رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. فاطمة سعد النعيمي

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

180

د. فاطمة سعد النعيمي

يوم يبحث الجميع عن ظل... ويُنادى المتحابون في الله

02 يناير 2026 , 07:00ص

في مشهدٍ مهيب من مشاهد القيامة، يكشف القرآن الكريم والسنة النبوية عن فئةٍ استثنائية، لا يجمعها نسب ولا مصلحة، بل رابطة الإيمان الخالص، فيكرمهم الله بظلٍ خاص يوم لا ظل إلا ظله. ففي زمنٍ تتكاثر فيه مظاهر القسوة، وتضعف فيه روابط الرحمة بين الناس، يعيدنا الوحي إلى أصلٍ عظيم من أصول الإيمان، هو المحبة في الله؛ تلك المحبة التي لا تقوم على منفعة، ولا تحكمها الأهواء، وإنما تتأسس على صدق الإيمان ونقاء القصد.

ومن أسمى ما ورد في بيان فضل هذه المحبة قول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه عز وجل: «أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي»، وهو حديث صحيح يفتح أفقًا واسعًا لفهم منزلة العلاقة الإيمانية حين تتحرر من كل دافعٍ دنيوي، وتصبح عبادةً قلبية وسلوكًا عمليًا يتجلى في النصيحة، والعدل، والرحمة، وصيانة الكرامة الإنسانية.

ويؤكد القرآن الكريم أن هذه المحبة ليست قيمةً هامشية، بل ركنٌ من أركان البناء الإيماني، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، فجعل الأخوة أساس العلاقة بين المؤمنين، وربطها بوحدة الإيمان لا بوحدة المصالح. كما قرر أن حب الله هو المحور الذي تنتظم حوله القيم كلها، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165]، ومن تمام هذا الحب أن يفيض محبةً ورحمةً على عباد الله.

وتتجلى عظمة هذه القيمة حين نتأمل مشهد القيامة كما يصوره القرآن: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: 34–35]، يومٌ تتفكك فيه الروابط الدنيوية، ويغلب فيه الخوف والبحث عن النجاة. وفي ذلك الموقف العصيب، يصبح الظل أمنيةً كبرى، فيأتي تكريم الله للمتحابين فيه ظلًا خاصًا، دلالةً على صدق قلوبهم، وصفاء مقاصدهم.

إن رسالة هذا الحديث النبوي، في ضوء القرآن الكريم، تتجاوز البعد الفردي إلى البعد المجتمعي؛ فالمجتمعات التي تُبنى على المحبة في الله هي مجتمعات أكثر تماسكًا، يقل فيها الظلم، وتسمو فيها الأخلاق، ويقوى فيها التضامن. وفي عالمٍ يموج بالصراعات والانقسامات، تبقى هذه القيمة القرآنية نداءً متجددًا يعيد للإنسان بوصلته، ويذكّره بأن طريق النجاة يبدأ من القلب، وينتهي بظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.

مساحة إعلانية