رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الوطن.. حنين لا يرحل

الوقوف على الأطلال سمة فريدة للثّقافة العربيّة، تعكس إلى أي مدى يرتبط العربيّ بأرضه في حلّه وترحاله، فيذكره ويعتزّ به دائما حتى في خلواته، وليس غريبًا أنّهم كانوا يعلّموننا منذ الصّغر أن الأرض عِرض لها حقّ الحماية وواجب الفداء تماما كما نحمي أعراضنا. إنّ هذا الإبداع في الشّعر العربيّ القديم كان يعبّر عن مشاعر إنسانيّة عميقة تجاه الوطن، فالوطن بالنّسبة للإنسان العربيّ مسألة وجوديّة كالحياة والموت، ولم يكن لهذا الفن حضور في الثقافات الأخرى مثلما كان له في ثقافتنا العربيّة، وذلك جزء أصيل من طبيعة العربيّ، فهو ينطلق من الوطن عند توجيه مشاعره وأحاسيسه الصّادقة كأنّ الوطن مفتاح نفسيّ للشّخصيّة العربيّة يفتح له الأفق أمامه، فيعبّر أصدق تعبير عن الحبّ والانتماء وعن الحنين الّذي لا يبرح قلبه للدّيار وأهلها. وعندما تتحدّث الأرضُ لغة العربيّ فلا توجد قوّة تستطيع أن تنزعها منه؛ ذلك لأنّ أرضه تترك في دمه طابعها المتميّز بالطّهر والقدسيّة بكل تفاصيله، وهذا الطابع تصبغه صبغة مقدّسة تنتقل من جيل إلى جيل، فتجده يقاتل في حرب طويلة الأمد ولا يبالي من أجل جزء ما يتعلّق بهويّته ووطنه كما حدث في داعس والغبراء، فما بالكم إن كانت حربه من أجل عزّة ومنعة وطنه. وفي ثقافتنا الحديثة صار الدّين وطنًا وأصبح الوطن مع الدّين في علاقة وجوديّة تكامليّة تجعل التّهديد لأحدهما خطرًا على الآخر ولم يعد الوطن مجرّد أرض يسكنها العربيّ بل هو معنى مقدّس أسكنه الدّين في قلبه وضميره ليسري في دمه، وتغتسل به روحه فتتطهر طهارة المتعبّد، وينشغل به عقله فيصفو صفاء الطّاعة الخالصة، ذلك هو الوطن عند العربيّ، ولعلّ ذلك يفسّر لماذا احتضنت أرض العرب أخر رسالات السّماء. فلا عجب بعد ذلك أن ترى أطفالنا أبطالًا في الدّفاع عن وطنهم، فلسطين وما نشاهده في غزّة جزء من تلك الصّورة العربيّة الخالدة والمستعمرون هم أكثر من يعلم ذلك عن طبيعة العربيّ وعلاقته بأرضه، ومن تجاهل ذلك كان مصيره الفناء والامبراطوريّات البائدة تشهد بذلك.

591

| 09 يناير 2026

حقبة جديدة في عمر الحضارة العربيّة

النّهضة هي مرحلة تحوّل فكري وثقافي كبير وتمتاز بالتّجدّد وتظهر دائما من خلال المشاريع الجديدة العملاقة المعتمدة على الثّقة في التّكنولوجيا الّتي ينتجها جيل التّطور، ونحن على الطّريق وننتظر صباحًا مشرقًا بشمس عربيّة خالصة. إنّ التّحوّل الفكري والثّقافي الّذي تعتمد عليه النّهضة يبدأ من التّعليم حتى تصبح حجرة الدّراسة مهدًا للإبداع والجامعة حقلًا للإنتاج والابتكار وليست مجرّد مكاتب لإصدار شهادات وبيانات للتّوظيف وكثير من الجامعات اليوم بدأت تحرص التّصنيف العالمي بما تقدّمه من أبحاث. كانت غايات التّعليم العربي واحدة ومتشابه ومحدودة وأكثر ما كان يمكن عمله هو رفع مستوى التّحصيل ونسب الدّرجات وبغض النّظر عن الاختلاف اللاجوهري المرتبط بالإنشاءات أو التّجهيزات الّتي تختلف من بيئة إلى أخرى إلّا أنّ المنتج في كلّ هذه الدّول كان واحدا «موظف جيد» يستطيع أن يقوم بعمله أو «موظف ضعيف» يحتاج إلى وقت حتى يستطيع القيام بمهامه أو»خرّيج» يبحث عن فرصة عمل هنا أو هناك، أمّا اليوم فهناك خريجون يستطيعون حلّ المشاكل في ميدان العمل وتقديم الجديد. إنّ مثل هذه البيئات يمكن أن تخلق صباحًا مشرقًا لأوطانها لأنّ هناك من يأخذها إلى برنامج فكري وثقافي متطوّر يؤمن بالتّجربة العمليّة ومطلع على تجارب الأمم الّتي سبقتنا بعشرات السّنين العلميّة وسلكت طريقها نحو الإبداع، فالعنصر العربي أحرز قصب السّبق من قبل في مجالات كثيرة. وقدّم للعالم إنجازات قامت عليها نهضتهم الحديثة. إنّ أهم عوامل النّهضة هي الدّافعية لدى الشّعوب وليست المقومات الّتي تمتلكها الدّولة وهذه الدّافعيّة أصبحت تملأ صدور الشّباب العربي ويمكن استثمارها في إحداث التّغيير وخلق بيئة إنتاج وإبداع ومفهوم النّهضة الشّاملة هو الأقرب للنّجاح والثّبات وأقصد بذلك نهضة العلوم والآداب والفنون والصّناعة والزّراعة وغير ذلك من مجالات الحياة، وقد ظهرت في الوطن العربي ملامح نهضة في مختلف المجالات لأنّنا بدأنا ننفق وقتنا وثرواتنا وطاقتنا في سبيل التّمكن من الإنتاج والتّميز في الإبداع. وبلادنا العربيّة تخلّصت من الاستعمار ونالت استقلالها منذ زمن بعيد وعلينا اليوم أن نقطف ثمار جهود التّنمية في قطاع التّعليم وباقي القطاعات بما يحقّق الاعتماد على النّفس والاكتفاء الذّاتي

