رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
طالب الشهادة تمنح له الحياة.. والموت لن يحني رأس الشعب أبدا
الشعب يقاوم.. هو العنوان الرئيسي للفترة الانتقالية بعد 11 فبراير 2011.
رغم المهام العديدة التي حلت فور خلع الرئيس، غير أن الشعب المصري تجمعت عليه كل صنوف العدوان والحرب ماديا ونفسيا، في محاولة لإجهاض ثورته، وكأن ثورة الشعب يمكن لقوي الظلام والفساد أن تجهضها وتحيلها إلى فعل ماض، ناسين أن الدوافع الرئيسية لثورته لم تنقض بعد، أيا كانت محاولات الانحراف بإرادته أو تفريغها من مضمونها، أو محاولات قنص شبابه الذي مازال وقود الثورة، ومازالت تضحياته تتوالي.
لا أتصور أن في مصر الآن جنرالات مقاه، أولئك الذين عانت الأمة من ادعائهم المعرفة والخوض فيما لا يعلمون. ولكن ألم المعاناة فجَّر كل إمكانات الذكاء الشعبي، وتحول الشعب إلى ضوء كشاف ساطع يرصد كل الانحرافات، وبدأ في الحديث من جديد عن معاني الثورة، والحديث عن الأنا المحركة للنخبة والجماعات والتكتلات، وصار تقاعس الأمن سؤالا مريبا، وصار أمله في دور للمجلس العسكري محل شك يردده ويقول به، وتبين لكل ذي بصيرة أن الشعب أسقط كل الخطوط الحمراء غير خط واحد "حقه في الحياة".
نعم هناك غيامة ألم شديد، ترفض الاستسلام، ورغم اتباع منهج أن الوقت هو جنرال النسيان لدي الشعوب، إلا أن استمرار إمساك الشعب بقضية "الحق في الحياة"، أدي إلى تحويل بذور اليأس إلى غابة مقاومة، ونكاد نري هزيمة الحرب النفسية، وهزيمة سياسات التفتيت لجبهة الشعب الثائر والتي تجلت خلال الأيام الثمانية عشر الأولى من الثورة.
متابعة أحاديث النخبة ترصد التشتت ومحاولة اجتزاء الثورة إلى مكاسب ذاتيه، بل يراها الشعب ممالأة لسلطة مؤقتة، يسألونها الوجود، والمنح، ذات منهجهم مع النظام السابق، وبقايا النظام السابق الحاكمة الآن تتبع ذات منهج "ثلاثية القرد: لا أرى ولا أسمع ولا أتكلم". وترصد عجز وزارة بنى عليها البعض آمالا بينما لا تملك الوزارة ما يؤهلها لأداء مهام الفترة الانتقالية. وتخرج أحاديث النخبة كل يوم بمتناقض جديد، لا تقبض علي مهام المرحلة الانتقالية وتسعي إليها، ولكنها تتنازل تدريجيا عن مضمونها حتى تكاد العناوين تفقد معناها ومضمونها، أيضا قصة القرد الذي يقوم بقسمة قطعة الجبن علي الميزان إلى نصفين، وكلما وجد فرقا في الميزان أكل قطعة من الجبن لتتساوي الكفتين، إلى أن أكل الجبن كلها، وفرغ الميزان من دورة.
عندما أعلنت الثورة شعارها "الخبز ـ الكرامة ـ العدالة الاجتماعية"، كانت تضع استراتيجية للقادم من أداء وعمل، ولكن موجودات النظام السابق الذي جرت الثورة علية علي كلا جانبي النظام ومن سجونه أيضا، كونت ائتلافا مضادا البعض منه يهاجم ماديا بكل الأسلحة في يده وحاول زرع الخوف وإرهاب الشعب، وحاول تسويف المطالب التي أعلن أنه معها، وانضمت إليه نخبة وجماعات وأحزاب لا وجود لها الا في غياب الشعب، وحاولت تحجيم استراتيجية الشعب في حدود وعيها القاصر، وسرقة الزمن لصالحها.
الجميع في مركب القراصنة، ولا أستثني منهم أحدا.
وحولوا استراتيجية الثورة إلى "الأنا ـ تعديلات دستورية ـ انتخابات"، وألبسوا ادعاءاتهم أردية الدين وأطلقوا لها لحية، علهم يزيفون وعي الشعب.
ألم المعاناة أصبح السلاح الرئيسي لمواجهة التزييف والتسويف وصار وقود الثورة.
