رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مبروك صرت مشهور

ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.

2685

| 12 مايو 2026

من المسؤول؟ (3)

بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.

4590

| 06 مايو 2026

من المسؤول؟ (2)

حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”

3969

| 29 أبريل 2026

من المسؤول؟ (1)

أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تزايد شكاوى المعلمين وأساتذة الجامعات من سطحية بعض الطلاب وضعف قدرتهم على التحليل، بل وقلة اهتمامهم بالشأن العام وغياب الحس بالمسؤولية المجتمعية. وهذه الظاهرة لا يمكن إلقاء اللوم بها على المناهج أو أساليب التدريس، بل ترتبط بشكل كبير بغياب المتابعة الأسرية وانشغال الوالدين أو اعتمادهم الكامل على المؤسسات التعليمية لتأدية دور الوالدين أو توكيل الخدم بكل ما سبق، وهذه طامة أخرى سنأتي عليها لاحقًا. هل يُعقل أن طالبًا جامعيًا لا يعرف من وزير خارجية بلاده؟! وكم هي مساحة الدولة التي يعيش فيها؟! بل أكثر من ذلك، ففي مثل هذه الأيام التي تمر فيها المنطقة في صراع إقليمي وحرب تُغيّر خريطة العالم وتحالفاته وتقلب طاولة الاقتصاد رأسًا على عقب، هو لا يعرف من وكيف ولماذا، وهل هو مع أو ضد توجه معين أو رأي بلاده من كل هذا؟! وبسبب ما سبق عملنا مع بعض الزملاء مسحًا سريعًا للبحث عن هذه الأسباب، فتبيّن أن الأم والأب يقضيان أكثر من ٤ ساعات يوميًا على الهاتف بين برامج التواصل الاجتماعي بما لا ينفع بل بما يضر أحيانًا، ولم نحسب ساعات متابعة الأفلام والمسلسلات ضمن هذا. إن مسؤولية تربية الأبناء لا يمكن تفويضها أو التهرب منها. فتربية الأبناء ليست ما تنتجه المدارس أو المعاهد أو الجامعات، بل هم انعكاس لبيئة كاملة تبدأ بالأسرة. وإذا أردنا جيلًا واعيًا مثقفًا وقادرًا على تحمل مسؤولياته فعلينا أن نعيد الاعتبار لدور الوالدين، وأن ندرك أن التربية الحقيقية تُبنى في البيت أولًا ثم تُستكمل في بقية مؤسسات المجتمع. لأن التربية ليست مهمةً يمكن اختصارها في مؤسسة واحدة أو جهة رسمية بعينها. ومن هنا فإن إلقاء المسؤولية على وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بمستوى الأبناء الفكري والسلوكي والثقافي، هو طرحٌ ناقص يُغفل الدور الجوهري الذي يقع على عاتق الوالدين أولًا ثم بقية مكونات المجتمع. الأسرة هي النواة الأولى التي تتكون فيها شخصية الطفل، وهي البيئة التي يتعلم فيها القيم الأساسية والدينية قبل أن يتعلم الحروف والأرقام. في البيت يتعلم الأبناء معنى المسؤولية واحترام الوقت وأهمية المعرفة والقدرة على الحوار. فإذا نشأ الطفل في بيئة تشجعه على التساؤل وتمنحه مساحة للتعبير وتعطيه قدرًا من الثقة والشعور بالمصداقية وتتابع اهتماماته الدراسية والثقافية، فإنه يدخل المدرسة والجامعة وهو يحمل أدوات التفكير والفهم لا مجرد قابلية للحفظ والتلقين. أما إذا غاب هذا الدور فإننا نجد أنفسنا أمام طالب يفتقر إلى الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء. فحين يجلس الأب أو الأم مع الأبناء لمناقشة حدثٍ ما أو كتابٍ قرأوه أو فكرةٍ سمعوها، فإنهم يزرعون فيهم بذور التفكير النقدي، ويعلمونهم كيف يكونون جزءًا من مجتمعهم لا مجرد متفرجين عليه، كما أن للشارع والأصدقاء دورًا لا يقل أهمية، فهم يشكلون جزءًا من البيئة التي يتفاعل معها الأبناء يوميًا. لذلك فإن اختيار الصحبة الصالحة، وتوجيه الأبناء نحو الأنشطة المفيدة، ومتابعة سلوكهم خارج المنزل، كلها أمور تقع ضمن مسؤولية الوالدين. إضافة إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة المختلفة تتحمل دورًا تكامليًا في تعزيز القيم الثقافية والاجتماعية من خلال تقديم محتوى هادف، وخلق بيئات داعمة للنمو الفكري. إن التربية مشروعٌ مشترك تتكامل فيه الأدوار ولا تتقاطع. فوزارة التربية والتعليم تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم العملية التعليمية وتوفير المناهج والتربية كذلك، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وعيًا أو تبني شخصية متكاملة. هذا الدور يبدأ من البيت حيث تتشكل القيم ويتأسس الفكر ويتعلم الأبناء أين يقفون في هذا العالم المتغير من حولهم.