360

| 05 ديسمبر 2025

الخيال هدية الصّحراء للعربيّ

حينما تنطلق من هذا الجسد لتحلّق في عالم الخيال لا يكون هذا إلا هروبا من واقع أقل ما يمكن أن يقال عنه إنّه مزعج، وهذا الواقع المزعج يعيشه الجميع ولا أتصور أنّ أحدًا لا يحصل على جرعة من مرارته بشكل منتظم في يومه؛ لأنّ أوجاع الواقع لم تعد تقتصر على الفقراء الكادحين بل هي عند الأثرياء المتخمين أكثر حضورًا ولا على البسطاء من عامّة النّاس وحدهم وإنما هي عند الملوك والزّعماء أشد وطأة بحكم مسؤوليّاتهم والتّحدّيات المتجدّدة، كلّنا في الهمّ شرق، ولكن سؤالي، هل هذا يعيب الشّخصيّة العربيّة؟ أم هي ميزة يُحسد عليها؟ أتصوّر أنّها ميزة للعربيّ، لا ينازعه فيها أحد بحكم الصّحراء التي احتوته قرونًا وفرضت عليه الأفق الواسع والخيال المستمر؛ لذلك كانت الثّقافة العربيّة هي الأكثر مصدرًا للرّوحانيّة والدفء والعمق والحكمة دون سائر الثّقافات، وكما كان نبيّنا محمد - صلى الله عليه وسلّم - يأوي إلى الغار للتّأمل فنحن العرب نلجأ إلى الخيال طلبا للرّاحة وهروبًا من الوجع، ومنّا من يعود من عالم الخيال بفكرة ناجحة كأنّها وحي من السّماء فيفتح بها أبوابه المغلقة، ومنّا من يعود إلى الخيال مرات أخرى لعلّه يجد عصا موسى ليغرق فراعين عصره والمتنمرين حوله وينجو مع قومه الصّالحين من شرّ عالم تحوّل إلى ثُكنة عسكريّة أو إلى سفينة محطّمة ركّابها يبحثون عن النّجاة من أهوال المصير. هذا الخيال الّذي صوّره الأدباء في رواياتهم على أنّه فتوّة الغلابة، لم يعد ملاذًا للغلابة وحدهم بل صار فتوّة للجميع ونحن نطلبه أكثر من الدّلفيري بشكل يومي، فالمعلّم يطلبه ليستنهض فيه تلاميذه ويحرّرهم من الإهمال والكسل والضّابط يطلبه ليستردّ وطنه ممن سلبوه، والحاكم يطلبه ليُسعد شعبه ويملأه طمأنينة، والأمّ تطلبه ليصير أبناؤها في أحسن حال، وليس هذا عجزًا نلام عليه بقدر ما هو استعداد فطري للشّخصية العربيّة ويتناسب مع بيئتها، فهي لا تقبل الانكسار حتى وإن بدت صامتةً طوال الوقت فغالبا ما تكون في رحلة البحث عن علاج. إذن، علينا أن نمجّد الخيال الّذي كان وراء أجمل القصائد وأحدث الاختراعات وأروع الرّوايات وأعذب الألحان، فكلّ هذه الإبداعات عاشت في خيال أصحابها قبل أن تهبط إلى واقعنا، ويكفي أنّه يمنحنا وقتًا للرّاحة والاستجمام لبعض الوقت، ولنا في الخيال حياة.

