رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هنا.. يرفرف العلم «الأدعم» خفاقاً، فوق سطور مقالي، ويخفق عالياً فوق جميع السواري، على إيقاعات «العرضة»، وأهازيجها الوطنية، وأناشيدها الحماسية، وكلماتها التراثية، وقوافيها الشعرية، المستمدة من قصائد شعراء قطر، الفائضة بالعز، والنابضة بالفخر.
هنا في سماء الوطن، ترتفع رايات الوطن، فوق البيوت، وترفرف داخل القلوب، وينساب عبق «العود»، ويفوح في مختلف الأرجاء، وينتشر في كامل الأجواء، احتفالاً بالمناسبة الوطنية.
إنه «الثامن عشر» من ديسمبر، وهو يوم الوطن، ومؤسس الوطن، وقائد الوطن، وباني الوطن.
وهو اليوم الخالد في ذاكرتنا، والراسخ في ذكرياتنا، لما يحمله من دلالات عميقة، ومعانٍ عريقة، وروابط وثيقة، تؤكد وحدة القطريين جميعاً، قيادة وشعباً.
ويجسد العلاقة الأزلية، والشراكة الأبدية، بين مكونات شعبنا القطري، في المصير والمسير.
وفي هذا المسار، لا جدال أن موجات الفخر، التي تسير في دواخلنا، وتتدفق في شراييننا، وتتشكل في جيناتنا، وتتحرك في أعماقنا، تنبع من تاريخ قطري عريق، وسجل وطني وثيق، يفيض بالفخر، ويمتلئ بالمعاني، صنعه في قطر، قائد حكيم، وهو حاكم حليم، وفارس عظيم، له الفضل- كل الفضل- في تأسيس دولتنا قطر، وترسيخ كيانها، وتثبيت مكانها، وتعظيم إنسانها، وإعلاء بنيانها، ورفعة شأنها، بين الأمم.
والبداية كانت هناك...
بل كانت من هناك، في «فويرط»، التي تستلقي، في ذلك الموقع الساحلي القطري، الواقع شمالاً، على ساحل البحر، الذي شهد مولد مؤسس الدولة، الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، في حدود عام 1827م.
ومنذ ذلك التاريخ، شبّ «الشيخ المؤسس» على حب قطر، والدفاع عن مقدراتها، وصيانة حدودها، والحفاظ على حقوقها والبحث عن مصالحها، بعدما تولى مقاليد الحكم رسمياً، خلفاً لوالده، في الثامن عشر من ديسمبر عام 1878، مؤكداً حرصه على استقلالية هيكلها السياسي، والتزامه بتأكيد نهجها السيادي.
وفي سياق ذلك النهج، والالتزام بتثبيت ذلك المنهج، انتقل من «الضعاين»، إلى هناك في «الوجبة» غرباً، التي شهدت الموقعة الواجبة، لإثبات السيادة، حيث دارت المعركة المصيرية الفاصلة، ضد العثمانيين، في الخامس والعشرين من مارس عام 1893، وانتهت بانتصار القطريين.
وأدت المعركة، إلى انفصال قطر سياسياً عن الدولة العثمانية، بقوة السيف القطري، وعزل الوالي العثماني محمد حافظ باشا، الذي كان يتولى منصب والي البصرة، وجاء إلى قطر في حملة عسكرية، لإخضاعها، لكنه خضع لإرادة شعبها، المتلاحم حول قائده المؤسس.
ومن «الوجبة»، التي شهدت وتشهد على شجاعة المؤسس، نصل إلى «لوسيل»، وما أدراك ماذا تعني «لوسيل» في تاريخ قطر؟.. بعدما زرع فيها المؤسس، بذرة الدولة الفتية، والإمارة الغنية، التي أثبتت قدرتها على مواجهة التحديات الجيوسياسية، في خضم منطقة كانت تعاني من الاضطرابات السياسية، والصراعات الأيدلوجية، على النفوذ والمصالح بين العثمانيين، والبريطانيين.
ووسط كل هذا، كانت «لوسيل» حاضرة الحواضر في زمانها، وأكثر المناطق أماناً، وهذا جعل قطر أكثر ازدهاراً، بعدما تجاوزت مرحلة الثرى، والوصول إلى آفاق الثريا، خصوصاً بعدما أنعم الله عليها بالثراء، نتيجة شهرتها في تجارة «اللؤلؤ»، التي كانت من الإستراتيجيات الاقتصادية، في سياسات «المؤسس».
ومن خلالها حقق موارد مالية، من هذه التجارة، مكّنته من تحويل دولتها الزاهرة، في عصره، المزدهرة، في عهده، وجعلها من أغنى الحواضر في المنطقة.
وهذا أدى إلى تحسين ظروف المكان، وساهم في زيادة عدد السكان، والتوسع في العمران، وأدى إلى شهرة الكيان، كنتيجة طبيعية لقوة البنيان القطري، الذي استمد مكانته في المنطقة، من وقوف قطر مع الحق، ودفاعها عن المظلوم، وحرصها على نصرة المضيوم.
ومثلما تفخر قطر بسيرة قائدها، ومسيرة مؤسسها، تفخر «لوسيل» بأن ترابها يحتضن رفاته، بعد رحيله عن عالمنا في 17 يوليو عام 1913م.