3294

| 22 أبريل 2026

حاصرونا بين التيس والكنغر

في خضمّ التحولات العالمية والصراعات المتشابكة، يبرز تساؤل مهم حول طبيعة المواجهة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم: هل هي مواجهة مع عروبة العربي، أم مع لغته وحضارته، أم أن جوهرها الحقيقي يتصل بدينه وهويته الإسلامية؟ عند التأمل في الواقع، يبدو أن كثيرًا من المؤشرات تميل إلى أن الاستهداف يتجاوز الجوانب الثقافية واللغوية، ليركّز بصورة أوضح على البعد الديني خصوصًا بعد إعلان الكثير من القادة والمسؤولين الغربيين أن الحرب صليبية. فالعالم، في سياقاته المختلفة، لا يعادي الرموز مهما كانت غريبة أو حتى غير منطقية، بل يمنحها تقديسًا واحترامًا رسميًا. ففي بريطانيا، لا يُنظر إلى «التيس ويليام وندسور» على أنه مجرد حيوان، بل هو جندي رسمي في الجيش البريطاني، له رتبة عسكرية معترف بها، ويُعامل بانضباط عسكري، ويُخصص له مرافق، ويُشارك في العروض الرسمية، بل إن هذا التقليد جزء من الأعراف التي أُقرت في ظل المؤسسة الملكية، ويُحاط به باحترام كأنه فرد من أفراد الجيش. وفي النرويج، يصل الأمر إلى مستوى أكثر غرابة، حيث مُنح البطريق «نيلز أولاف» في الحرس الملكي النرويجي رتبة لواء، وتُقام له مراسم رسمية، ويُحتفل به عند كل ترقية، ويُعامل كرمز عسكري وطني بكل معنى الكلمة. أما في الولايات المتحدة، فإن حيوان «البايسون» (الجاموس الأمريكي) لا يُعتبر مجرد كائن طبيعي، بل هو رمز وطني رسمي، تُطبع صورته على العملات، وتُنشأ له هيئات ومنظمات للحفاظ عليه، ويُقدَّم بوصفه جزءًا من التراث الأمريكي الذي يجب صونه. وفي أستراليا، يُعدّ الكنغر رمزًا وطنيًا بارزًا، بل إن البعض يذهب إلى اعتباره أقدم من الوجود البشري في القارة، وتُبذل جهود كبيرة لحمايته، حتى أصبح حضوره أقوى في الرمز الوطني من حضور السكان الأصليين أنفسهم في بعض الخطابات. وفي إثيوبيا، تُمنح بعض الطيور مثل «الكرك الإثيوبي» مكانة خاصة، ويُنظر إليها كرمز مرتبط بالهوية الطبيعية والثقافية، وتُحاط بنوع من التقدير الذي يقترب من القداسة في الوعي الشعبي. بل إن الأمر لا يتوقف عند الكائنات الحية، بل يمتد إلى الأساطير؛ ففي الصين، يُقدَّس “التنين”، وهو كائن خيالي لا وجود له، ومع ذلك يُرفع في المهرجانات، ويُجسّد القوة والهيبة، ويُعامل كرمز وطني عريق دون أي اعتراض عالمي. كل هذه الأمثلة تؤكد حقيقة واحدة واضحة: العالم لا يرفض أن يكون للشعوب رموز، بل على العكس، يدعمها ويُعظّمها، مهما كانت طبيعتها، حيوانًا أو طائرًا أو حتى كائنًا أسطوريًا. لكن عند الحديث عن العرب والمسلمين، تتغير المعايير بشكل لافت. فلا يُنظر إلى ارتباطهم بدينهم كرمز وهوية يجب احترامها، بل يُقدَّم في كثير من الأحيان كقضية يجب أن تخضع للنقاش والتعديل والتدخل. فتُراجع مناهجهم، وتُنتقد شعائرهم، وتُعاد صياغة مفاهيمهم الاجتماعية والسياسية، وتُطمس سير قدواتهم وقادتهم، وكأن المطلوب ليس مجرد التعايش، بل إعادة تشكيل الهوية نفسها. وهنا تظهر المفارقة بوضوح: العالم يقبل أن يكون للتنين مكانة، وللبطريق رتبة عسكرية، وللتيس احترام رسمي، وللبايسون حضور على العملة… لكن حين يكون للعربي والمسلم دينٌ يشكّل هويته، ويرتب أولوياته، ويُبرز أعلامه، ويُذكر بملهميه، يصبح ذلك محل جدل واعتراض وسخط وغضب!!. وهذا ما يدفع إلى التساؤل الحقيقي: هل المشكلة في العرب، أم في الإسلام ؟ إن قراءة هذا الواقع تكشف أن التحدي لم يكن يومًا موجّهًا إلى اللغة أو العِرق، بل إلى العقيدة، وأن الصراع الحقيقي يدور حول هويةٍ تريد أن تبقى كما هي، في عالمٍ يقبل كل الرموز… إلا رمزًا واحدًا إذا كان مرتبطًا بالإسلام.