855

| 21 نوفمبر 2025

منْ ملأ ليله بالمزاح فلا ينتظر الصّباح

النّهضة هي مرحلة تحوّل فكري وثقافي كبير وتمتاز بالتّجدّد وتظهر دائما من خلال المشاريع الجديدة العملاقة المعتمدة على الثّقة في التّكنولوجيا الّتي ينتجها جيل التّطور، فهل نحن على الطّريق؟ لأنّ من يملأ ليله بالمزاح فلا يتنظر الصّباح. إنّ التّحوّل الفكري والثّقافي الّذي تعتمد عليه النّهضة يبدأ من التّعليم حتى تصبح حجرة الدّراسة مهدًا للإبداع والجامعة حقلًا للإنتاج والابتكار وليست مجرّد مكاتب لإصدار شهادات وبيانات للتّوظيف. أكثر من ثلاثة عقود مضت على عملي في حقل التّعليم في خمس دول عربيّة ولم أجد فرقًا واحدًا يشير إلى وجود رغبة في التّطور عند المعلّم أو المتعلّم، فالنظام التّعليمي والبرامج التّعليميّة وعقلية الطّالب والمعلّم والإدارة كلّها واحدة، وبغض النّظر عن الاختلاف اللاجوهري المرتبط بالإنشاءات أو التّجهيزات الّتي تختلف من بيئة إلى أخرى إلّا أنّ المنتج في كلّ هذه الدّول واحد»موظف جيد» يستطيع أن يقوم بعمله أو «موظف ضعيف» يحتاج إلى وقت حتى يستطيع القيام بمهامه أو»خرّيج» يبحث عن فرصة عمل هنا أو هناك. إنّ مثل هذه البيئات لا يمكن أن تخلق صباحًا مشرقًا لأوطانها وهي غير ملامة في ذلك، فلو أنّ هناك من يأخذها إلى برنامج فكري وثقافي متطوّر لسلكت طريقها نحو الإبداع، لأنّ العنصر العربي أحرز قصب السّبق من قبل في مجالات كثيرة. إنّ أهم عوامل النّهضة هي الدّافعية لدى الشّعوب وليست المقومات الّتي تمتلكها الدّولة وهذا من وجهة نظري كان وراء نهضة اليابان الحديثة، فخوفهم الشّديد من التّبعيّة بعد استسلام اليابان عام 1945 زاد قلقهم من فكرة التّبعيّة والاعتماد على الآخرين شرقًا أو غربًا، فكانت دافعيّتهم أكبر في إحداث التّغيير وخلق بيئة إنتاج وإبداع، وبمجرّد حصولهم على الاستقلال اعتمدوا على البعثات ونقل التّجربة والتّطبيق إلى اليابان وكان التّعليم المهني ولا يزال عصب تلك النّهضة هذا كلّه وفق خطّة وبرنامج تمّ تطبيقه بحزم شديد، لأنّه كان الجسر الوحيد للعبور نحو المستقبل. إنّ مفهوم النّهضة الشّاملة هو الأقرب للنّجاح والثّبات وأقصد بذلك نهضة العلوم والآداب والفنون والصّناعة والزّراعة، وحتى تتمكّن اليابان من تحقيق ذلك قرّرت عدم الانجرار إلى أي منزلق سياسي أو عسكري يعطّل نهضتها وأن تنفق وقتها وثروتها وطاقتها في سبيل التّمكن من الإنتاج والتّميز في الإبداع. بلادنا العربيّة تخلّصت من الاستعمار ونالت استقلالها لكنّها لم تتخلص من التّبعيّة حتى كنا نستوّرد أعواد الثّقاب الّتي نشعل بها شموعا شرقيّة أو غربيّة لتضيء ظلامنا!

1215

| 24 أكتوبر 2025

سبتمبر قطر.. إلى أين؟

نتّفق أو نختلف السّياسة لعبة شطرنج ويتمّ تحريك القطع فيها وفق حسابات وتقديرات كلّ طرف المرتبطة بتحركات الطّرف الآخر، وهنا يكون المكسب والخسارة، والمنشغل بخسارة القطع الصّغيرة هو في طريقه لخسارة ما هو أكبر وربما يخرج بعيدا عن السّباق. منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر الّتي استهدفت أمريكا، وأمريكا تعلن للعالم أنّها في حالة حرب وهذا الإعلان نقل الشّعب الأمريكي إلى ثقافة الحرب وإلى اقتصاد الحرب وإلى سياسة الحرب. وأحداث سبتمبر قطر حيث الهجوم الاسرائيلي الغادر تؤكد أنّ لغة الإرهاب واحدة وأنّ مصدره واحد سواء كان مصدره جماعة أو دولة ويجب جمع الموقف الدّولي لمواجهته. والموقف العربي الموحّد اليوم ليس خيارا بل هو ضرورة يفرضها الواقع الجديد، فالهويّة العربيّة على المحك والسّيادة العربيّة في اختبار صعب وفكرة السّماح باختراق المجال الجوي القطري أمر مقلق للجميع ويستوجب إعادة حسابات الخليج العربي فيما يملك من أدوات وإمكانات مؤثّرة عالميّا. إنّ الموقف العربي اليوم سيُبنى عليه مستقبل الأجيال القادمة وإن جاء على قدر طموحات الشّعوب العربيّة سنتحدث في المستقبل عن العرب قبل وبعد أحداث سبتمبر قطر ومقومات الأمن العربي متوفرة، ولكن يبقى القرار السّياسي الحكيم وتبقى الخطط بعيدة المدى مع الأخذ في الاعتبار أن محاربة الإرهاب تحتاج إلى النّفس الطّويل خاصّة إن كان الإرهاب صادرا عن دولة بارعة في صناعته. إنّ الحاجة للأمن هي أكبر التّحديات القادمة في الشّرق الأوسط والمنطقة العربيّة، والأمن ليس ترفيهًا نستغني عنه تحت أي ظرف من الظّروف أو ننتظره حتى يعود لأنّه ببساطة عندما يذهب يتأخر كثيرًا حتى يعود والإنفاق على الأمن والانشغال بمسألته يجب أن يكون على أعلى المستويات وفي مقدّمة الأولويّات، واستقرار البلاد لا يعني وجود أمن بها ولكن الأمن في البلاد هو الذّي يحقّق الاستقرار لها، والردّ على الإرهاب لا يكون إلا جماعيّا وقد رأينا أمريكا تجمع الحلفاء حولها بعد أحداث سبتمبر ورغم إمكاناتها الكبرى إلا أنّها احتاجت إلى الموقف الدّولي والتّعاون الإقليمي في التّصدي للإرهاب لحماية أمنها القومي. وفي الدورة 72 لاجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة حذّر صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في كلمته من خطورة غياب تنفيذ أحكام القانون الدولي والاتفاقيات والمواثيق الملزمة وتداعيات ذلك على الأمن والسّلم الدّوليين وهذا الغياب المستمر للأحكام والقوانين في محاسبة الإرهاب هو غذاء للإرهاب وداعم لانتشاره وهو طعنة مميتة في قلب السّلام الّذي ينشده الجميع.