شعار الثورة "الخبز ـ الكرامة ـ العدالة الاجتماعية" كان محددا وقاطعا، وكانت الاستجابة أليه تتمثل في تحويله إلى مهام بديلا عن مهمة مزيفة كان عنوانها "نقل السلطة من العسكريين إلى مدنيين"، نقل يمثل ترجمة حرفية لما أطلقة الغرب وأمريكا، وكأنهم يقولون إن العسكر ليسوا من المصريين أو أن السلطة المدنية المطلوب أن ننتقل إليها محددة الانتماء إلى الشعب وليست بقايا النظام السابق، فبقايا النظام السابق ليس من يحلوا لهم إطلاق مسمى "الفلول" عليهم بلا معني، ولكن هناك فلولا أخرى هم من عايشوا النظام السابق وواكبوه تحت مسمي "المعارضة"، فسقوط النظام وسلطته كان يعني ضمنيا سقوط المعارضة التي عاصرته فهي جزء من نظام الفساد، وعناد الحقيقة ومحاولة اكتساب مبرر وجود بعد الثورة هو ضد الثورة ومقتضياتها، بل هو نوع من تزييف إرادة الشعب وتحميلها بأعباء غير مبررة.
وبدلا من تحمل مسؤولية شعار الثورة ومهامه انتقلنا إلى صراعات السلطة، وحتى يكتمل مشهد القرصنة وكان العداء المستعر من الكل لمعنى الدستور، ويجرى اختزاله كل يوم إلى محددات لا تقترب من قضايا المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، أيضا القرد وميزان الجبن.
هكذا جرى فرز المجتمع، الشعب بمعاناته وضع أماله في شعار ثورته "خبز ـ كرامة ـ عدالة اجتماعية" وهو يملك عقيدة الصبر والمقاومة وسلاحه أبنائه الشباب الذين تراكم وعي الكرامة داخلهم، ولم يعد لأحد إمكانية الانقضاض عليهم، ذاقوا طعم الشهادة في أعز رفاقهم، فصاروا ينشدونها وكأنها سبيل الحياة، ونجحوا في تجاوز كل محاولات الاستقطاب الذاتي أو الخارج عنهم، وبقيت كتلتهم الأكبر خارج صور الاستقطاب، حرة لا يطولها سم الكاميرات أو الجلوس على مقاعد وثيرة.
وعلى الجانب الآخر النظام السابق بأكمله، من مكونات السلطة والمعارضة، الجميع تم استقطابهم إلى حنين للعودة للماضي، بمظنة أن الماضي يبرر بقاءهم، وخرجوا من خندق الثورة عندما فقدوا التوافق مع استراتيجيتها، واستعاضوا عنها ببديل عاجز جسده سعي غير حر وبلا كرامة للشعب إلى سلطة ستكون نهايتهم.
ليلة 28/29 يونيو الماضية كانت قمة الوضوح في فرز المجتمع، وأي متابع لما جرى يخلص إلى نتيجة حاسمة بأن "مؤامرة وأد الثورة مستمرة"، وأن الثورة خارج السلطة، وإذا كان يوم 28 يناير هو يوم سقوط النظام ووزارة داخليته، فقد كان يوم 28 يونيو هو يوم سقوط وزارة تسيير الأعمال ووزارة داخليتها. وما يزيد الأمر ريبة أن الجيش يتحرك فقط لحماية المنشآت بادعاء أنها رمز للدولة، ولا يتحرك لحماية الشعب الذي هو الدولة ومبرر وجود الجيش ذاته.
وما يثير الاستغراب ويدفع إلى التعجب، أنك تسمع من الجيش ملاحظات حادة على أداء الداخلية منذ سقوط النظام حتى اللحظة، وأنهم بعد هزيمتهم أمام ثورة الشعب واستمراء قتل المتظاهرين، خرجوا إلى تنفيذ مخطط الفوضى داخل المجتمع، وأن ضباط الشرطة كانوا هم من يطلقون الرصاص على الأهالي ليلا، في مخطط وصفوه أنه كان معد سلفا حال وقوع أي خلل في عملية التوريث من المخلوع إلى ابنه، ورغم هذا لا تري من تحركات الجيش إلا مصاحبة مجموعات الشرطة في مهام تنفيذ الأحكام، ولم نجد من الجيش موقفا في مواجهة الضباط الذين قادوا عملية الفوضى وهم يعلمونهم بالاسم.
وبلغت الصلافة والتبجح بأحد أفراد الشرطة أن يقف في مواجهة المتظاهرين يرقص بأحد "السنج" أو السيوف مشيرا بيديه بإشارات بذيئة، بينما مكبرات الصوت من فوق مدرعات الشرطة تتوعد الشعب وتسبه بأقذع الألفاظ، وتتوعده وتتوعد الثورة، حديث إفك يديره العيسوي والغافل أبداً رئيس الوزراء.
روايات الحضور في ميدان التحرير أن ثلاثة تشكيلات من الأمن كانت تواجه المتظاهرين على ثلاثة منافذ للميدان، تشكيلان منهما كانا في مواجهة قاتلة مع المتظاهرين، وأن التشكيل الثالث كان خارج الاشتباك بل وانصاع لأوامر الانسحاب والآخران كانا يمارسان كل العنف بلا مبرر في مواجهة الجماهير التي احتشدت دفاعا عن أهالي الشهداء الذين تعرضوا للإهانات المتوالية، وكان آخرها إعلان إنشاء صندوق لرعاية أسر الشهداء والمصابين بعد ستة أشهر من الثورة.