2262

| 15 أبريل 2026

على أرض صلبة

في عالمٍ تموج فيه الأزمات، وتتعثر فيه الدول تحت وطأة الحروب والتحولات، لا تُقاس قوة الأوطان بحجمها… بل بصلابة مواقفها، ووضوح رؤيتها، وقدرتها على الوقوف حين يسقط الآخرون. وهنا… تقف قطر. لا كدولة عابرة في مشهد مضطرب، بل كنموذجٍ لبلدٍ عرف كيف يثبت قدمه حين اهتزت الأرض من حوله، وكيف يحفظ توازنه حين اختل ميزان المنطقة، وكيف يقرأ المشهد قبل أن تتضح ملامحه للآخرين. لم تكن الأقل خسارةً صدفة، ولم تكن الأسرع عودةً إلى الحياة محض حظ، بل كانت نتيجة عقلٍ يدير، ورؤيةٍ تستبق، واستراتيجيةٍ لا تنتظر الأزمة… بل تستعد لها، وتبني لها، وتفكر فيها قبل أن تقع. لقد فهمت قطر مبكرًا أن الاعتماد على موردٍ واحد هو بداية الهشاشة، وأن الاقتصاد الذي يقوم على ركيزة واحدة قد يسقط مع أول اختبار. فاختارت التنويع طريقًا، وبنت اقتصادًا متعدد الأعمدة، لا يتأثر بسهولة، ولا ينكسر مع تقلبات الأسواق. استثمرت في الخارج كما استثمرت في الداخل، وفتحت أبوابها لقطاعات متعددة، من الخدمات إلى النقل إلى الإعلام، فصارت قادرة على امتصاص الصدمات بدل أن تكون ضحية لها. أما في السياسة، فلم تنجرف خلف ضجيج الصراعات، ولم تغرها لحظة الانفعال، ولم تدخل معارك لا طائل منها. اختارت التوازن، ومضت بثبات في بناء علاقات مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، دون أن تكون أسيرة لأي طرف. وعندما اشتدت الأزمات، لم تكن طرفًا يشعل النار… بل كانت يدًا تمتد لإطفائها، وصوتًا يسعى لرأب الصدع حين يعجز الآخرون، وحضورًا فاعلًا في لحظات تحتاج إلى عقل لا إلى صدام. وحين ننظر إلى الداخل، نجد أن ما بُني لم يكن عابرًا أو مؤقتًا، بل كان تأسيسًا طويل الأمد. بنية تحتية متقدمة، منظومة نقل حديثة، طيران عالمي، وموانئ قادرة على إبقاء عجلة الاقتصاد دائرة في أصعب الظروف. لذلك لم تتوقف الحياة… ولم تنقطع الحركة… بل استمرت بثبات، وعادت بوتيرة أسرع مما توقع الكثيرون. لكن القوة الحقيقية لم تكن في الحجر… بل في البشر. في إنسانٍ تم الاستثمار فيه، وتعليمه، وتأهيله، ليكون قادرًا على التكيف مع المتغيرات، وعلى العمل تحت الضغط، وعلى التفكير في الحلول بدل الاستسلام للمشكلات. إن الاستثمار في الإنسان هو ما يمنح الدول قدرتها الحقيقية على الاستمرار، وهو ما يجعلها قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص للنمو والتطور. ووراء كل ذلك، كانت هناك قيادة تدير المشهد بعينٍ ترى أبعد من اللحظة، بعقلٍ يجمع بين الحكمة والواقعية، لا تنجرف مع العواصف، بل تعبرها بثبات، وتتعامل مع الأزمات كاختبارات تُدار لا كصدمات تُخشى. لهذا كله… كانت قطر أقل استنزافًا، وأقل خسارة، وأقل تعرضًا لمخاطر الحرب، وأكثر قدرة على الحفاظ على توازنها في وقت فقد فيه كثيرون هذا التوازن. ولهذا أيضًا… كانت من أوائل العائدين إلى الحياة، إلى الطيران، إلى التصدير، إلى العمل، وكأنها تقول إن الاستعداد الجيد هو نصف النجاة، وإن وضوح الرؤية هو الطريق الأقصر نحو التعافي. إنها قصة دولة لم تنتظر أن تُختبر… بل استعدت للاختبار قبل أن يأتي. قصة دولة فهمت العالم، ففهمت كيف تتحرك فيه، وكيف تحمي نفسها من تقلباته. وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: أن قوة الدول لا تُبنى فقط بما تملك… بل بكيف تفكر، وكيف تدير، وكيف تحوّل كل أزمة إلى فرصة، وكل تحدٍ إلى نقطة انطلاق جديدة. وهذا تمامًا… ما فعلته قطر.

