رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2886
| 01 مارس 2026
لئن كان صيام رمضان فريضة دينية، إلا أن أثره يتجاوز حدود العبادة الخاصة للفرد، ليصبح فعلا اجتماعيًا له أثر بالغ في صناعة مجتمع أكثر تماسكًا وترابطًا، في ظل تسارع إيقاع الحياة وتآكل الروابط الإنسانية تحت سطوة المادة والاستهلاك والفردانية. يتحول الصيام في رمضان من مجرد فريضة إلى فعل اجتماعي عن طريق توليفة من السلوكيات والممارسات التي تتكثف في الشهر الفضيل، إذ أن الجوع في تلك الفريضة يتحول إلى لغة مشتركة توحد القلوب قبل الأجساد، ويغدو ذلك الحرمان من الطعام والشراب طاقة اجتماعية تربط هذا النسيج في المجتمع الواحد. في الصيام يظهر بُعد المساواة الإنسانية، فمن طلوع الفجر إلى غروب الشمس تتساوى بطون الأغنياء والفقراء، الأقوياء والضعفاء، كل منهم يمر بذات التجربة على مدار اليوم، ومن ثم يخلق الصيام مساحة مشتركة من المشاعر، تذكر الأغنياء بعوز المحتاجين. من خلال الطاقة الروحية التي تنبعث من الصيام، لا تبقى تلك المشاعر المشتركة مجرد إحساس عابر، بل تترجم إلى واقع عملي من العطاء، وما ذلك إلا لتلك اليقظة التي يحدثها الصيام، فتجعل صاحبها أكثر استعدادًا للإنفاق على المحتاجين وسد احتياجاتهم، فتتحول هذه الفريضة إلى فعل اجتماعي وتصبح التجربة الذاتية مسؤولية اجتماعية. وقد أجاد أمير الشعراء أحمد شوقي التحليق حول هذا المعنى بقوله عن الصيام: «حرمان مشروع وتأديب بالجوع وخشوع وخضوع، ظاهره المشقة، وباطنه الرحمة، يستثير الشفقة ويحض على الصدقة، يكسر الكبر، ويعلم الصبر، حتى إذا جاع من تعود الشبع، وحرم المترف ألوان المتع، عرف الحرمان كيف يقع، وألم الجوع إذا لذع». نتيجة لهذه المساحة الإنسانية المشتركة يصبح الفقير وجهًا حاضرًا في الوعي الجمعي لا مجرد رقم في إحصائية تعداد السكان. تتحول هذه الفريضة إلى فعل اجتماعي من خلال الاستعادة القوية لمركزية الأسرة، فتتحول مائدة الإفطار والسحور إلى لحظة يومية جامعة للشتات الذي يعتري الأسرة بسبب الانشغال في الأعمال والممارسات الحياتية المختلفة، بما يحقق الترابط بين أفراد الأسرة الواحدة، فكأنه محطة تستعيد فيها كثير من الأُسر أفرادها الشاردين. وفي هذه الأجواء لا يكون طبق الأسرة مجرد كاسر للصيام، بل طقس اجتماعي يرمم ما تصدع في النفوس خلال العام، ويطوي تلك المسافات النفسية التي تنشأ بسبب تجاذبات الحياة وصخبها المستمر، فعلى المائدة يتبادلون الأحاديث، ويتشاركون الأدعية، ويعبر كل منهم عن شعوره، وتصبح النفوس أكثر دعة وأقل استعدادا للخلاف. وفي تلك الأجواء الأسرية التي تدين للصيام بطقسها الفريد طيلة الشهر، تنفتح أمام الصغار الأبواب المبكرة لفهم معنى الانضباط والمسؤولية بالمشاركة في الصيام ولو لساعات محدودة، وتتحول الأسرة إلى حاضنة