رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- قطر نظمت فأبدعت.. واستضافت فأبهرت
- «كأس العرب» كانت بطولة منسية جعلتها قطر تنافسية
- الدوحة حققت ما تعجز «الجامعة العربية» عن تحقيقه بكل مؤسساتها
- الشغف الرياضي كان حاضراً خلال الاستضافة القطرية بكل استفاضة
كغمضة عين، مر أسبوع كامل، على ختام بطولة «كأس العرب»، التي استضافتها قطر في ملاعبها، ونظمت فعالياتها المصاحبة في ساحاتها، واحتضنتها في قلوب أهلها، والتزمت خلال مبارياتها وسائر أحداثها، بكل تقاليد الضيافة القطرية، وكل معايير الاستضافة الرياضية.
لقد مر الأسبوع، كلمح البصر، وما زالت أصداء النجاح الهائل، والتنظيم المذهل، الذي حققته قطر، تتواصل في عالمنا العربي، وفي وسائل الإعلام الدولي، وفي وسائط التواصل الاجتماعي.
ومرة أخرى، وليست أخيرة، أثبتت قطر مجدداً قدراتها التنظيمية الهائلة، وإمكاناتها الإدارية الماثلة، في مجال استضافة البطولات، وتنظيم الفعاليات، وفق أعلى الدرجات، وأرقى المعدلات، وأفضل المعايير المعتمدة عالمياً، على جميع المستويات.
وفي هذا السياق، ومن خلال رصد هذا السباق الحضاري، تعجز الكلمات، وتتعطل العبارات وتفشل المفردات، عن وصف النجاح المبهر، الذي حققته قطر، خلال استضافتها الباهرة، لبطولة «كأس العرب» التي أسدل الستار، على مبارياتها وانتهت فعالياتها، يوم الخميس الماضي، وتوج منتخب المغرب ببطولتها، وفاز بكأسها، بعد فوزه المثير على نظيره الأردني بنتيجة2/3.
وبعيداً عن المجاملة، استطيع القول بلا مجادلة، إنه لم تحقق دولة، في الشرق والغرب، نجاحاً تنظيمياً لافتاً، كالذي حققته قطر، بشهادة جميع المتابعين وبآراء كل المراقبين، وتحليل كل الصحفيين، وتعليق جميع الإعلاميين، وإشادة الحاضرين من المسؤولين والمشجعين، بالتنظيم القطري المتقن، لبطولة «كأس العرب».
وقبل أن تتبناها قطر، وتضخ فيها روحاً جديدة، كانت هذه البطولة، نسياً منسيا، لا أحد يلتفت إليها، ولا جمهور يتابعها، ولا وسائل إعلام تحرص على متابعتها!
ولا «الفيفا» يعترف بها، وهو الاتحاد الدولي، المعني بنشر كرة القدم، وتطويرها، وتوسيع بطولاتها، وزيادة جمهورها.
لكن قطر، كان لها رأي آخر، ولهذا حرصت على استضافتها، وانتزاع الاعتراف الدولي بها، وانطلاقاً من حرصها، على إسعاد الشعوب العربية، وتوحيدهم تحت مظلة اللعبة الشعبية الأولى،
ولتحقيق هذا الهدف القومي، فعلت قطر، ما تعجز جامعة الدول العربية على فعله، بكل مؤسساتها، ومؤتمراتها، وبياناتها!
و«أمينها العام»، الذي اكتفى بتهنئة المنتخب الفائز، والدولة المنظمة، في تغريدة «مقتضبة»، عبر حسابه في منصة «إكس»، وكأنه دوّنها من «غير نفس»!
وربما يكون مشغولاً، بإصدار بيان «صميدعي»، يثير الرعب، في أوصال حكومة نتنياهو، ويجعلها تفكر في وقف مشاريع الاستيطان، في الضفة الغربية، بعد إعلان المجلس الوزاري الصهيوني عن بناء (19) مستوطنة جديدة.
وقد يكون «منهمكاً»، بإعداد «تغريدة»، تدين ما أصبح» منتهكا»، في الأراضي الفلسطينية المحتلة!
وبعيداً عن «جامعة العرب»، قدمت قطر نموذجاً عالمياً، عالي الجودة، في التنظيم الرياضي، خلال استضافتها لبطولة «كأس العرب».
ولا عجب، أن يكون الشغف الرياضي، حاضراً في هذه الاستضافة، بكل استفاضة، في جميع الملاعب، والمباريات، والمدرجات، التي كانت نابضة «بالهدير الجماهيري» المشحون بالهتافات.