1122

| 08 أبريل 2026

الحروب بين الإعلام والتعليم

عند تأمل التاريخ نجد أن الحروب الكبرى لم تبدأ دائمًا بحقائق واضحة، بل بروايات متعددة، لكل طرف فيها مبرراته الخاصة. فالحرب العالمية الأولى مثلًا لم تكن مجرد سلسلة من الأحداث العسكرية، بل كانت نتيجة تراكمات من التفسيرات المختلفة، فألمانيا رأت نفسها في حرب وقائية، وروسيا اعتبرت تدخلها دفاعًا عن الشعوب السلافية، والنمسا تحدثت عن رد على جريمة إرهابية، بينما أعلنت فرنسا وفاءها للحلفاء، وبريطانيا التزامها القانوني. هذه السرديات المتباينة حول حادثة واحدة أدت في النهاية إلى كارثة إنسانية كبرى، حيث تحولت شرارة اغتيال رجل وامرأة إلى حرب أودت بحياة عشرات الملايين، ومهدت لحرب أكثر دمارًا بعدها وفتكاً. إن استحضار هذا المثال التاريخي ليس من باب المقارنات وملء الفراغات، بل لتوضيح كيف يمكن للروايات المختلفة أن تشكل وعي الشعوب، وتوجه قرارات الدول. وفي الحالة الراهنة بين إيران والكيان المحتل وأمريكا، نجد أن كل طرف يقدم نفسه ضمن إطار دفاعي أو وقائي، ويعمل على بناء سردية متماسكة تخدم مصالحه وتبرر تحركاته أمام شعبه وأمام العالم. فإيران ترى نفسها في موقع مقاومة للهيمنة ورفض التدخل الخارجي، بينما تعتبر الولايات المتحدة والكيان المحتل تحركاتهما جزءًا من حماية مصالحهما وأمنهما القومي ومنع التهديدات المستقبلية. وبين هذه الروايات المتشابكة، يصبح المشهد ضبابيًا، حيث تختلط الحقائق بالتفسيرات، وتتحول الأحداث إلى مادة قابلة لإعادة الصياغة وفقًا للمصالح. وفي ظل هذا التعقيد، يقف المتلقي حائرًا، يتلقى سيلاً من المعلومات المتناقضة من وسائل إعلام متعددة ومنصات رقمية لا تخضع دائمًا لمعايير الدقة والمصداقية. فكل خبر يحمل زاوية معينة، وكل تحليل يعكس خلفية فكرية أو سياسية، مما يجعل الوصول إلى الحقيقة الكاملة أمرًا بالغ الصعوبة. ومع غياب أدوات التفكير النقدي لدى كثير من الناس، يتحول المتلقي من باحث عن الحقيقة إلى مستهلك للروايات وربما مدافعٍ عنها ويتبنى ما يصل إليه دون تمحيص أو مقارنة. السؤال الجوهري هنا ليس فقط من بدأ؟ بل أيضًا من المستفيد من استمرار هذا الصراع؟ ومن المتضرر من توقفه؟ وماذا سينتج بعده؟ في كثير من الأحيان، تستفيد أطراف متعددة من حالة التوتر، مثل شركات السلاح التي تزدهر في أجواء النزاعات، وبعض القوى السياسية التي توظف الأزمات لتعزيز نفوذها، إضافة إلى أطماع جغرافية ومالية تسعى لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. وفي المقابل يدفع المدنيون الثمن الأكبر، سواء من خلال الأضرار الاقتصادية، أو التوترات الأمنية، أو الخوف المستمر من التصعيد. فالحروب، مهما كانت مبرراتها، تُدار من بعيد، لكن آثارها تقع مباشرة على حياة الجندي والمدني البسيط. إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس فقط الصراع ذاته، بل التشويش الذي يحيط به. فالإعلام، رغم دوره الحيوي، قد يتحول أحيانًا إلى أداة لنقل رواية واحدة، أو لتضخيم حدث على حساب آخر، أو حتى لطمس بعض الحقائق خوفًا من تبعاتها السياسية أو الاقتصادية. كما أن التعليم، إذا لم يركز على تنمية التفكير النقدي، يترك الأجيال عرضة للتأثر بأي خطاب دون تمحيص وتحليل. نحن أمام جيل يعيش في بحرٍ هائج من المعلومات، تتدفق إليه الأخبار من كل حدب وصوب، لكنه يفتقر أحيانًا إلى البوصلة التي تساعده على التمييز بين الواقع والسراب، وبين الحقيقة والتضليل. لذلك، فإن بناء الوعي لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يتطلب تعليم الإنسان كيف يسأل، وكيف يفكر، وكيف يبحث عن مصادر متعددة قبل أن يُكوّن رأيه. كما يتطلب تعزيز مهارات التحليل وربط الأحداث بسياقاتها التاريخية والسياسية، وعدم الاكتفاء بالنظرة السطحية للأمور. الفهم الصحيح للواقع لا يعني الوصول إلى الحقيقة المطلقة، بل يعني الاقتراب منها قدر الإمكان، عبر تفكيك الخطابات المختلفة، وفهم الدوافع الكامنة خلفها، واستيعاب تعقيد المشهد دون تبسيط مخل. وأخيراً فالتاريخ يعلمنا أن سوء الفهم قد يكون أخطر من الصراع نفسه، لأن من سيفهم اليوم هو من سيصنع قرارات الغد ويؤثر في مسار الأحداث. وإذا لم ندرك حقيقة ما يجري اليوم بوعي ومسؤولية، فإننا قد نكون جزءًا من إعادة إنتاج مآسي الأمس، ولكن بأدوات أكثر تطورًا ونتائج أكثر قسوة. لذلك، فإن الوعي لم يعد خيارًا بل ضرورة ملحة، وهو خط الدفاع الأول في وجه الفوضى والحروب، والوسيلة الأهم لحماية المجتمعات من الانجرار وراء روايات قد تقود إلى كوارث لا يمكن تداركها.