اجتماعية بمعنى الكلمة عندما تسهم في دعم وتحفيز أطفالها على الصيام الذي يمثل اختبارا هاما في ضبط النفس. ويتحول الصيام من فريضة إلى فعل اجتماعي بتلك الآثار الجمة التي تمتد إلى السلوك الأخلاقي العام، فالصيام ترويض للنفس وكبح جماحها عن الغضب، وتعزيز قيمة ضبط اللسان والجوارح عن أذى الآخرين. هذا السلوكيات الممتدة إلى السلوك الأخلاقي العام تنعكس على المناخ الاجتماعي ككل، فتنخفض حدة التوترات ويزداد الميل إلى التسامح والتغافل، في البيت أو في أماكن العمل أو في الحي، نعم لا يكون هذا التحول كاملًا ولا يأخذ صفة الاستمرارية، لكنه يصلح كمؤشر على إمكانية بناء سلوك اجتماعي قائم على الاحترام المتبادل. هذا التدريب اليومي على مدى شهر رمضان، يمنح المجتمع فرصة لإعادة تقييم الأنماط التفاعلية السائدة، وحين يكون الدافع الديني والأخلاقي متواجدًا، ينجح الأفراد في تهذيب سلوكياتهم، وتكون النتيجة النهائية بيئة اجتماعية مستقرة. وأخيرًا، الصيام لا ينحصر أثره في حدود المجتمع الواحد، فهو يتحول من فريضة إلى فعل اجتماعي عابر للحدود، إذ يخلق حالة من التضامن بين الشعوب المسلمة في زمن التغريب والعولمة، عندما يستشعر كل منهم في بقاع الأرض أن أخاه في دولة أخرى أو قارة أخرى يشاركه ذات السلوك، ولذا نرى في هذا الشهر الفضيل تدفق المساعدات التي تتخطى الحواجز الجغرافية، وتكتظ مواقع التواصل الاجتماعي بالتهنئة بمقدم هذا الشهر، يبعث بها الناس من كل حدب وصوب، ومن مختلف البقاع، لتعبر عن مفهوم أمة الجسد الواحد.
567
| 22 فبراير 2026
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6636
| 15 فبراير 2026
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
15309
| 08 فبراير 2026
على مر العصور، احتفظ الكتاب بوقاره وقدسيته، فهو أنيس الروح، ومنهل المعرفة، وأداة البناء النفسي والعقلي، والمهرب الإيجابي من ضجيج الحياة. وفي خضم صخب الحياة وإيقاعها السريع ونشاز نغماته، وفي ظل التحول الرقمي وهيمنة الشاشات ورقمنة الثقافة، استطاعت الكتب الإلكترونية فرض نفسها على الذائقة لاعتبارات عدة، من بينها الاقتناء المجاني، وسهولة الوصول والبحث، وسعة الانتشار، وهو بلا أدنى شك يتناغم مع حال المجتمعات التي تعاني أزمات اقتصادية وانخفاض الدخل الفردي، بما يعد إنقاذًا للمعرفة والثقافة من بين أنياب الفقر. كما أن التحول الرقمي والكتاب الإلكتروني يتناغم مع الحال التي وصل إليها البشر من الاندماج مع مخرجات الطفرة التكنولوجية. في ظل هذا الصخب، واجه الكتاب تحديًا شرسًا يندرج تحت الصراعات الوجودية بين القديم والحديث، وما يمكن أن يؤول إليه الصراع من إقصاء وإحلال، أو مشاركة، أو تكامل، فيتجدد السؤال مع كل نظرة مقارِنة: هل ما يزال ذلك الكائن الورقي قادرًا على الحياة؟ أم أنه يعاني نعيًا مؤجلًا كتبه عليه التحول الرقمي. على الرغم من احتدام واستمرار الجدل حول هذه القضية، إلا أنه قد اتضح لكل مراقب، أن الكتاب لا يزال متموضعًا بقوة في حياة الشعوب، وأن رائحة الحبر وحفيف الورق حاضر في وجدان الجماهير، ولا أدل على ذلك من المعارض الدولية للكتاب التي يتهافت عليها مئات الآلاف بل والملايين من القراء والكُتاب من كل حدب وصوب حتى من خارج البلد الحاضن للمعرض. وفي تقرير سابق لـ «بي بي سي عربية نيوز»، أبرزت دراسة قامت بها كلية الأعمال والاقتصاد بجامعة ماكويري بأستراليا على عينة من ألف كاتب وناشر، أن نصيب الكتب المطبوعة يأتي في الصدارة بنسبة 45%، مقارنة بـ 35% للكتب الرقمية أو الإلكترونية. وإلى الآن، يهتم كثير من الناس بتكوين مكتبات في المنازل، ويقومون بإضافة الجديد إليها كلما سنحت الفرصة، وبعضهم يقتطع من دخله مبلغا ليتمكن من شراء الكتاب كل عام. لذلك فإن الحكم على انهزام الكتاب يفتقر إلى العدالة، فالكتاب مثل الفكرة، يقاس بقدرته على البقاء وسط الصخب. إن من عوامل بقاء الكتاب في ظل صخب الرقمنة، أنه ليس مجرد وعاء معلوماتي، بل هناك علاقة حميمية بين النفس البشرية وبين ذلك الكائن، وفق طقوس عاطفية مختلفة، فهذا يحلو له أن يرافق الكتاب عند الخضرة والماء، وهذا يروق له أن يجلس في شرفته وأمامه كوب الشاي بصحبة الكتاب، وهذا اعتاد أن يتمدد قبل النوم على فراشه يطالع الكتاب فيكون آخر عهده باليقظة. الكتاب يصنع لدى القارئ حالة من الشعور بامتداد الذائقة البشرية والسلوك الثقافي البشري عبر مر العصور، فهو يتلاقى مع غيره من البشر بكل حقبة زمنية في هذا الشأن، جميعهم كانوا يقلبون أوراقًا بين دفتين طلبا للمعرفة وراحة النفس، فلا يشعر أنه منعزل عن مسار التاريخ البشري. الكتاب المطبوع يكون ملاذًا نفسيًا للإنسان الذي شئنا أم أبينا قد تضرر من ثقافة السرعة التي تدير حياته، فيأتي مشهد تفاعله مع الكتاب ليبطئ من هذه السرعة المحمومة ويعيد للنفس اتزانها. نستطيع القول إن الكتاب قد صمد أمام الرقمنة لا لأنه أقوى من التقنية، بل لأنه أعمق منها، صمد لا لأنه ينافس الشاشة في السرعة بل ينافسها في القدرة على المعنى. على الرغم من أن الرقمنة شاركت الكتاب في صدارة المشهد، إلا أنها ليست عدوًا أو خصمًا له، فقد ساعدت الكاتب والناشر بقوة على تسويق المنتج، وفكت ذلك الحصار الخانق على الكُتاب غير المعروفين، فاستطاعوا الوصول إلى الجماهير من خلال بوابة الشاشات، والتي أعطت مساحة واسعة للتداول والدعاية. إن السؤال اليوم لم يعد حول مدى صمود الكتاب أمام صخب الرقمنة، بل عن التهديدات التي تواجهها القراءة أمام سيل المحتوى السريع المختزل الذي لا يطلب من العقل سوى الانتباه العابر، وانهزام المعرفة أمام ثقافة السرعة، في ظل غياب مشاريع ثقافية حقيقية جامعة تحمي الكتاب.
