رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هنا.. يرفرف العلم «الأدعم» خفاقاً، فوق سطور مقالي، ويخفق عالياً فوق جميع السواري، على إيقاعات «العرضة»، وأهازيجها الوطنية، وأناشيدها الحماسية، وكلماتها التراثية، وقوافيها الشعرية، المستمدة من قصائد شعراء قطر، الفائضة بالعز، والنابضة بالفخر.
هنا في سماء الوطن، ترتفع رايات الوطن، فوق البيوت، وترفرف داخل القلوب، وينساب عبق «العود»، ويفوح في مختلف الأرجاء، وينتشر في كامل الأجواء، احتفالاً بالمناسبة الوطنية.
إنه «الثامن عشر» من ديسمبر، وهو يوم الوطن، ومؤسس الوطن، وقائد الوطن، وباني الوطن.
وهو اليوم الخالد في ذاكرتنا، والراسخ في ذكرياتنا، لما يحمله من دلالات عميقة، ومعانٍ عريقة، وروابط وثيقة، تؤكد وحدة القطريين جميعاً، قيادة وشعباً.
ويجسد العلاقة الأزلية، والشراكة الأبدية، بين مكونات شعبنا القطري، في المصير والمسير.
وفي هذا المسار، لا جدال أن موجات الفخر، التي تسير في دواخلنا، وتتدفق في شراييننا، وتتشكل في جيناتنا، وتتحرك في أعماقنا، تنبع من تاريخ قطري عريق، وسجل وطني وثيق، يفيض بالفخر، ويمتلئ بالمعاني، صنعه في قطر، قائد حكيم، وهو حاكم حليم، وفارس عظيم، له الفضل- كل الفضل- في تأسيس دولتنا قطر، وترسيخ كيانها، وتثبيت مكانها، وتعظيم إنسانها، وإعلاء بنيانها، ورفعة شأنها، بين الأمم.
والبداية كانت هناك...
بل كانت من هناك، في «فويرط»، التي تستلقي، في ذلك الموقع الساحلي القطري، الواقع شمالاً، على ساحل البحر، الذي شهد مولد مؤسس الدولة، الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، في حدود عام 1827م.
ومنذ ذلك التاريخ، شبّ «الشيخ المؤسس» على حب قطر، والدفاع عن مقدراتها، وصيانة حدودها، والحفاظ على حقوقها والبحث عن مصالحها، بعدما تولى مقاليد الحكم رسمياً، خلفاً لوالده، في الثامن عشر من ديسمبر عام 1878، مؤكداً حرصه على استقلالية هيكلها السياسي، والتزامه بتأكيد نهجها السيادي.
وفي سياق ذلك النهج، والالتزام بتثبيت ذلك المنهج، انتقل من «الضعاين»، إلى هناك في «الوجبة» غرباً، التي شهدت الموقعة الواجبة، لإثبات السيادة، حيث دارت المعركة المصيرية الفاصلة، ضد العثمانيين، في الخامس والعشرين من مارس عام 1893، وانتهت بانتصار القطريين.
وأدت المعركة، إلى انفصال قطر سياسياً عن الدولة العثمانية، بقوة السيف القطري، وعزل الوالي العثماني محمد حافظ باشا، الذي كان يتولى منصب والي البصرة، وجاء إلى قطر في حملة عسكرية، لإخضاعها، لكنه خضع لإرادة شعبها، المتلاحم حول قائده المؤسس.
ومن «الوجبة»، التي شهدت وتشهد على شجاعة المؤسس، نصل إلى «لوسيل»، وما أدراك ماذا تعني «لوسيل» في تاريخ قطر؟.. بعدما زرع فيها المؤسس، بذرة الدولة الفتية، والإمارة الغنية، التي أثبتت قدرتها على مواجهة التحديات الجيوسياسية، في خضم منطقة كانت تعاني من الاضطرابات السياسية، والصراعات الأيدلوجية، على النفوذ والمصالح بين العثمانيين، والبريطانيين.
ووسط كل هذا، كانت «لوسيل» حاضرة الحواضر في زمانها، وأكثر المناطق أماناً، وهذا جعل قطر أكثر ازدهاراً، بعدما تجاوزت مرحلة الثرى، والوصول إلى آفاق الثريا، خصوصاً بعدما أنعم الله عليها بالثراء، نتيجة شهرتها في تجارة «اللؤلؤ»، التي كانت من الإستراتيجيات الاقتصادية، في سياسات «المؤسس».
ومن خلالها حقق موارد مالية، من هذه التجارة، مكّنته من تحويل دولتها الزاهرة، في عصره، المزدهرة، في عهده، وجعلها من أغنى الحواضر في المنطقة.
