رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

رمضان فريد

- كاتب وأكاديمي في أكاديمية المها للبنين

مساحة إعلانية

مقالات

594

رمضان فريد

الوطن.. حنين لا يرحل

09 يناير 2026 , 02:36ص

الوقوف على الأطلال سمة فريدة للثّقافة العربيّة، تعكس إلى أي مدى يرتبط العربيّ بأرضه في حلّه وترحاله، فيذكره ويعتزّ به دائما حتى في خلواته، وليس غريبًا أنّهم كانوا يعلّموننا منذ الصّغر أن الأرض عِرض لها حقّ الحماية وواجب الفداء تماما كما نحمي أعراضنا. إنّ هذا الإبداع في الشّعر العربيّ القديم كان يعبّر عن مشاعر إنسانيّة عميقة تجاه الوطن، فالوطن بالنّسبة للإنسان العربيّ مسألة وجوديّة كالحياة والموت، ولم يكن لهذا الفن حضور في الثقافات الأخرى مثلما كان له في ثقافتنا العربيّة، وذلك جزء أصيل من طبيعة العربيّ، فهو ينطلق من الوطن عند توجيه مشاعره وأحاسيسه الصّادقة كأنّ الوطن مفتاح نفسيّ للشّخصيّة العربيّة يفتح له الأفق أمامه، فيعبّر أصدق تعبير عن الحبّ والانتماء وعن الحنين الّذي لا يبرح قلبه للدّيار وأهلها. وعندما تتحدّث الأرضُ لغة العربيّ فلا توجد قوّة تستطيع أن تنزعها منه؛ ذلك لأنّ أرضه تترك في دمه طابعها المتميّز بالطّهر والقدسيّة بكل تفاصيله، وهذا الطابع تصبغه صبغة مقدّسة تنتقل من جيل إلى جيل، فتجده يقاتل في حرب طويلة الأمد ولا يبالي من أجل جزء ما يتعلّق بهويّته ووطنه كما حدث في داعس والغبراء، فما بالكم إن كانت حربه من أجل عزّة ومنعة وطنه.

وفي ثقافتنا الحديثة صار الدّين وطنًا وأصبح الوطن مع الدّين في علاقة وجوديّة تكامليّة تجعل التّهديد لأحدهما خطرًا على الآخر ولم يعد الوطن مجرّد أرض يسكنها العربيّ بل هو معنى مقدّس أسكنه الدّين في قلبه وضميره ليسري في دمه، وتغتسل به روحه فتتطهر طهارة المتعبّد، وينشغل به عقله فيصفو صفاء الطّاعة الخالصة، ذلك هو الوطن عند العربيّ، ولعلّ ذلك يفسّر لماذا احتضنت أرض العرب أخر رسالات السّماء.

فلا عجب بعد ذلك أن ترى أطفالنا أبطالًا في الدّفاع عن وطنهم، فلسطين وما نشاهده في غزّة جزء من تلك الصّورة العربيّة الخالدة والمستعمرون هم أكثر من يعلم ذلك عن طبيعة العربيّ وعلاقته بأرضه، ومن تجاهل ذلك كان مصيره الفناء والامبراطوريّات البائدة تشهد بذلك.

 

مساحة إعلانية