558

| 12 سبتمبر 2025

هل نقضي وقتًا كافيًا مع الأبناء في البيت؟

حتى تستقيم التّربية يجب أن نقضي وقتًا كافيًا مع الأبناء في البيت...نحن جميعًا تأثرنا بنمط الحياة المعاصرة وأصبحنا منشغلين عن الأبناء في حين أنّ شركاء التّربية في زيادة مستمرّة، فكلّ تطبيق يظهر وكل برنامج جديد يُنشر وكلّ محادثة يتفاعل معها الأبناء ما هو إلا شريك جديد في التّربية. فمن لا يقال له «يا ولد!» فسينقصه شيء من الأدب... هذه مقولة من سجلّات التّربية، كانت تقال لنا من الآباء ومن العم ومن الخال ومن الجار ومن غيرهم من الشّركاء الحقيقيّين في التّربية، كانت تقال من باب الزّجر والنّهر عن أمر ما يخالف القيم والآداب، هذه المقولة كانت ترسم طريقًا واضحًا منصفًا للتّربيّة، طريقًا سلكه الآباء وآباء الآباء في التّربية من أجل المستقبل، والتّربية من أجل الانسجام مع المجتمع. قد لا نستطيع أن نجد لأبنائنا الأوقات الّتي وفّرها لنا آباؤنا في الماضي ونبحث لأنفسنا عن مبرّرات كثيرة بحكم طابع الحياة اليوم وطول ساعات عمل الوالدين ومتطلّبات الحياة الحديثة ولكن ليس هذا مبرّرا يجعلنا نغفل عن أبنائنا وعن دورنا الرّئيس في الحياة، فلا بدّ من تفريغ أحد الوالدين لمراحل التّربية الأولى، فاسماعيل الّذي ربّته أمّه هاجر ولازمت طفولته وكان يلتقي بأبيه على فترات متباعدة قال لأبيه: افعل ما تؤمر عندما أراد نبي الله إبراهيم-عليه الصّلاة والسّلام- أن يذبحه، ونحن العرب أبناء اسماعيل، إذن نحن مميزون في التّربيّة إذا قضينا مع أطفالنا الوقت الكافي في البيت نتحدث معهم ونستمع إليهم ونشاركهم ونجيب عن تساؤلاتهم ولم نتخلَ عنهم ونتركهم للشّاشات والشّات ولعلّ الصّيف فرصة كبيرة لنكون مع الأبناء ونقترب منهم ونقيّم أفكارهم وسلوكاتهم ونقوّمها إذا لزم الأمر. وقد نجد اليوم امتعاضًا كبيرًا عند صبيّ نقول له يا ولد... من باب الزّجر والنّهر عن خطأ كاد أن يقع فيه، وربما وجدنا ردّة فعل عنيفة لا تراعي كبر السّن أو شرف المهنة أو صلة القرابة، فعلى الآباء دائما تربية الأبناء بأنفسهم ومتابعة ذلك دون غلظة أو مبالغة، حتى يستقيم العود ويبقى العود ما بقي اللّحاء والمتابعة المستمرّة من الأبوين لحاء يكفل الاستقامة وسلامة السّلوك عند الأبناء. وما أحسن التّربية القائمة على الرّحمة! فإنسان ذو قلب أفضل للمجتمع من عالم أو طبيب أو مهندس بلا قلب والقلوب لا ترتوي من خير قبل أن ترتوي من نبع الوالدين.

