين واحدة لنجل جمال عبدالناصر المهندس عبدالحكيم، والمداخلة الأخرى لناجح إبراهيم أحد قيادات الجماعات الإسلامية، ويحضر المؤتمر رئيس الطرق الصوفية!. كأن المؤتمر ينافس ذاته، كان يحاول أن يقوم بكل المهام الفكرية، والتنظيمية وإنتاج قياده للثورة، عبر محاوره، وخلال يوم واحد ويستهدف المؤتمر الوصول إلى توافق عريض حول عدد من المسائل الأساسية: المبادئ الأساسية للدستور القادم، ورؤية مستقبلية للتنمية ومتطلبات العدل الاجتماعي، وأهمية دعم قائمة انتخابية موحدة، التوافق على مجلس وطني لدعم واستمرار الثورة. وتقدم المؤتمر على هذه المحاور، علي وعد بان يكون اللقاء الثاني في النوبة، بأقصى الجنوب. وأن تبدأ مهمة إنجاز المجلس الوطني بإنتاجه من قاعدة شعبيه تمتد بطول الوطن وعمق تكوينه. اقترب المؤتمر من نسبة 50% من مقاعد المجالس النيابية للعمال والفلاحين، وخرجت أصوات كثيرة تطالب بالغائها، ووقف أحد الفلاحين ليقول أنه منذ غياب عبدالناصر، وأصبح العمال والفلاحون غائبين عن المشهد الوطني، وكأنه يذكرهم بغياب تمثيل العمال والفلاحين بما يتناسب مع وجودهم في المجتمع، وأوضح الحاجة إلى مؤتمر لدراسة ممارسة الحياة السياسية في مصر، وأننا في حاجة للمصالحة مع تاريخنا، وأن القضايا الاقتصادية تحتاج إلى مؤتمر علمي يخصها، وكذلك قضية العنف المتزايد، وقضية التنظيمات الدينية والخطر علي المجتمع، ويكشف ذلك أن الجمعية الوطنية للدستور هي محطة الوصول عبر مسارات عديدة، وليست مجرد استنباط لمواد دستورية جامدة. كتلة شعبيه ينقصها أن تكتمل ببضع إضافات لا تحتاج التعجل، تبدأ من مؤتمر مصالحة التاريخ الوطني الذي تملكه الأمة، وتمر عبر تمثيل الفلاحين والعمال، وتبحث أمر اقتصاد الوطن في مؤتمر خاص به، وأن تنضج آلية بناء المجلس الوطني. المؤتمر أعلن ميلاد مشروع الكتلة الشعبية الوازنة للعلاقات داخل المجتمع، وانتقلت المهام إلى الجغرافيا والقضايا الضرورية لبناء الدولة والحياة السياسية، فهل ينجح المؤتمر في مهامه؟ الزمن أمامنا.
532
| 10 مايو 2011
مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...
3063
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...
2901
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...
1374
| 13 مايو 2026
من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...
1020
| 11 مايو 2026
منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...
738
| 08 مايو 2026
قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...
723
| 13 مايو 2026
في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...
666
| 13 مايو 2026
بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...
648
| 12 مايو 2026
اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...
633
| 09 مايو 2026
يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...
612
| 13 مايو 2026
أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...
579
| 11 مايو 2026
نُقل عن الصحابي عبد الله بن مسعود رضي...
549
| 09 مايو 2026
مساحة إعلانية