1722

| 01 أبريل 2026

أنتَ وأنتِ

إن التصريحات الأخيرة لمعالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني تعبر عن رؤية عميقة تتجاوز كل الحسابات الحديثة، حيث ذكر جملة عميقة في خطابه وهي (الخسائر المادية تعوض أما الإنسان لا يعوض )، ليؤكد معاليه أن الإنسان يظل الثروة الحقيقية التي تُبنى بها الأمم وتُصان بها الحضارات. ففي عالم تكثر فيه الأزمات وتتصاعد فيه كلفة النزاعات، اختارت قطر إيضاح ترتيب الأولويات، واضعةً الكرامة الإنسانية وحماية الأرواح فوق كل اعتبار اقتصاديا كان أم سياسيا مهما بلغت الخسائر. إن تأكيد الدولة على أن الخسائر المليارية لا تُقارن بقيمة الإنسان يعكس نضجًا سياسيًا وفكريًا وفلسفياً عميقاً، ويعبّر عن فهم عميق لطبيعة التنمية المستدامة وجوهر الإنسان. فالأموال، مهما عظمت، قابلة للتعويض، بينما فقدان الإنسان هو خسارة دائمة لا يمكن جبرها. ومن هذا المنطلق، تتبنى قطر نهجًا يرتكز على الاستثمار في الإنسان، باعتباره أساس النهضة ومحور التقدم، وهو ما يتقاطع مع رؤيتها الوطنية التي تضع التنمية البشرية في قلب استراتيجياتها. وتتجلى هذه الرؤية بصورة أكثر عمقًا من خلال نظرة الدولة إلى المقيم باعتباره شريكًا حقيقيًا في بناء الوطن، لا مجرد وافدٍ يؤدي دورًا مؤقتًا. فالمقيم في قطر يُنظر إليه كشريك للمواطن، تسعى الدولة إلى رعايته والاهتمام به، إيمانًا بأن الانتماء لا يُختزل في حدود الجنسية وحدها، بل يتجذر في الانتماء الإنساني والإسلامي والعربي، وفي الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه هذه الأرض. ومن هذا المنطلق، تتعزز قيم التعايش والتكامل، حيث يشارك الجميع في مسيرة التنمية، ويُسهم كل فرد، مواطنًا كان أو مقيمًا، في صناعة الحاضر وبناء المستقبل. كما أن هذا التوجه يحمل في طياته بُعدًا دينيًا وأخلاقيًا واضحًا، يتماشى مع القيم الإسلامية التي تضع حفظ النفس في مقدمة المقاصد الكبرى. فالإسلام يعلّم أن إحياء نفس واحدة كإحياء الناس جميعًا، وهو مبدأ يتجسد عمليًا في سياسات تحرص على تجنيب الشعوب ويلات الحروب، وتقديم العون للمحتاجين، وتعزيز ثقافة السلام. ومن هنا، يمكن فهم هذه الرؤية كامتداد طبيعي لمنظومة قيمية متكاملة، تُعلي من شأن الإنسان وتُقدّمه على المصالح المادية. ومن زاوية استشرافية، تعكس هذه الرؤية وعيًا بمستقبل تتزايد فيه أهمية رأس المال البشري بوصفه المحرك الأساسي للاقتصادات الحديثة. فالدول لم تعد تُقاس فقط بثرواتها الطبيعية، بل بقدرتها على بناء إنسان متعلم، مبدع، وقادر على التكيف مع التحولات المتسارعة. وفي هذا السياق، تواصل قطر الاستثمار في التعليم، والبحث العلمي، والرعاية الصحية، إيمانًا منها بأن هذه القطاعات تشكل الركيزة الحقيقية لأي نهضة مستدامة. كما أن تقديم الإنسان على المال يرسل رسالة قوية إلى المجتمع الدولي مفادها أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق على حساب القيم الإنسانية. وفي زمن تتغلب فيه المصالح على المبادئ، تبرز هذه المواقف لتؤكد أن هناك نماذج مختلفة في التفكير والعمل، نماذج تُعيد الاعتبار للأخلاق في السياسة، وتربط بين التقدم المادي والسمو الإنساني. وفي المحصلة، فإن ما عبّر عنه معاليه ليس مجرد تصريح عابر، بل هو انعكاس لرؤية استراتيجية متكاملة، ترى في الإنسان جوهر البناء الحضاري، وفي القيم الإنسانية والدينية بوصلةً توجه السياسات والقرارات. إنها رؤية تعتبر كل من يعيش على هذه الأرض جزءًا من نسيجها، وشريكًا في مسؤوليتها، ودعامةً في نهضتها، لتؤكد أن المستقبل الأكثر إشراقًا هو ذلك الذي يُبنى بالإنسان ولأجل الإنسان.