249

| 11 يوليو 2025

نجاة المجتمع من التهلكة هي غاية الإسلام

لا يتصوّر أحد أن الدّنيا خلت يومًا من الصّراع، وإنما هو طابع أزلي ظهر في الأرض وليس في السّماء صراع، وهذا الصّراع الّذي في الأرض هو شيء من الكبد الّذي خُلق فيه الإنسان، وهناك نتيجتان حتميّتان لهذا الصّراع وهما: النّجاة أوالهلاك، والنّجاة كانت دائما للمجتمع الرّاشد ولم تكن يومًا لفرد يصارع وحده دون الآخرين، وكأنّها رسالة تقييم وتمجيد لعمل مجتمعي ولسعي المجتمع عندما يأخذ موقفًا إيجابيّا موحّدًا ويتبع نظامًا واضحًا شرعته السّماء حتى يبلغ مقصده وهو الحماية ودفع الأذى، فمثل هذا المجتمع سينجو في كلّ صراع يخوضه في الحقّ، طال أمد الصّراع أو قصر. إنّ هذه النّجاة لا ترتبط بالإمكانات الماديّة بقدر ما ترتبط بإرادة الخير في المجتمع؛ لأنّ الخير قوّة في ذاته وقوّة لمن أراده، والخير هو إرادة الله لعباده، فإن كان هناك جمع من النّاس أرادوا الخير سخّر الله لهم سبل الوصول إليه حتى وإن كانت إمكاناتهم محدودة، وإن وجدوا في كلّ طريق يسلكونه أسدًا رابضًا فلن يخيفهم ذلك ولن يعطّلهم عن تحقيق الخير. إنّ إرادة الخير لمجموعة صالحة تخرّ لها الجبال وتنتصر إرادتهم بعيدًا عن عدّتهم وعتادهم إذا ما قارنّاها بعدّة وعتاد المجرمين الّذين يسعون إلى الفساد، وعندما أخبرنا القرآن بأن الرّوم قد غُلبت في أدنى الأرض وكان ذلك في أوج قوّتهم التي يعرفها العرب وغير العرب لم تكن الغاية من الآية مجرّد نقل الخبر لمجموعة المسلمين وهم ما زالوا في أوّل عهدهم، يتكوّنون ويتعرّفون على منهج الخير من رسول الرّحمة-صلّى الله عليه وسلّم- وإنما كانت هناك حكمة بالغة وراء نقل خبر هزيمة الرّوم وهي أن يعرف المجتمع الجديد الّذي يحمل الخير للبشريّة بأنّهم سيقودون مرحلة من الصّراع بين الخير والشّر ويخوضون معارك ضارية في مواجهة جيوش عاتية وأنّ النّصر لا يرتبط بقوة وعتاد وإنّما هناك حالة للمجتمع المنتصر وهي الحالة ذاتها الّتي كان عليها المجتمع المسلم في ذلك الوقت، حالة من الالتفاف الرّوحي حول عقيدة ثابتة تشرّبها المجتمع المسلم من الكتاب والسّنة ورغم قلّة عددهم وضعف عتادهم أمام جيوش دانت لها الأرض انتصروا وهذا الانتصار لأنّهم حملوا الخير للنّاس، فكان الإخبار لهم بغلبة الرّوم رسالة تهيئة وتثقيف وتوعية بأن هناك أمما ستُهلك، فحافظوا على أمّة الخير من الهلاك...

336

| 03 يونيو 2025

راحلون وراحلة

رحل الشّيخ أبو إسحاق الحويني وترك راحلة جليلة مهيبة قادها علماء سابقون بداية من أحمد بن حنبل، البخاري، مسلم، أبو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجه، حتى وصلت إلى الألباني ثم أبي إسحاق الحويني، فمن لتلك الرّاحلة اليوم؟ راحلة علم الحديث الّتي قادها الشّيخ في هدوء ثمّ رحل في صمت، هكذا هم العلماء في الأرض إذا رحلوا ينقصها الخير الكثير بموتهم. يأتي رحيل الشّيخ وكأنّ شجرة عظيمة العطاء غادرت بستانًا أشجاره كانت نادرة، وكان أصحاب البستان يترقبون الأشجار الشّابة لتظهر وتؤتي أكلها في كنف تلك الشجرة الفريدة النّادرة، لكنّها رحلت عن البستان فصار موحشا ومقلقًا على أشجاره الشّابة من عدم اكتمال نموّها وضعف صمودها أمام رياح التّغيير القادمة بشدّةٍ وحدّةٍ على البستان القديم الّذي يتمّ تجفيف منابعه منذ زمن على أيدي محترفي هدم الأمم والحضارات، وإنما الأيام مثل السّحاب وستمضي الرّاحلة إلى ما شاء الله. رحم الله شيخنا، قد كنّا نصلي خلفه ثمّ جاء يوم وصلّينا عليه ثمّ شيّعنا جنازته، إنّها سُنّة الله في خلقه، بالأمس كنّا نمشي في جنازته و يتراءى لي هو وعمله الذي اصطحبه حتى توارى الثرى، فوالله الذي لا إله إلا هو شعرت بأننا ندفن عملا صالحا وليس رجلا صالحا فحسب، ولا نزكي على الله أحدا، إنّ هذا الشعور الذي ملأ قلبي واستحوذ على عقلي ورصدته حواسي في عيون المشيّعين جميعا، شعور له رائحة الطّيب تفوح وتملأ المكان وتودّ نفسك ألا تفارق المكان الأكثر طيبًا وأمنا، شعور قلما تجده في جنازة تمرّ أمامك أو تمشي خلفها، كنّا نمشي وراء عمل صالح، كنّا نستشعره بحواس الصّائمين لله، وكأنّنا ندفن عملا صالحا بجوار صاحبه، وقامت الأرض تستقبله وكأنّ حقًا عاد لصاحبه، عمل صالح احتضنته الدّوحة لسنوات ثمّ عانقته مقابرها، وما أصعب من أن يشيّع أهل الإيمان عالما جليلا كان يحيا بينهم! إن ندرة العلماء القدوة في زماننا تجعل فراق الشّيخ أبي إسحاق الحويني مصابًا كبيرًا لا يعلمه إلا الله والرّاسخون في العلم، ولكنّنا لا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنّا لله وإنا إليه راجعون، ومن أن أراد أن يعرف كيف تنقص الأرض بموت العلماء فليتأمّل أرضنا العربيّة وساحتنا الإسلاميّة بعد رحيل الشّيخ، فهل هناك من يمتطي راحلة الشّيخ ويمضي في دربه الطّويل درب الحديث النّبوي الشّريف...