وبعدما كانت «كأس العرب»، بطولة هامشية منسية، أصبحت تنافسية، تحظى بالمتابعة الجماهيرية، والتغطية الإعلامية، غير العادية.
وهذا يؤكد، أنها ليست بطولة عابرة، لكنها شكلت في أحداثها الغائرة، رسالة محبة قطرية، موجهة إلى أمتنا العربية بكل شعوبها، وشعابها، وشبابها، وشيّابها.
لقد أعادت قطر الاعتبار، لبطولة «كأس العرب»، بكل كفاءة واقتدار، وساهمت في إحيائها بكل عزيمة وإصرار.
ومنذ ركلة البداية، شهدت البطولة حضوراً جماهيرياً، هو الأكبر والأكثر والأوسع في تاريخها.
ويكفي أن المباراة النهائية، حضرها (84.517) مشجعا، رغم غزارة هطول الأمطار، في مختلف النواحي والديار، ومعظم المناطق، في دول الجوار، التي أغرقت الحواضر، وأفاضت بالكثير من الأسرار، وسببت العديد من الأضرار.
وبهذا الرقم الجماهيري، وصل إجمالي حضور البطولة (1.203.832) وهو رقم قياسي، غير مسبوق في تاريخ البطولة، يعكس المزاج الرياضي الإيجابي، السائد في أوساط المشجعين.
رغم حالة الاحتقان السياسي، الذي تعيشه المنطقة نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على حواضر وخواصر المنطقة.
وأجزم، ولا أزعم، أن هذا الحضور الجماهيري، والنجاح التنظيمي، يؤكد حقيقة أن قطر قدمت نسخة استثنائية، غير مسبوقة من نوعها، سواء داخل الملاعب، أو خارجها، وجميع مخارجها، ومخرجاتها.
وستبقى مباراتها النهائية، نموذجاً على الإثارة الخلاقة، وخصوصاً بعدما تسببت، في ارتفاع منسوب «الأدرينالين» في شرايين المشجعين، نتيجة لأحداثها المثيرة، وتقلباتها الكثيرة!
وهذا أدى، إلى تصاعد حالات الكر والفر، في أنفاس المتابعين، بسبب زيادة ذلك الهرمون الحيوي، الذي يقوم الجسم البشري، بإفرازه تلقائياً، في حالات التوتر والترقب، والقلق، والإثارة،
مما يؤدي إلى زيادة معدلات ضربات القلب، وتسارعها، نتيجة الضغط النفسي والعصبي، والتقلب بين التفاعل الإيجابي والانفعال السلبي.
وكانت بداية الحالة «الأدرينالينية»، بسبب الهدف المبكر والمباغت، الذي أحرزه اللاعب المغربي «أسامة طنان»، من كرة «فرط صوتية»، سددها من منتصف الملعب، ولم ترصدها رادارات الدفاع الأردني، استقرت في مرمى الحارس «يزيد أبو ليلى»، الذي لم يكن في ليلته!
ونتيجة لقوة التسديدة المذهلة، ظل الهدف «الطناني»، في المرمى الأردني، «يطنطن»، طيلة الشوط الأول!
ومع انطلاق الشوط الثاني، كان اللاعب «علي علوان»، يخطط لتغيير موازين المباراة، عندما ارتقى عالياً، وحول كرة رأسية، بقوة وعنفوان، دخل مرمى المغرب محرزاً هدف التعادل، وكأنه يعرف الإحداثيات، والمكان والعنوان.
والمثير أن «رأسية علوان»، أعادت تذكيرنا، بالمسلسل الأردني الشهير «راس غليص»، الذي تقوم أحداثه على الإثارة، والرغبة في الانتقام.
ثم أضاف الهدف الثاني، من ضربة جزاء، ليثبت أن الجزاء من جنس العمل، وأن من يخلص في عمله، ويعمل من أجل وطنه، له الجزاء الأكبر.
لكن هذا المبدأ، تحول للطرف الأخير، وهو منتخب المغرب، الذي نجح في تحقيق التعادل، عن طريق لاعبه القناص «حمدالله»، في الوقت الذي كانت فيه المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة، في وقتها الأصلي.
وكان خلالها الجمهور الأردني، يستعد لتوزيع «الكنافة»، احتفالاً بالانتصار، وكان يغني:
«بالله تصبو هالقهوة وزيدوها هيل».
«واسقوها للنشامى على ظهور الخيل».