وحاولت أبواق سلطة ما بعد الثورة وصم اسر الشهداء ومن تداعى حولهم من الشعب لحمايتهم من بطش مجهول المصدر، حاولت هذه الأبواق والإعلام والبيانات وصفهم بالبلطجية، وأقطع باليقين أنه لو كان الحضور بالتحرير من البلطجية، لما تحركت ضدهم جموع الشرطة، فالبلطجية والشرطة يد واحدة في مواجهة الشعب بل نجح البلطجية أن يغيروا من أسلحة الشرطة لتستخدم أسلحة التخلف المجتمعي "السنجة والسيف".
وعلى قناة تليفزيونية يخرج شاب وفتاة وإخوة لشهداء مع ريم ماجد المذيعة التي أضافت للإعلام المصري صورة مشرفة جديد لمعني الإعلامية التي تحترم عقل المشاهد، وتحترم نفسها، وتنتمي لمجتمعها. كان مع ريم "علاء وجيهان" شابان من شباب الثورة، أن استمعت إليهما أدركت وجوب أن تأخذ الثورة السلطة، وأنهم قادرون بالصدق، نعم أهم وأعظم ما تكتشف فيهم الحماس والوعي والثقة والصدق، حديثهم لا كذب فيه، ويراجعان بعضهما البعض، مقاتلان ببساطة الإنسان وبراءته يدركان أن ما يحققانه لا يأتي بالادعاء ولا الكذب ولكن له ثمن يجب دفعه، هكذا هي مصر، وسط ظلام المؤامرة تضيء شعلة جديدة للثورة ألا تكذب فهذا حقنا والجرائم السوداء تكشف نفسها.
سقطت وزارة تسويف الأعمال، وأسقط مجرمو الداخلية جهاز الشرطة، كلاهما يستوجب الحل.
شرف يجب أن يذهب فهو ابن للنظام السابق ويجهل معني الثورة وأهدافها وكيف السبيل إليها.
والداخلية أصبح واجبا حلها وتسريح رتبها العليا، الشريف مع غيره، ثم إعادة بناء جهاز الشرطة، ولن نمل من تكرار مثال إعادة بناء القوات المسلحة بعد يونيو 67، وكيف تجاوزنا حالة الفوضى. نذكر محاولات المشير وجماعته للعودة إلى القوات المسلحة والتي انتهت بانتحاره، وهي ذات محاولات الداخلية للعودة بالبلاد إلى حالة ما قبل يناير، والفارق بين الحالتين أن عام 67 كان هناك من يستطيع أن يتخذ قرارا ومن حوله رجال ينفذون القرار، وبين اليوم حيث حالة "اللا قرار" التي تسيطر على البلاد المسروقة تحت شرعية استفتاء طلبته لجنة معادية للشعب هي لجنة البشري، وصادرت به الشرعية الثورية.
الجريمة الاقتصادية مستمرة ويقودها وزير مالية تسويف الأعمال الذي رفض له المجلس العسكري أن يستدين من البنك الدولي، ويعيد إليه الميزانية فيقوم بتجميد المعاشات، ولأن الثورة طالبت بالعدل الاجتماعي فقد ترجموه في زيادات أهدروها، والخروج الجديد للشعب سوف يكون لمطلب العدل الاجتماعي، تراجع وزير مالية شرف والذي كان مستشار يوسف بطرس غالي الهارب من العدالة، تراجع عن فرض ضرائب جديدة تطول المتعاملين بالبورصة، وتراجع عن زيادة الأجور والمعاشات، فأي وزارة للثورة هذه، تحرم الفقير وتضيف لأثرياء زمن الفساد.
هل سيكون يوم 8 يوليو الموعود فيه بمليونية شعبية جديدة للعدالة الاجتماعية، أم أنكم تذهبون بالبلاد وشعبها إلى دم جديد، والشعب وشبابه يستعدون له بل ويطلبون الشهادة، وطالب الشهادة تمنح له الحياة التي يستحقها، والموت لن يحني رأس الشعب أبدا.
هذي قطر.. من معرض كتاب إلى هوية وطن
في معارض الكتب، تتحول العلاقة بالكتب من علاقة فردية صامتة إلى تجربة جماعية مليئة بالحوار والدهشة. ويأتي معرض... اقرأ المزيد
24
| 19 مايو 2026
ناصر العثمان.. عميد الصحافة المحبوب
من حسن حظي أنني عملتُ مع قامة من قامات الصحافة والفكر والثقافة في قطر، هو الأخ والأستاذ والمُعَلِّم... اقرأ المزيد
27
| 19 مايو 2026
"الدوحة للكتاب".. منارة لا تنطفئ
يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي، ليصبح إعلانًا واضحًا بأن المعرفة تظل الخيار الأسمى حتى في... اقرأ المزيد
33
| 19 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5997
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1788
| 13 مايو 2026
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1206
| 18 مايو 2026