648

| 21 مارس 2025

عظمة على عظمة!‬

هذه صيغة تعجب غير قياسي، كانت تقال تعبيرًا عن الإعجاب بالطّرب، وهذا التّركيب اللّغوي ظهر مرتبطًا بها، ولكنّي اليوم قصدت به سيّدة أخرى جعلت ابنها يعانق الطّموح، وما دفعني إلى استدعاء هذا التّركيب اليوم حتى أقوله بملء فمي لوالدة أحد طلبتنا في أكاديميّة المها للبنين هي واقعة تعود إلى منتصف سبتمبر 2023 وسرعان ما ظهرت ثمارها -بفضل الله- حيث كنت قد استوقفت طالبًا في المرحلة الإعداديّة كان يرمي زميلًا له بطائرة ورقيّة صنعها وقت الملل الدّراسي، فظن أنّني سأعاقبه أو أعاتبه وفي الحقيقة لم يحدث شيء من ذلك أبدًا، فقط أخبرته أنّني كنت أصنع مثلها وربما أفضل منها عندما كنت في مثل سنّه قبل أربعين عامًا، فابتسم الصّبي، ثمّ جرى بيني وبينه حوار مشوّق.. وسألته: هل يُعقل بعد أربعين عامًا لم يحدث أيّ تطوّرٌ حتى في صناعة الطّائرة الورقيّة؟ متى يا بني نراكم تصنعون طائرات حقيقيّة حتى يصبح للعرب قدم صدق في عالم اليوم! ثمّ اصطحبته إلى جداريّة عملاقة في المدرسة تروي قصّة عالمنا المخترع عباس بن فرناس، أوّل منْ فكّر وحاول الطّيران، وسألته مجدّدا: هل تعرف من هذا؟ وهل قرأت عنه؟ ولم يصدمني أنّه لم يعرفه ولا يدري ما صنعة الرّجل صاحب الجداريّة، فقرأت معه ما كُتب حول شهيد الفكرة والمعرفة ابن فرناس، ثمّ أخبرته بأنّ جدّه المسلم ابن فرناس كان أوّل منْ قدّم للعالم فكرة الطّيران ثمّ انصرف وانصرفت. ثمّ حدث حراك فكري في ضمير الصّبي أوقده الحوار معه في المدرسة ثمّ استرعته أمّه الواعية الأمينة بطريقة أطربتني، حتى صار الصّبيّ مشغولًا بالفكرة واليوم أقول لها ولأمثالها من الأمّهات: عظمة على عظمة على عظمة يا ست!، فالأمّ التي ترعى أبناءها وتتعهدهم بالقراءة فتقرأ لهم وتقرأ معهم وتصطحبهم إلى مراكز بحثيّة، وإلى متاحف علميّة، لهي أمّ مسؤولة وجديرة بالاحترام والتّقدير؛ لأنّها أضافت آفاقًا إلى آفاق المدرسة في نفس ابنها وخطت خطوة ضروريّة لتمهد الطّريق أمامه لعلّه يروي الأقاحي الذّابلة فتعود لها نضارتها، إنّها المقدّمات وغدًا نرى النّتائج الطّيبة في مسرح الحياة. بعدها أدركت أنّنا أخطأنا في حقّ ابن فرناس وأمثاله من عباقرة المسلمين لأنّنا لم نخرجهم إلى واقعنا وإلى عقول أبنائنا وتجاربهم فلا يكفي أن نحتفظ بأمجاد أمّتنا في وادي الذّاكرة السّحيق، ولكن علينا أن نجد لهم مكانًا في صدور وعقول الصّغار، فهذا حقّ لأبنائنا ولعلمائنا معًا وأجدى نفعًا لأمّتنا. كاتب وأكاديميّ