وبمهارة الخيال العربي، ورشاقة الفارس «الأمازيغي»، أحرز «حمد الله» هدفه الثاني، خلال الشوط الإضافي، لتضج المدرجات المغربية، بالهتاف الجماهيري، وتهتف بعبارة:
«الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله».
«ديما المغرب»، «ديما المغرب»، يا «حمد الله».
احتفالاً بالفوز، الذي أشرق من الشرق، في ملعب «لوسيل»، هنا في قطر، على المغرب.
هكذا دارت أحداث المباراة النهائية، في كأس العرب، وكأنها فيلم هندي، بطولة «أميتاب باتشان»، بعدما اختلطت فيها الأحداث، وكأنها خليط من «الماسالا»، يمتزج فيها الفرح والحزن، والتوتر والتشويق، والإثارة والتشجيع، والدموع والبكاء، والرقص والغناء.
وهكذا أثبتت قطر، خلال استضافتها الناجحة لبطولة «كأس العرب»، أن الرياضة بمفهومها العام، وكرة القدم بشكل خاص، ليست مجرد لعبة تركل بالأقدام، لكنها أصبحت جزءاً أصيلاً من ركائز الرؤية الوطنية الاستراتيجية القطرية.
وليس هذا أمر غريبا ولا يعد عجيبا بعدما استثمرت قطر فيها شبابها، وراهنت على إنسانها، وصقلت نجومهما، وصنعت كوادرها، واحتضنت بطولاتها.
وبهذا كله، فتحت قطر آفاقاً جديدة، للتنظيم الرياضي الاحترافي، الذي رسخ مكانة الدوحة على الساحة الرياضية، لتصبح عاصمة الرياضة الدولية.
ووسط كل هذا النجاح التنظيمي القطري، يقف شخص خلف الكواليس، يعمل في صمت، بعيداً عن الأضواء، يتابع التفاصيل الصغيرة والكبيرة.
وتتجسد في شخصيته، كل ملامح العطاء لوطنه، والوفاء لدولته، والولاء لقائد المسيرة.
ولأنه علم معروف، فهو لا يحتاج إلى تعريف، باعتباره رمزا وطنيا، يعمل بلا كلل ولا ملل ولا وجل، من أجل رفعة قطر.
لكن يقتضي الواجب، تعريف الجمهور، بدوره في كل النجاحات، التي تحققها قطر، في المجالات الرياضية، والتنظيمية، والإدارية، وغيرها.
إنه صانع النجاح سمو الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني، «الممثل الشخصي» لصاحب السمو أمير البلاد المفدى، الذي يقف خلف العديد من النجاحات القطرية والإنجازات الوطنية.
ولا أنسى التوقف عند، الرجل الذي أدار الملف الأمني بكفاءة واقتدار، وأشرف على أداء الأجهزة الأمنية، ذات الصلة بالحدث الرياضي العربي، وساهم في تأمين البطولة، وقادها إلى بر الأمان، بعيداً عن الحوادث المزعجة، والأحداث المفجعة، بفضل يقظة العيون الساهرة، على أمن الوطن والمواطن، والزائر، والمقيم.
وهذا تحقق، من خلال التعامل الحضاري الراقي، مع ضيوف قطر، من المسؤولين والمشجعين، في إطار الالتزام بالتنظيم المحكم، والأداء المنظم والترتيب الملزم، في سياق دبلوماسية الضبط والانضباط، التي يطبقها سعادة الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني وزير الداخلية، قائد قوة الأمن الداخلي «لخويا».
ووسط أجواء الأخوة العربية، سارت البطولة من نجاح إلى آخر، وأثبتت أن جميع العرب «أخوياء» وأحباء وأعزاء.
وهكذا، كانت بطولة «كأس العرب»، التي استضافتها قطر بنجاح، بطولة جامعة، عززت روابط المحبة ورسخت قيم المودة، ونشرت مبادئ التعايش، والإخاء وعززت قيم السلام والود بين الأشقاء.
ولكل هذا، أقولها من القلب، بكل وفاء، وأزفها بكل ولاء، إلى قائد الوطن، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وأوجهها من القلب إلى أمير الوطن، وأطلقها من القلب إلى سيد الوطن، وأسجلها من القلب إلى زعيم الوطن، وأدونها كبيرة، بحجم مساحة الوطن:
«بكم تحلو، وبجهودكم وتوجهاتكم تزدهر، وبتوجيهاتكم، قطر تزهر، وتتألق وتتفوق وتنجح وتنتصر».
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3717
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1125
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
753
| 27 أبريل 2026