رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هنا.. يرفرف العلم «الأدعم» خفاقاً، فوق سطور مقالي، ويخفق عالياً فوق جميع السواري، على إيقاعات «العرضة»، وأهازيجها الوطنية، وأناشيدها الحماسية، وكلماتها التراثية، وقوافيها الشعرية، المستمدة من قصائد شعراء قطر، الفائضة بالعز، والنابضة بالفخر.
هنا في سماء الوطن، ترتفع رايات الوطن، فوق البيوت، وترفرف داخل القلوب، وينساب عبق «العود»، ويفوح في مختلف الأرجاء، وينتشر في كامل الأجواء، احتفالاً بالمناسبة الوطنية.
إنه «الثامن عشر» من ديسمبر، وهو يوم الوطن، ومؤسس الوطن، وقائد الوطن، وباني الوطن.
وهو اليوم الخالد في ذاكرتنا، والراسخ في ذكرياتنا، لما يحمله من دلالات عميقة، ومعانٍ عريقة، وروابط وثيقة، تؤكد وحدة القطريين جميعاً، قيادة وشعباً.
ويجسد العلاقة الأزلية، والشراكة الأبدية، بين مكونات شعبنا القطري، في المصير والمسير.
وفي هذا المسار، لا جدال أن موجات الفخر، التي تسير في دواخلنا، وتتدفق في شراييننا، وتتشكل في جيناتنا، وتتحرك في أعماقنا، تنبع من تاريخ قطري عريق، وسجل وطني وثيق، يفيض بالفخر، ويمتلئ بالمعاني، صنعه في قطر، قائد حكيم، وهو حاكم حليم، وفارس عظيم، له الفضل- كل الفضل- في تأسيس دولتنا قطر، وترسيخ كيانها، وتثبيت مكانها، وتعظيم إنسانها، وإعلاء بنيانها، ورفعة شأنها، بين الأمم.
والبداية كانت هناك...
بل كانت من هناك، في «فويرط»، التي تستلقي، في ذلك الموقع الساحلي القطري، الواقع شمالاً، على ساحل البحر، الذي شهد مولد مؤسس الدولة، الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، في حدود عام 1827م.
ومنذ ذلك التاريخ، شبّ «الشيخ المؤسس» على حب قطر، والدفاع عن مقدراتها، وصيانة حدودها، والحفاظ على حقوقها والبحث عن مصالحها، بعدما تولى مقاليد الحكم رسمياً، خلفاً لوالده، في الثامن عشر من ديسمبر عام 1878، مؤكداً حرصه على استقلالية هيكلها السياسي، والتزامه بتأكيد نهجها السيادي.
وفي سياق ذلك النهج، والالتزام بتثبيت ذلك المنهج، انتقل من «الضعاين»، إلى هناك في «الوجبة» غرباً، التي شهدت الموقعة الواجبة، لإثبات السيادة، حيث دارت المعركة المصيرية الفاصلة، ضد العثمانيين، في الخامس والعشرين من مارس عام 1893، وانتهت بانتصار القطريين.
وأدت المعركة، إلى انفصال قطر سياسياً عن الدولة العثمانية، بقوة السيف القطري، وعزل الوالي العثماني محمد حافظ باشا، الذي كان يتولى منصب والي البصرة، وجاء إلى قطر في حملة عسكرية، لإخضاعها، لكنه خضع لإرادة شعبها، المتلاحم حول قائده المؤسس.
ومن «الوجبة»، التي شهدت وتشهد على شجاعة المؤسس، نصل إلى «لوسيل»، وما أدراك ماذا تعني «لوسيل» في تاريخ قطر؟.. بعدما زرع فيها المؤسس، بذرة الدولة الفتية، والإمارة الغنية، التي أثبتت قدرتها على مواجهة التحديات الجيوسياسية، في خضم منطقة كانت تعاني من الاضطرابات السياسية، والصراعات الأيدلوجية، على النفوذ والمصالح بين العثمانيين، والبريطانيين.
ووسط كل هذا، كانت «لوسيل» حاضرة الحواضر في زمانها، وأكثر المناطق أماناً، وهذا جعل قطر أكثر ازدهاراً، بعدما تجاوزت مرحلة الثرى، والوصول إلى آفاق الثريا، خصوصاً بعدما أنعم الله عليها بالثراء، نتيجة شهرتها في تجارة «اللؤلؤ»، التي كانت من الإستراتيجيات الاقتصادية، في سياسات «المؤسس».
ومن خلالها حقق موارد مالية، من هذه التجارة، مكّنته من تحويل دولتها الزاهرة، في عصره، المزدهرة، في عهده، وجعلها من أغنى الحواضر في المنطقة.
وهذا أدى إلى تحسين ظروف المكان، وساهم في زيادة عدد السكان، والتوسع في العمران، وأدى إلى شهرة الكيان، كنتيجة طبيعية لقوة البنيان القطري، الذي استمد مكانته في المنطقة، من وقوف قطر مع الحق، ودفاعها عن المظلوم، وحرصها على نصرة المضيوم.
ومثلما تفخر قطر بسيرة قائدها، ومسيرة مؤسسها، تفخر «لوسيل» بأن ترابها يحتضن رفاته، بعد رحيله عن عالمنا في 17 يوليو عام 1913م.
ومن ذلك الموقع، إلى هذا الواقع القطري، حافظ الأبناء على مصالح الوطن، وأكدوا حرصهم على تعزيز الموروث الوطني الأصيل، المتوارث من عهد الأجداد، المتسلسل إلى زمن الآباء، المتواصل إلى عهد الأحفاد الذين تولوا حكم قطر.