204

| 14 مارس 2025

الذئب الجائع وموسم الوحدة العربية

لو كنت رسّامًا بارعًا لاجتهدت في رسم لوحة معبّرة عن حالنا اليوم، لوحة فيها الذّئب يفترس إحدى النّعاج الشّاردة عن القطيع، وراعٍ يغطّ في النّوم بعد أن امتلأت بطنه، وذهبت فطنته، لوحة تتراءى أمام عينيّ ليل نهار، وإن تصوّرها وتأمّلها أحد سيشعر بتدني احترامه لذاته ويصاب بما يُعرف بالرّهاب الاجتماعي أي القلق من نظرة الآخرين ورأيهم في مواقفه وشكله، والحديث القائل: «إنما يأكل الذّئب من الغنم القاصية»، ثقافة دينيّة لم تفلح حتى الآن في نجاة بعضنا، والغريب في الأمر أن ذئاب اليوم لا تنتظر الغنم حتى تشرد عن القطيع، إنّما تعمل وتخطّط لخروجها وشرودها الواحدة تلو الأخرى، ويساعدها في ذلك بقاء الرّاعي نائمًا. الأمر مزعج حقًا، والصّورة قاسية، وصار الوقت معصرة تقذف الرّاعي بالهواجس المرعبة، وتزيد من قلقه الاجتماعي، فظلّ يتأمّل المشهد حتى وجد الذّئب فوق رأسه يقايضه بين حياته وبين المرعى بأكمله، ولم يكن الرّاعي يحتاج إلّا لعصا أبيه الّتي خبّأها أسفل فراشه حتى يحمي نفسه، ولكن ماذا عن القطيع؟ وماذا عن المرعى وقد أحاطت به الذّئاب؟ طريقة واحدة لحماية المرعى والقطيع، وهي أن يبقى الرّاعي يقظًا ويعود إلى علاقته بأخوته من الرّعاة الذين صادقوا الذّئب يومًا ونسوا طبعه الغادر، فيصلح بالهم ويجمع شملهم، ليطمئنوا إليه، فيفكرون معًا ويعملون معًا؛ لأنّ عمل الرّاعي وحدة قد يكلفه خسارة كبيرة وهو في سباق مع زمن متغيّر، فالذّئاب مجتمعة وجائعة ولم تعد تخشى عصا أبيه القديمة، ولا تخاف الكلاب الّتي سَمِنت وزاد شحمها فلم تعد قادرة على الرّكض حول القطيع، وعليه أن يجد مع أشقائه من الرّعاة وسائل من ابتكارهم تُرهب الذّئاب، وتُعجزها، فقد سبق وأرعبتها عصا فيصل من قبل، وإذا تمّ هذا فلن تعود الذّئاب لتهدّد المرعى ولا القطعان. إنّ بقاء الرّاعي يقظًا يجدّد الأمل في حياة آمنة للرّعيّة، ومتى شعرت الرّعيّة بذلك صارت سهامه الّتي يطلقها على الذّئاب أينما وُجدت وكلما اقتربت من الحمى، فيسلم الجميع، فلا تستطيع الذّئاب أنْ تنال من أمّةِ يرعاها يقظٌ، ولن نخشى على أوطاننا، فبحارنا وأنهارنا وجبالنا وسهولنا تحميها وحدتنا ويقظتنا. وليس غريبًا أن تتكالب علينا الذّئاب، لأنّنا لسنا في موسم وحدتنا ولا في ساعات يقظتنا وما جرّأها علينا سوى أنّها اطمأنّت إلى فرقتنا، ولكنّنا أمّة توحّدها المصائب وتطهّرها الأوجاع، وتعلّمها كثرة الأخطاء، فتعود قادرة على سحق أودية الذّئاب وتتوقف عن ترويض الذّئاب فالذّئاب لا تُرَوّض.

252

| 21 فبراير 2025

منْ لا يحميَ وطنَه لا يستحقُ العيشَ فيه

كانت العصافير في قريتنا محظوظة، إذ وفّرت لها القرية سبل العيش الرّغيد، وتمثّل ذلك في أشجار الكافور الفارعة وأشجار الصفصاف الممتدّة التي كانت قرب جدول صغير تفصل بينها حقول المزارعين العامرة دائما.. اتخذت العصافير من تلك الأشجار موطنًا لها منذ زمن بعيد.. فقامت تبني أعشاشها عودا وراء عود.. وقضت زمنا طويلا في هذا البناء وفي تجديده.. وكنت أراقبها أحيانًا فأراها تحمل أعواد القشّ اليابسة.. تأتي بها من مكان بعيد لتكمل بناءها في شكل هندسي جميل.. ولم تنشغل يوما بمأكلها أو مشربها.. وكانت سعيدة مطمئنة.. وذات يوم جاء غرابٌ متوحش.. فوقف على طرف من أغصان شجرة العصافير ثم هجم على أحد الأعشاش.. مستغلًا ضعف العصفور الّذي لم يستطع وحده أن يحمي عشّه.. وأكثر ما آلمني عدم اكتراث باقي العصافير به.. ودارت بين الغراب والعصفور معركة غير متكافئة وكانت الغلبة فيها للدّخيل المحتلّ.. وخسر العصفور بعدها عشّه ثمّ خسر حياته.. وما هي إلا أيام حتى ملئت الشّجرة بالغربان المستوطنين. فقلت في نفسي من لا يستطيع أن يحمي وطنه فلا يستحق العيش فيه.. لكني تساءلت، ما الخطأ الذي وقع فيه العصفور حتى خسر كل شيء في غمضة عين؟ فرأيت أنّ العصفور قد أمضى عمره كلّه في بناء العشّ ولم يفكر يومًا في أن يتعلّم كيف يحميه! وتذكّرت ممالك النّمل الّتي لا تنبى إلا بعد تعلّم الحماية والدّفاع.. فتعلّم صغارها كيف تواجه المعتدي وحتى اليوم لا نجد مخلوقًا يجرؤ على اقتحام مملكتهم كبر أو صغر، هذا وهو النّمل من أصغر المخلوقات.. أدرك أن حماية الوطن ليست مسؤوليّة الجند وحدهم لهذا فلكلّ نملة دور في الحماية والحفاظ على أمن الجميع.. والقرآن الكريم خلّد سيرة النّمل ومجّد نظامه في سورة النّمل وهي أطول من سورة الإنسان لما فيها من حكمة وعظة.. فليس هناك وطن فقير لأنّ الله خلق في كلّ أرض ما يكفي منْ عليها من مخلوقات من رزق.. وليس هناك وطن ضعيف وإنما هناك شعوب شُغلت عن أوطانها.. ولم تأخذ بأسباب القوّة.. فالإيمان بالضّعف ضعف والإيمان بالقوّة قوّة.. ولو أنّ الغربان رأت وَحْدة العصافير وحِدّة مخالبها ما كانت لتقترب من موطنها..