1065

| 25 مارس 2026

أوقات مباركة للدعاء

تُعد العشر الأواخر من رمضان أوقاتاً مباركة للدعاء، ففيها تُفتح أبواب السماء، وتُستجاب الدعوات، وتُقضى الحاجات. الدعاء هو مخ العبادة، وهو صلة مباشرة بين العبد وربه، لا يحتاج فيها إلى وسيط. في هذه الليالي الفضيلة، حيث يتجلى فضل ليلة القدر، يُحث المسلم على الإكثار من الدعاء بقلب خاشع ونية صادقة، متضرعاً إلى الله بكل ما يتمناه من خير الدنيا والآخرة. الدعاء في هذه الأيام هو مفتاح الخيرات والبركات، وبه تتغير الأقدار بإذن الله. إن الله يحب العبد اللحوح في الدعاء، ويستجيب لمن يرفع يديه إليه بصدق وإخلاص. فلنجعل من العشر الأواخر فرصة لرفع أكف الضراعة إلى الله، ولندعوه لأنفسنا، ولأهلينا، وللمسلمين أجمعين. ولنتذكر أن أفضل الدعاء في ليلة القدر هو: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». رمضان هو شهر الدعاء، فلنغتنم هذه الفرصة لنُغذي أرواحنا بالدعاء والتضرع، ولنخرج منه بقلوب مطمئنة، ونفوس راضية، وقد تحققت أمنياتنا، ونلنا رضا الرحمن، وفزنا بخيري الدنيا والآخرة ببركة دعائنا الصادق. إن مضاعفة الجهد في العبادة ليست مجرد زيادة في الكم، بل هي تحسين في الكيف، مع التركيز على الخشوع والإخلاص. فلنجعل من هذه الأيام والليالي محطة لتقييم أدائنا الرمضاني، ولنُعوض ما فاتنا من تقصير، ولنُكثر من الاستغفار والتوبة. ولنتذكر أن الله ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، ويُحب من عباده الاجتهاد في طاعته. رمضان هو شهر السباق، فلنغتنم هذه الفرصة لنكون من السابقين بالخيرات، ولنخرج منه بقلوب عامرة بالإيمان، ونفوس راضية، وقد نلنا المغفرة والرحمة، وفزنا بجنة عرضها السماوات والأرض.