وها نحن نعيش في عهد «تميم المجد»، الذي تشهد البلاد في عهده وتزدهر في عهدته، نجاحات وطنية، وإنجازات حضارية، وقفزات تنموية، في جميع المجالات الداخلية والخارجية.
وأستطيع القول ـ بثقة ـ إننا نعيش في عهد قطري «تميمي»، أساسه العطاء، وجذوره النماء، وأصله الوفاء، ومبدؤه الولاء لقائد الوطن، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى.
ووسط كل هذا الإنجاز القطري المتواصل، والنجاح الوطني المتسلسل، ها هو شعار المناسبة الوطنية السنوية، يتردد على ألسنة القطريين.
وهو الشعار المقتبس من كلمة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، التي خطَّها سموه للشباب أثناء زيارته لجامعة قطر عام 2016، المتجسد في هذه الكلمات، المتردد في هذه المفردات:
«بكم تعلو ومنكم تنتظر».
ليجسد رؤية الوطن بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار لترسيخ نهضته واستدامة عطائه.
وما من شك، في أنَّ في مضمون هذا الشعار، تكمن رسالة أميرية، قطرية، وطنية، مجتمعية، جماعية، جامعة، موجهة لكل مواطن، وكل مقيم على هذه الأرض.
هذه الرسالة الجامعة لجميع الجموع، تفيد أن خدمة قطر، مسؤولية مشتركة، بين كل من يقيمون فيها، ويتنفسون هواءها، ويستنشقون نسيمها، ويسكنون في مساكنها، وأصبحوا من سكانها، وهذا الأمر، لا يحتاج إلى تفنيد، بل يتطلب التنفيذ.
ولعل ما يفيد، في سياق هذه الرسالة، أن الوطن يعلو بسواعد أبنائه، ويرتفع شأنه بإنجازات شبابه، وهم القاعدة الراسخة لصيانة حاضره، والركيزة الأساسية لصناعة مستقبله.
وهكذا، من عام إلى آخر، تهلُّ علينا ذكرى اليوم الوطني، ومعها، وخلالها يحتفل الوطن، بمنجزاته الداخلية، ونجاحاته الخارجية.
وما من شك، في أن الثامن عشر من ديسمبر، ليس مجرد تاريخ مدون، على أوراق التقويم، ولكنه يوم من أيام التكريم، لأنه يعكس قيمة الشخصية القطرية، ويعزز قوة الهوية الوطنية.
وخلال هذا اليوم، نكرر الوعد، ونجدد العهد لقائد الوطن، «تميم المجد»، ونؤكد التزامنا بالقيم التي أرساها المؤسس، ونستذكر جهود كل حكام وأمراء وشيوخ قطر، وإسهاماتهم في بناء الدولة، وازدهارها واستقرارها واستمرارها.
ولعل ما يميز يومنا الوطني لهذا العام، أنه يشهد نهائي بطولة «كأس العرب» التي تحتضنها قطر، وشهدت مبارياتها حضوراً جماهيرياً، هو الأوسع والأكبر والأكثر، في هذه النسخة من البطولة.
ولكل هذا الامتياز الجماهيري، أستطيع القول، إن يومنا الوطني، يحتضن في داخله احتفالا قوميا، لكل العرب، تحت مظلة عاصمة الرياضة العربية.
ويزداد هذا المعنى عمقاً قومياً قوياً، أننا نترقب بكل الشغف والاهتمام، مخرجات حوار «الأقدام الذكية»، في نهائي بطولة «كأس العرب»، بين المنتخبين الشقيقين: الأردني والمغربي، الذي سيقام، مساء اليوم في استاد «لوسيل».
هناك في محيط تلك المنطقة التاريخية، التي كانت حاضرة الحواضر القطرية، في زمن مؤسس قطر.
ولأن قطر كانت في عهد المؤسس، مركزاً إقليمياً مهماً في تجارة اللؤلؤ، بحكم اهتمام «راعي العليا»، بهذه التجارة، وعلاقاته الوطيدة مع تجارها، وتعاملاته الوثيقة مع أصحابها.
أختم مقالي على أنغام موسيقى البحر، بعدما بدأت المقال على إيقاعات «العرضة».
وها هو صوت «النهام» يأتي من بعيد، من ذلك الزمن الجميل، وينساب إلى مسامعنا صادحاً، وسط محامل «النواخذة»، الراسية على شاطئ «كتارا».
هناك، ومن هناك، تصدح «النهمة» تلو الأخرى، على إيقاعات فن «لفجري».
ومن خلال ذلك، تتشكل شخصية قطر التراثية، وتتبلور قيمتها التاريخية، وتتمحور ركيزتها الجغرافية، في الامتزاج بين أمواج البحر، ورمال البر، التي تشكل هوية شبه جزيرة قطر.
خطب مكررة... وقضايا تنتظر المنبر
أصبحت خطب الجمعة في كثير من الأحيان متشابهة إلى درجة أنك تكاد تتوقع موضوع الخطبة القادمة قبل أن... اقرأ المزيد
189
| 19 فبراير 2026
التكلفة الخفية للإدارة داخل المؤسسات
قد تبدو المؤسسة ناجحة على الورق، أرقام مستقرة ومشاريع مستمرة، لكن ما لا يُرى أحيانًا هو ما يُنهكها... اقرأ المزيد
105
| 19 فبراير 2026
لماذا المناطق الحرة القطرية؟
أقر قانون المناطق الحرة الاستثمارية ٢٠٠٥/ ٣٤ للشركات والكيانات التي تسجل أنشطتها تحت إشراف هيئة المناطق الحرة؛ العديد... اقرأ المزيد
129
| 19 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6468
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1965
| 12 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
960
| 16 فبراير 2026