1743

| 03 يناير 2025

عظمة على عظمة !‬

هذه صيغة تعجب غير قياسي، كانت تقال لأم كلثوم تعبيرًا عن الإعجاب بالطّرب، وهذا التّركيب اللّغوي ظهر مرتبطًا بها، ولكنّي اليوم قصدت به سيّدة أخرى جعلت ابنها يعانق الطّموح، مع الاحترام والتّقدير لمحبي السّت أمّ كلثوم. وما دفعني إلى استدعاء هذا التّركيب اليوم حتى أقوله بملء فمي لوالدة أحد طلبتنا في أكاديميّة المها للبنين هي واقعة تعود إلى منتصف سبتمبر 2023 وسرعان ما ظهرت ثمارها - بفضل الله - حيث كنت قد استوقفت طالبًا في المرحلة الإعداديّة كان يرمى زميلًا له بطائرة ورقيّة صنعها وقت الملل الدّراسي، فظن أنّني سأعاقبه أو أعاتبه وفي الحقيقة لم يحدث شيء من ذلك أبدًا، فقط أخبرته أنّني كنت أصنع مثلها وربما أفضل منها عندما كنت في مثل سنّه قبل أربعين عامًا، فابتسم الصّبي، ثمّ جرى بيني وبينه حوار مشوّق.. وسألته: هل يُعقل بعد أربعين عامًا لم يحدث أيّ تطوّرٌ حتى في صناعة الطّائرة الورقيّة؟ متى يا بني نراكم تصنعون طائرات حقيقيّة حتى يصبح للعرب قدم صدق في عالم اليوم! ثمّ اصطحبته إلى جداريّة عملاقة في المدرسة تروي قصّة عالمنا المخترع عباس بن فرناس، أوّل منْ فكّر وحاول الطّيران، وسألته مجدّدا: هل تعرف من هذا؟ وهل قرأت عنه؟ ولم يصدمنى أنّه لم يعرفه ولا يدري ما صنعة الرّجل صاحب الجداريّة، فقرأت معه ما كُتب حول شهيد الفكرة والمعرفة ابن فرناس، ثمّ أخبرته بأنّ جدّه المسلم ابن فرناس كان أوّل منْ قدّم للعالم فكرة الطّيران ثمّ انصرف وانصرفت. ثمّ حدث حراك فكري في ضمير الصّبي أوقده الحوار معه في المدرسة ثمّ استرعته أمّه الواعية الأمينة بطريقة أطربتني، حتى صار الصّبيّ مشغولًا بالفكرة واليوم أقول لها ولأمثالها من الأمّهات: عظمة على عظمة على عظمة يا ست!، فالأمّ التي ترعى أبناءها وتتعهدهم بالقراءة فتقرأ لهم وتقرأ معهم وتصطحبهم إلى مراكز بحثيّة، وإلى متاحف علميّة، لهي أمّ مسؤولة وجديرة بالاحترام والتّقدير؛ لأنّها أضافت آفاقًا إلى آفاق المدرسة في نفس ابنها وخطت خطوة ضروريّة لتمهد الطّريق أمامه لعلّه يروي الأقاحي الذّابلة فتعود لها نضارتها، إنّها المقدّمات وغدًا نرى النّتائج الطّيبة في مسرح الحياة. بعدها أدركت أنّنا أخطأنا في حقّ ابن فرناس وأمثاله من عباقرة المسلمين لأنّنا لم نخرجهم إلى واقعنا وإلى عقول أبنائنا وتجاربهم فلا يكفي أن نحتفظ بأمجاد أمّتنا في وادي الذّاكرة السّحيق، ولكن علينا أن نجد لهم مكانًا في صدور وعقول الصّغار، فهذا حقّ لأبنائنا ولعلمائنا معًا وأجدى نفعًا لأمّتنا.

483

| 27 ديسمبر 2024

alsharq
إبراهيم دياز قتل طموحنا

في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من...

1878

| 20 يناير 2026

alsharq
أهمية الدعم الخليجي لاستقرار اليمن

بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...

1752

| 14 يناير 2026

alsharq
ضحكة تتلألأ ودمعة تختبئ

بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري...

1446

| 16 يناير 2026

alsharq
رسالة عميقة عن قطر!

في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي،...

750

| 15 يناير 2026

alsharq
بطاقة الثقة لمعلمي الدروس الخصوصية

في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...

699

| 14 يناير 2026

alsharq
هل الدوحة الوجهة المناسبة للعائلة الخليجية؟

لا تأتي القناعات الكبرى دائماً من التقارير الرسمية...

699

| 16 يناير 2026

alsharq
وانتهت الفُرص

ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس...

660

| 15 يناير 2026

alsharq
مرحلة جديدة في قانون الموارد البشرية

التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم...

594

| 20 يناير 2026

alsharq
سر نجاح أنظمة التعويضات في المؤسسات

في عالم تتسارع فيه المنافسة على استقطاب أفضل...

585

| 15 يناير 2026

alsharq
حنين «مُعلّب».. هل نشتري تراثنا أم نعيشه؟

تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...

564

| 14 يناير 2026

alsharq
إطلالة على مركز قطر للمال بمناسبة الذكرى العشرين لتأسيسه

احتفل مركز قطر للمال بمرور عشرين عاماً على...

561

| 18 يناير 2026

alsharq
فلسطين ليست قضيتي

في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف...

543

| 20 يناير 2026

أخبار محلية