564

| 19 مارس 2026

نكون أو لا نكون

لم يعد الاعتماد على استيراد السلاح خيارًا آمنًا لدول الخليج، بل أصبح ثغرة إستراتيجية تهدد سيادتها قبل أمنها. فالدولة التي لا تتحكم في صناعتها العسكرية، تظل رهينة لإرادة الخارج، مهما امتلكت من ثروة أو تحالفات. لقد أثبتت التحولات المتسارعة في العالم أن السلاح المستورد، مهما كان متطورًا، لا يضمن الاستقلال الحقيقي، بل يربط الأمن الوطني بشروط سياسية واقتصادية قد تتغير في أي لحظة وتحت أي ظرف. وإذا كانت هذه الحقيقة واضحة اليوم، فإن خطورتها تتضاعف عند النظر إلى طبيعة الخليج نفسه، فجغرافية هذه المنطقة لم تكن يومًا هامشية، بل كانت عبر التاريخ نقطة التقاء العالم الشرقي بالغربي، وجسرًا يربط بين القارات والحضارات. ومع اكتشاف النفط وتطور صناعات الطاقة، ثم ازدهار خطوط الشحن والطيران والنقل البحري، تحوّل الخليج إلى الشريان الحيوي للعالم بأسره، تمر عبره مصالح الدول وتتشابك فيه حسابات الاقتصاد والسياسة. إن ما تختزنه أرضه من ثروات، وما تتحكم به مياهه من مضائق ومعابر استراتيجية، جعله مركزًا للصراع قبل أن يكون مركزًا للثروة. فكيف يمكن لمنطقة بهذه الأهمية أن تظل معتمدة بشكل كبير في أمنها على الخارج؟ وكيف يُعقل أن تبقى قوة بهذا الوزن الإستراتيجي مستهلكة للسلاح لا منتجة له؟ إن هذا التناقض لا يمكن أن يستمر دون ثمن. فالموقع الذي يجذب أنظار العالم، يجذب معه أطماعه أيضًا، والدولة التي لا تحمي نفسها بقدراتها الذاتية، تصبح ساحة لصراعات الآخرين. إن التجارب الحديثة كشفت بوضوح أن الاعتماد على الخارج في التسلح ليس فقط مكلفًا، بل محفوف بالمخاطر. فكم من صفقات سلاح تعطلت بسبب خلافات سياسية؟ وكم من منظومات عسكرية بقيت رهينة الصيانة الأجنبية أو القيود التشغيلية؟ إن امتلاك السلاح دون امتلاك المعرفة الصناعية والتقنية المرتبطة به، يشبه امتلاك قوةٍ معطلة لا تُستخدم إلا بإذن غيرك. دول الخليج، بما تمتلكه من موارد مالية هائلة، تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لا تحتمل التأجيل، فبدلًا من إنفاق مئات المليارات على استيراد الأسلحة، آن الأوان لتحويل جزء كبير من هذه الاستثمارات إلى بناء قاعدة صناعية عسكرية محلية. إن الاستثمار في التصنيع العسكري لا يعني فقط إنتاج السلاح، بل يعني نقل المعرفة، وتوطين التكنولوجيا، وبناء كوادر بشرية قادرة على الابتكار والتطوير وفتح تخصصات في الجامعات والكليات، فمن هذا الباب استطاعت تركيا مثلًا أن تكون الأولى في القوة العسكرية للطائرات المسيرة، فمن خلال استقطاب الشباب ودعمهم استطاعت أن تتربع على عرش قوة المسيرات وتجعل لها مكانة فوق رؤوس الدول. لذلك فإن بناء مراكز تدريب متقدمة، وتأهيل الكفاءات الوطنية في المجالات العسكرية الدقيقة، سيشكلان حجر الأساس للأمن الوطني. كما أن التعاون الخليجي المشترك في هذا المجال يمثل فرصة إستراتيجية كبرى. فبدلًا من العمل بشكل منفرد، يمكن تأسيس مشاريع صناعية عسكرية مشتركة توحّد الجهود وتستثمر في القدرات المتنوعة لكل دولة، مما يعزز القوة الجماعية ويقلل الاعتماد على الخارج. إن الاعتماد على الحلفاء لا يجب أن يتحول إلى ارتهان كامل. فالعلاقات الدولية تتغير، والتحالفات تُبنى على المصالح لا على الثوابت. والدولة التي لا تملك أدوات قوتها الذاتية، تجد نفسها في موقع ضعف عند أول اختبار حقيقي. وأخيرًا، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى سيبقى العرب والمسلمون غافلين عن حجم هذه الحقيقة وخطورتها؟ فإلى متى ستستمر هذه الغفلة، ومن يدفع ثمنها إن لم يُتدارك الأمر؟ إن منطقة بهذا الثقل الجغرافي والاقتصادي لا تحتمل التردد ولا التأجيل. فإما أن تتحول إلى قوة مستقلة تمتلك قرارها، أو تبقى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين ومطامعهم. والوقت، في مثل هذه القضايا، ليس عاملًا محايدًا، بل قد يكون الفارق بين السيادة والتبعية.