وهذا أدى إلى تحسين ظروف المكان، وساهم في زيادة عدد السكان، والتوسع في العمران، وأدى إلى شهرة الكيان، كنتيجة طبيعية لقوة البنيان القطري، الذي استمد مكانته في المنطقة، من وقوف قطر مع الحق، ودفاعها عن المظلوم، وحرصها على نصرة المضيوم.
ومثلما تفخر قطر بسيرة قائدها، ومسيرة مؤسسها، تفخر «لوسيل» بأن ترابها يحتضن رفاته، بعد رحيله عن عالمنا في 17 يوليو عام 1913م.
ومن ذلك الموقع، إلى هذا الواقع القطري، حافظ الأبناء على مصالح الوطن، وأكدوا حرصهم على تعزيز الموروث الوطني الأصيل، المتوارث من عهد الأجداد، المتسلسل إلى زمن الآباء، المتواصل إلى عهد الأحفاد الذين تولوا حكم قطر.
وها نحن نعيش في عهد «تميم المجد»، الذي تشهد البلاد في عهده وتزدهر في عهدته، نجاحات وطنية، وإنجازات حضارية، وقفزات تنموية، في جميع المجالات الداخلية والخارجية.
وأستطيع القول ـ بثقة ـ إننا نعيش في عهد قطري «تميمي»، أساسه العطاء، وجذوره النماء، وأصله الوفاء، ومبدؤه الولاء لقائد الوطن، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى.
ووسط كل هذا الإنجاز القطري المتواصل، والنجاح الوطني المتسلسل، ها هو شعار المناسبة الوطنية السنوية، يتردد على ألسنة القطريين.
وهو الشعار المقتبس من كلمة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، التي خطَّها سموه للشباب أثناء زيارته لجامعة قطر عام 2016، المتجسد في هذه الكلمات، المتردد في هذه المفردات:
«بكم تعلو ومنكم تنتظر».
ليجسد رؤية الوطن بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار لترسيخ نهضته واستدامة عطائه.
وما من شك، في أنَّ في مضمون هذا الشعار، تكمن رسالة أميرية، قطرية، وطنية، مجتمعية، جماعية، جامعة، موجهة لكل مواطن، وكل مقيم على هذه الأرض.
هذه الرسالة الجامعة لجميع الجموع، تفيد أن خدمة قطر، مسؤولية مشتركة، بين كل من يقيمون فيها، ويتنفسون هواءها، ويستنشقون نسيمها، ويسكنون في مساكنها، وأصبحوا من سكانها، وهذا الأمر، لا يحتاج إلى تفنيد، بل يتطلب التنفيذ.
ولعل ما يفيد، في سياق هذه الرسالة، أن الوطن يعلو بسواعد أبنائه، ويرتفع شأنه بإنجازات شبابه، وهم القاعدة الراسخة لصيانة حاضره، والركيزة الأساسية لصناعة مستقبله.
وهكذا، من عام إلى آخر، تهلُّ علينا ذكرى اليوم الوطني، ومعها، وخلالها يحتفل الوطن، بمنجزاته الداخلية، ونجاحاته الخارجية.
وما من شك، في أن الثامن عشر من ديسمبر، ليس مجرد تاريخ مدون، على أوراق التقويم، ولكنه يوم من أيام التكريم، لأنه يعكس قيمة الشخصية القطرية، ويعزز قوة الهوية الوطنية.
وخلال هذا اليوم، نكرر الوعد، ونجدد العهد لقائد الوطن، «تميم المجد»، ونؤكد التزامنا بالقيم التي أرساها المؤسس، ونستذكر جهود كل حكام وأمراء وشيوخ قطر، وإسهاماتهم في بناء الدولة، وازدهارها واستقرارها واستمرارها.
ولعل ما يميز يومنا الوطني لهذا العام، أنه يشهد نهائي بطولة «كأس العرب» التي تحتضنها قطر، وشهدت مبارياتها حضوراً جماهيرياً، هو الأوسع والأكبر والأكثر، في هذه النسخة من البطولة.
ولكل هذا الامتياز الجماهيري، أستطيع القول، إن يومنا الوطني، يحتضن في داخله احتفالا قوميا، لكل العرب، تحت مظلة عاصمة الرياضة العربية.
ويزداد هذا المعنى عمقاً قومياً قوياً، أننا نترقب بكل الشغف والاهتمام، مخرجات حوار «الأقدام الذكية»، في نهائي بطولة «كأس العرب»، بين المنتخبين الشقيقين: الأردني والمغربي، الذي سيقام، مساء اليوم في استاد «لوسيل».
هناك في محيط تلك المنطقة التاريخية، التي كانت حاضرة الحواضر القطرية، في زمن مؤسس قطر.
ولأن قطر كانت في عهد المؤسس، مركزاً إقليمياً مهماً في تجارة اللؤلؤ، بحكم اهتمام «راعي العليا»، بهذه التجارة، وعلاقاته الوطيدة مع تجارها، وتعاملاته الوثيقة مع أصحابها.