ومن ذلك الموقع، إلى هذا الواقع القطري، حافظ الأبناء على مصالح الوطن، وأكدوا حرصهم على تعزيز الموروث الوطني الأصيل، المتوارث من عهد الأجداد، المتسلسل إلى زمن الآباء، المتواصل إلى عهد الأحفاد الذين تولوا حكم قطر.
وها نحن نعيش في عهد «تميم المجد»، الذي تشهد البلاد في عهده وتزدهر في عهدته، نجاحات وطنية، وإنجازات حضارية، وقفزات تنموية، في جميع المجالات الداخلية والخارجية.
وأستطيع القول ـ بثقة ـ إننا نعيش في عهد قطري «تميمي»، أساسه العطاء، وجذوره النماء، وأصله الوفاء، ومبدؤه الولاء لقائد الوطن، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى.
ووسط كل هذا الإنجاز القطري المتواصل، والنجاح الوطني المتسلسل، ها هو شعار المناسبة الوطنية السنوية، يتردد على ألسنة القطريين.
وهو الشعار المقتبس من كلمة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، التي خطَّها سموه للشباب أثناء زيارته لجامعة قطر عام 2016، المتجسد في هذه الكلمات، المتردد في هذه المفردات:
«بكم تعلو ومنكم تنتظر».
ليجسد رؤية الوطن بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار لترسيخ نهضته واستدامة عطائه.
وما من شك، في أنَّ في مضمون هذا الشعار، تكمن رسالة أميرية، قطرية، وطنية، مجتمعية، جماعية، جامعة، موجهة لكل مواطن، وكل مقيم على هذه الأرض.
هذه الرسالة الجامعة لجميع الجموع، تفيد أن خدمة قطر، مسؤولية مشتركة، بين كل من يقيمون فيها، ويتنفسون هواءها، ويستنشقون نسيمها، ويسكنون في مساكنها، وأصبحوا من سكانها، وهذا الأمر، لا يحتاج إلى تفنيد، بل يتطلب التنفيذ.
ولعل ما يفيد، في سياق هذه الرسالة، أن الوطن يعلو بسواعد أبنائه، ويرتفع شأنه بإنجازات شبابه، وهم القاعدة الراسخة لصيانة حاضره، والركيزة الأساسية لصناعة مستقبله.
وهكذا، من عام إلى آخر، تهلُّ علينا ذكرى اليوم الوطني، ومعها، وخلالها يحتفل الوطن، بمنجزاته الداخلية، ونجاحاته الخارجية.
وما من شك، في أن الثامن عشر من ديسمبر، ليس مجرد تاريخ مدون، على أوراق التقويم، ولكنه يوم من أيام التكريم، لأنه يعكس قيمة الشخصية القطرية، ويعزز قوة الهوية الوطنية.
وخلال هذا اليوم، نكرر الوعد، ونجدد العهد لقائد الوطن، «تميم المجد»، ونؤكد التزامنا بالقيم التي أرساها المؤسس، ونستذكر جهود كل حكام وأمراء وشيوخ قطر، وإسهاماتهم في بناء الدولة، وازدهارها واستقرارها واستمرارها.
ولعل ما يميز يومنا الوطني لهذا العام، أنه يشهد نهائي بطولة «كأس العرب» التي تحتضنها قطر، وشهدت مبارياتها حضوراً جماهيرياً، هو الأوسع والأكبر والأكثر، في هذه النسخة من البطولة.
ولكل هذا الامتياز الجماهيري، أستطيع القول، إن يومنا الوطني، يحتضن في داخله احتفالا قوميا، لكل العرب، تحت مظلة عاصمة الرياضة العربية.
ويزداد هذا المعنى عمقاً قومياً قوياً، أننا نترقب بكل الشغف والاهتمام، مخرجات حوار «الأقدام الذكية»، في نهائي بطولة «كأس العرب»، بين المنتخبين الشقيقين: الأردني والمغربي، الذي سيقام، مساء اليوم في استاد «لوسيل».
هناك في محيط تلك المنطقة التاريخية، التي كانت حاضرة الحواضر القطرية، في زمن مؤسس قطر.
ولأن قطر كانت في عهد المؤسس، مركزاً إقليمياً مهماً في تجارة اللؤلؤ، بحكم اهتمام «راعي العليا»، بهذه التجارة، وعلاقاته الوطيدة مع تجارها، وتعاملاته الوثيقة مع أصحابها.
أختم مقالي على أنغام موسيقى البحر، بعدما بدأت المقال على إيقاعات «العرضة».
وها هو صوت «النهام» يأتي من بعيد، من ذلك الزمن الجميل، وينساب إلى مسامعنا صادحاً، وسط محامل «النواخذة»، الراسية على شاطئ «كتارا».
هناك، ومن هناك، تصدح «النهمة» تلو الأخرى، على إيقاعات فن «لفجري».
ومن خلال ذلك، تتشكل شخصية قطر التراثية، وتتبلور قيمتها التاريخية، وتتمحور ركيزتها الجغرافية، في الامتزاج بين أمواج البحر، ورمال البر، التي تشكل هوية شبه جزيرة قطر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
6531
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2598
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2361
| 15 أكتوبر 2026