1299

| 18 مارس 2026

رمضان والعشر الأواخر

تُعد العشر الأواخر من رمضان فرصة أخيرة لا تُعوض لتجديد التوبة الصادقة والإكثار من الاستغفار، ففيها تتجلى رحمة الله ومغفرته، وتُفتح أبواب العتق من النار. التوبة ليست مجرد ندم على الذنوب، بل هي عزم أكيد على عدم العودة إليها، وإصلاح ما فات، والتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة. في هذه الليالي المباركة، حيث يشتد التنافس في الطاعات، يُحث المسلم على مراجعة نفسه، وتطهير قلبه من أدران المعاصي، والعودة إلى الله بقلب خاشع ونفس تائبة. إن الإكثار من الاستغفار في هذه الأيام هو مفتاح للمغفرة والرحمة، وهو الذي يمحو الذنوب ويطهر الصحائف. فلنجعل من العشر الأواخر محطة لتجديد عهدنا مع الله، ولنُكثر من قول: “أستغفر الله العظيم وأتوب إليه”. ولنتذكر أن الله يفرح بتوبة عبده، ويغفر الذنوب جميعًا، مهما عظمت. رمضان هو شهر المغفرة، فلنغتنم هذه الفرصة لنعود إلى الله بقلوب خاشعة ونفوس تائبة، ولنخرج منه وقد غُفرت ذنوبنا، وعُتقنا من النار، ونلنا رضا الرحمن، وفزنا بجنة عرضها السماوات والأرض، ببركة توبتنا الصادقة واستغفارنا الدائم.

975

| 16 مارس 2026

رمضان شهر بناء العادات الإيجابية

يُعد شهر رمضان المبارك فرصة فريدة لبناء وتثبيت العادات الإيجابية التي تدوم لما بعد الشهر الفضيل. فالانضباط الذي يفرضه الصيام، من الامتناع عن الطعام والشراب والشهوات من الفجر حتى المغرب، يُعد تدريبًا عمليًا على التحكم في النفس وتقوية الإرادة. هذا التدريب يمكن استغلاله لتحويل السلوكيات السلبية إلى إيجابية، واكتساب عادات نافعة في جميع جوانب الحياة، سواء كانت روحية، صحية، أو اجتماعية. رمضان هو بمثابة معسكر تدريبي مكثف يجهزنا لحياة أفضل. إن بناء العادات الإيجابية يتطلب الصبر والمثابرة، ورمضان يوفر البيئة المثالية لذلك. فلنجعل من هذا الشهر نقطة انطلاق لتبني عادات مثل قراءة القرآن يوميًا، قيام الليل، الصدقة، صلة الرحم، وممارسة الرياضة. ولنتذكر أن العادات تتشكل بالتكرار، ورمضان يمنحنا 30 يومًا من التكرار المنتظم. فلنستغل هذه الفرصة الذهبية لنخرج من رمضان ليس فقط بقلوب طاهرة، بل بعادات راسخة تُسهم في سعادتنا ونجاحنا في الدنيا والآخرة. رمضان هو شهر التغيير نحو الأفضل، فلنكن مستعدين لهذا التغيير.

390

| 14 مارس 2026

alsharq
مبروك صرت مشهور

ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...

2685

| 12 مايو 2026

alsharq
ملتقى المكتسبات الخليجية.. نحو إعلام خليجي أكثر تأثيرًا

لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...

2046

| 13 مايو 2026

alsharq
على جبل الأوليمب.. هل يمكن؟

كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...

1197

| 13 مايو 2026

alsharq
اختراعات ليست في محلها

من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...

1020

| 11 مايو 2026

alsharq
اكتب وصيتك قبل أن يأتي أجلك

منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...

738

| 08 مايو 2026

alsharq
شفرة النفط.. كيف تُصنع الثروات قبل نقطة التحول؟

بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...

642

| 12 مايو 2026

alsharq
الأزمات.. المخاض الذي تُولد منه أعظم القرارات

اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...

633

| 09 مايو 2026

alsharq
الأب.. الرجل الذي لا يغيب

في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...

627

| 13 مايو 2026

alsharq
احتكار المعرفة.. التدريب الإداري والمهني

قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...

618

| 13 مايو 2026

alsharq
اصحب كتاباً

يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...

591

| 13 مايو 2026

alsharq
القيم الإسلامية والتنمية المستدامة

أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...

567

| 11 مايو 2026

alsharq
اتفاق الممكن بين الحرب والسلام

في الحروب الطويلة لا تكون المشكلة دائما في...

549

| 12 مايو 2026

أخبار محلية