أختم مقالي على أنغام موسيقى البحر، بعدما بدأت المقال على إيقاعات «العرضة».
وها هو صوت «النهام» يأتي من بعيد، من ذلك الزمن الجميل، وينساب إلى مسامعنا صادحاً، وسط محامل «النواخذة»، الراسية على شاطئ «كتارا».
هناك، ومن هناك، تصدح «النهمة» تلو الأخرى، على إيقاعات فن «لفجري».
ومن خلال ذلك، تتشكل شخصية قطر التراثية، وتتبلور قيمتها التاريخية، وتتمحور ركيزتها الجغرافية، في الامتزاج بين أمواج البحر، ورمال البر، التي تشكل هوية شبه جزيرة قطر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية. ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح. وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء. وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة. أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول. واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة. وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً. ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة. كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية. واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة. رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء. فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك. وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له). وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً. أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.
5781
| 14 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1869
| 12 يوليو 2026
هناك لحظات في تاريخ الأوطان تتجاوز حدود الزمن، لأنها ترتبط برجالٍ تركوا أثرًا عميقًا في وجدان شعوبهم، وأسهموا في صناعة مراحل جديدة من البناء والتطور. ومن بين تلك اللحظات، يأتي رحيل سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، ليحمل مشاعر الحزن والفقد في قلوب أبناء قطر، لكنه في الوقت ذاته يفتح صفحات مشرقة من سيرة قائد ترك بصمة راسخة في تاريخ الوطن، وأسهم في رسم ملامح الدولة الحديثة. ونحن أبناء هذا الوطن نستحضر اليوم سيرة قائدٍ ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ دولتنا، لا بوصفها صفحات في سجل التاريخ فحسب، بل باعتبارها مرحلة عشنا آثارها ورأينا خلالها قطر تنتقل بخطى ثابتة من مرحلة البناء المتدرج إلى مرحلة الحضور المؤثر إقليميًا ودوليًا. فقد امتلك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، رؤية بعيدة المدى جعلت من التنمية مشروعًا شاملًا يقوم على بناء الإنسان، وتعزيز المؤسسات، وترسيخ مكانة الدولة بين الأمم. لقد أدرك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، أن الثروات الطبيعية لا تصبح مصدر قوة حقيقية إلا عندما تُدار بعقلية استراتيجية تستثمرها لصالح الأجيال القادمة. ومن هذا المنطلق، شهدت دولة قطر تحولًا اقتصاديًا كبيرًا، كان من أبرز مظاهره تطوير قطاع الغاز الطبيعي المسال، الذي أصبح أحد أهم ركائز الاقتصاد الوطني، وأسهم في دعم مشاريع التنمية وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. ولم يكن الاقتصاد في تلك المرحلة هدفًا منفصلًا عن الإنسان، بل كان وسيلة لتحقيق حياة أفضل للمواطنين. فقد انعكس النمو الاقتصادي على مختلف جوانب الحياة من خلال تطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات العامة، وخلق فرص جديدة أمام أبناء الوطن، مما عزز رفاه المجتمع ورسخ الثقة بمستقبل قطر. وقد احتل بناء الإنسان مكانة مركزية في فكر سمو الأمير الوالد، رحمه الله، انطلاقًا من إيمانه بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي وطن. ولهذا حظي قطاع التعليم باهتمام كبير، وشهدت الدولة توسعًا في المؤسسات التعليمية، ودعمًا للبحث العلمي، وانفتاحًا على أفضل التجارب العالمية. كما تطور القطاع الصحي بصورة لافتة، من خلال بناء منظومة صحية حديثة تهدف إلى توفير خدمات ذات جودة عالية، بما يعكس اهتمام الدولة بصحة الإنسان وكرامته. وفي الجانب المؤسسي، شهدت قطر خلال تلك المرحلة خطوات مهمة نحو ترسيخ دعائم الدولة الحديثة. فقد جاء إقرار الدستور الدائم لدولة قطر محطة بارزة في مسيرة التطور الوطني، حيث أسهم في تعزيز العمل المؤسسي، وتنظيم العلاقة بين سلطات الدولة، وترسيخ مفهوم المسؤولية الوطنية في إدارة شؤون البلاد. أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد تمكنت قطر من بناء حضور دولي مميز قائم على الحوار والتعاون واحترام سيادة الدول. وأصبحت الدبلوماسية القطرية عنوانًا للحوار والوساطة في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، مما عزز مكانة الدولة وأثبت أن تأثير الدول لا يقاس بمساحتها الجغرافية، بل بقدرتها على المبادرة وصناعة الأثر. ومن أبرز المحطات التي جسدت نهج سمو الأمير الوالد، رحمه الله، في السياسة الخارجية، زيارته التاريخية إلى قطاع غزة في أكتوبر عام 2012، حيث كانت زيارة ذات أبعاد إنسانية وسياسية مهمة، وعكست اهتمام دولة قطر بدعم الشعب الفلسطيني والوقوف إلى جانب قضاياه الإنسانية والتنموية. وقد ارتبطت هذه الزيارة بإطلاق منحة لإعادة إعمار القطاع بلغت 400 مليون دولار، أسهمت في تنفيذ عدد من المشاريع الإسكانية والتنموية، من أبرزها مدينة الشيخ حمد السكنية، وتطوير عدد من الطرق الحيوية، إلى جانب دعم القطاع الصحي من خلال إنشاء مستشفى سمو الشيخ حمد بن خليفة للتأهيل والأطراف الصناعية. كما حملت الزيارة رسالة تؤكد أهمية دعم التنمية وتعزيز مقومات الحياة الكريمة للشعوب. كما أدرك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، أهمية الإعلام والمعرفة في تعزيز حضور الدولة وبناء قوتها الناعمة، فشهدت قطر خلال تلك المرحلة تطورًا إعلاميًا وثقافيًا لافتًا، كان من أبرز مظاهره تأسيس قناة الجزيرة عام 1996، التي أصبحت إحدى المنصات الإعلامية العربية المؤثرة، وأسهمت في تعزيز حضور قطر على الساحة الإعلامية الدولية. كما واصلت الدولة اهتمامها بالمجالات الثقافية والتعليمية والمعرفية، بما يعكس رؤية شاملة للتنمية تجمع بين الإنسان والعلم والهوية. ومن التحولات التاريخية المهمة في مسيرة سمو الأمير الوالد، رحمه الله، تسليم مقاليد الحكم عام 2013 إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطوة عكست رؤية تقوم على استمرارية الدولة وتجدد القيادة. وقد مثل هذا الانتقال لحظة مهمة في تاريخ قطر السياسي، إذ أكد أن بناء الوطن مشروع مؤسسي تتواصل فيه الأجيال، وأن مسيرة التنمية تستند إلى مؤسسات قوية ونهج واضح للمستقبل. ولم تتوقف مسيرة التنمية عند هذه المحطة، بل واصلت الدولة طريقها نحو تحقيق المزيد من الإنجازات، وكان من أبرزها استضافة بطولة كأس العالم 2022، التي شكلت علامة فارقة في تاريخ قطر والمنطقة. فقد عكست هذه الاستضافة مستوى التطور الذي وصلت إليه الدولة في مجالات البنية التحتية والتنظيم والقدرة على استضافة أكبر الأحداث العالمية، كما قدمت صورة مشرقة عن المجتمع القطري وثقافته وقيمه. وعندما نتحدث عن أثر هذه المسيرة على المواطن القطري، فإننا لا نتحدث فقط عن مشاريع اقتصادية، بل عن واقع عاشه المواطن في تفاصيل حياته اليومية. فالتطور الذي شهدته الدولة انعكس على التعليم والصحة والخدمات، وأسهم في تعزيز شعور المواطن بالأمن والاستقرار والفخر بما تحقق لوطنه. وأرى أن أهم ما يميز هذه المسيرة التنموية هو قرب أثرها من المواطن، إذ أصبحت نتائجها واضحة في حياته اليومية وفي البيئة التي يعيش فيها، مما عزز شعوره بالانتماء والثقة بمستقبل وطنه. إن القادة الحقيقيين لا يُقاس أثرهم فقط بما ينجزونه خلال فترة مسؤوليتهم، وإنما بما يتركونه من أسس تستمر بعد رحيلهم. وسيبقى اسم سمو الأمير الوالد، رحمه الله، حاضرًا في تاريخ قطر وذاكرة أبنائها، بما حملته مسيرته من رؤية وإنجازات أسهمت في بناء الدولة الحديثة وتعزيز حضورها في العالم. وسيظل رحيل سمو الأمير الوالد، رحمه الله، محطة حزن في وجدان القطريين، لكنه سيبقى أيضًا مناسبة لاستحضار مسيرة قائد لم يترك وراءه إنجازات ومؤسسات فقط، بل ترك شعورًا راسخًا لدى أبناء وطنه بأن البناء الحقيقي هو ما يستمر أثره عبر الأجيال. فالأوطان لا تحفظ أسماء قادتها بما حققوه من مشاريع فحسب، بل بما زرعوه من ثقة وأمل في نفوس أبنائها، وستبقى مسيرة سمو الأمير الوالد، رحمه الله، جزءًا من ذاكرة قطر، وشاهدًا على مرحلة صنعت الكثير من ملامح حاضرها ومستقبلها.
1344
| 18 يوليو 2026