444
| 01 فبراير 2026
تتكدس الأخبار وعناوين المؤتمرات الدولية والتصريحات السياسية حول اليوم التالي لغزة، من سيدير القطاع وكيف، من سيمول الإعمار، من هي الدول التي تكون لها عضوية مجلس السلام، ولماذا تتردد بعض الدول في القبول. يأتي هذا الزخم في التناول النظري لمستقبل غزة، في وقت ترتسم لحاضرها صورة بشعة، فأهل القطاع يتجمدون من البرد القارص الذي يزداد عدد ضحاياه، بينما لم تفلح خيام المساعدات في التصدي لغزو المطر العنيف والبرد العاتي. أهل غزة ينبشون مكبات القمامة بحثًا عن الورق وقطع البلاستيك معرضين أنفسهم لخطر أمراضها، بحثًا عما يصلح لأن يكون وقودًا للتدفئة، هم قطعا يصرفون تفكيرهم عما يعنيه إشعال البلاستيك وأخطاره، لكنهم يدفعون بذلك خطر الموت بردًا. وفي ظل ارتفاع الأسعار وعدم وجود ما يكفي من السلع مع دخول المساعدات الإنسانية، لا يزال الجوع يمثل تهديدًا صريحًا لحياة السكان. إذا أضفنا إلى ذلك، الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة التي تخلف وراءها في كل مرة العديد من الضحايا، فإننا نجد أنفسنا - إزاء حديث العالم عن مستقبل غزة - أمام مفارقة فادحة تكشف خللًا أخلاقيًا عميقًا في مقاربة العالم للقضية. ما فائدة التنظير والمباحثات والأخذ والرد حول مستقبل غزة، بينما يحمل الحاضر وفيات يومية بسبب أسباب الموت التي لم تدع غزة رغم توقف الحرب، كأن الحديث عن المستقبل بات وسيلة للهروب من مواجهة الحاضر، وكأن التنظير السياسي غطاء رقيق لعجزٍ أو تواطؤٍ أو لا مبالاة تجاه معاناة إنسانية جارية على مرأى ومسمع الجميع. غزة اليوم ليست سؤالًا نظريًا ولا ملفًا إداريًا مؤجلًا، بل جرح مفتوح ينزف بلا توقف، فأكثر من مليوني إنسان محاصرون في رقعة جغرافية صغيرة، يُحرمون من أبسط مقومات الحياة: الغذاء، الماء، الدواء، الأمان. الشتاء يحلّ عليهم بخيام مهترئة، وأجساد منهكة، وأطفال يرتجفون من البرد والجوع، فيما السماء لا تكف عن إنزال الموت. ومع ذلك، يصرّ جزء كبير من الخطاب الدولي على القفز فوق هذا الواقع، والانشغال بسيناريوهات ما بعد الحرب، وكأنه اكتفى بإعلان وقف الحرب دون الاكتراث لما يحدث على الأرض من انتهاكات مروعة. إن السؤال عن من يحكم غزة في ظل استمرار القتل قصفًا وبردًا وجوعًا يبدو سؤالًا عبثيًا، بل فاضحًا في توقيته. فقبل أن تُناقش أشكال الحكم، يجب أن يُحمى المحكومون، وقبل الحديث عن الإدارة، يجب إنقاذ الأرواح، وأي حديث عن الإعمار بينما تُدمّر البيوت فوق ساكنيها، هو حديث أجوف، لا يرقى إلى مستوى المأساة. الإعمار لا يبدأ بالمخططات الهندسية ولا بتقارير المانحين، بل يبدأ بوقف القصف، وضمان تدفق المساعدات بما يلزم لحماية المواطنين من خطر البرد والجوع، وإعادة الاعتبار لقيمة الإنسان الفلسطيني الذي يُعامل اليوم وكأنه رقم زائد عن الحاجة. الأخطر في هذا الخطاب المستقبلي أنه غالبًا ما يتجاهل أصل المأساة، بل ويُعيد إنتاجها، فما تعانيه غزة إنما هو بسبب احتلال طويل، وحصار خانق، وعدوان متكرر، ونظام دولي يكيل بمكيالين. القفز إلى مناقشة ترتيبات الحكم دون مراقبة تنفيذ الإسرائيليين لبنود الاتفاق، ودون محاسبة فعلية على الانتهاكات المستمرة، يعني عمليًا مكافأة المعتدي، وتحميل الضحية مسؤولية الخراب الذي فُرض عليها. العالم في انشغاله بالمستقبل، يتناسى أن الحاضر هو الامتحان الحقيقي، ما قيمة كل الخطط إذا كان الأطفال يموتون من الجوع؟ ما جدوى النقاشات القانونية والسياسية إذا كانت المستشفيات تُقصف، والطواقم الطبية تُستهدف، والصحفيون يُقتلون، دون رادع؟ إن الصمت الدولي، أو الاكتفاء ببيانات القلق، لم يعد مجرد فشل أخلاقي، بل أصبح شراكة غير مباشرة في الجريمة. تحويل غزة إلى ساحة تُجرَّب فيها الحلول، دون معالجة جذور الأزمة وعواملها، هو استمرار لنفس المنطق الذي أوصلها إلى هذا الجحيم. المطلوب ليس إدارة الأزمة فحسب، بل إنهاؤها، ليس تحسين شروط الحياة تحت القصف فحسب، بل وقف القصف، ليس البحث عن وكلاء حكم جدد فحسب، بل ضمان حقوق ثابتة لا تخضع للمساومة. الانشغال بمستقبل غزة دون إنقاذ حاضرها خيار أخلاقي خطير، خيار يقول للغزيين: موتكم مؤسف، لكنه ثمن جانبي لمعادلات أكبر، وهذا في جوهره نزع للإنسانية وهروب من مواجهة واقع غزة الأليم بالقفز إلى الحديث عن مستقبلها.
444
| 25 يناير 2026
لم تكن رحلة الإسراء والمعراج مجرد حادثة مُعجزة تروى من أجل استثارة العجب، وإنما هي بيان إلهي يُتلى على الوجود، ودرس خالد في فلسفة المكان ومعنى الرسالة وسر اتصال الأرض بالسماء. انطلاقًا من الإيمان بالقدرة الإلهية المطلقة وحقيقة أن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فإنه لو شاء لرفع نبيه صلى الله عليه وسلم من مكانه بمكة إلى السماوات العلا دون أن يعبر المسافات والجغرافيا أو يمر بالمسجد الأقصى، لكنها الحكمة الإلهية التي تصنع للشيء معنى وهداية. إن هذه الأمة لا تُبنى بالمعجزات وحدها، بل بالمعاني التي تستقر في المكان وتُنقش بها الذاكرة، فتتحول إلى هوية لا تُمحى عبر الزمن. بدأت هذه الرحلة من ذلك الموضع الذي وقف فيه الإنسان متجردًا بتوحيده الخالص لله رب العالمين، عندما وُضع للناس ذلك البيت العتيق الذي لم يكن حجارة تُقدس، وإنما معانٍ إيمانية تشربها القلوب، إذ الوجهة لله بالتوحيد الخالص الذي هو امتداد للفطرة التي فطر الله الناس عليها، فكأن هذا المكان ينطق دلالةً بأنه من لم يكن توحيد الله مبدأه فلا معراجَ له، ولا قبول به، إذ هو الحق الصراح الذي يفرض نفسه مهما تفرقت بالإنسان السُبل، ومهما طغت المادية في حياة البشر. يصل النبي صلى الله عليه وسلم في رحلته إلى المسجد الأقصى، ليس لقربه أو بعده، وإنما لثقل معناه وعمقه التاريخي واتصاله بسلسلة النبوات. ينطق هذا المكان دلالةً، بأنه اجتماع لتاريخ النبوة من أوله إلى آخره بساحة واحدة، كأن هذا المكان قد ابتعث في البشرية حقيقة راسخة غابت عن أكثر العقول، وهي الأصل الواحد للشرائع السماوية، أصل توحيد الله تعالى، فكلها في أصلها قد جاءت بالحق، ولا تُسأل عن إهمال أتباعها لها وعدم قيامهم بحقها وعدم حفاظهم عليها. وإنها لحقيقة نزل فيها قرآن يتلى إلى قيام الساعة، حقيقة العقيدة التي لا تصلح إلا بالإيمان بهؤلاء الأطهار جميعًا (لا نفرق بين أحد من رسله). وفي إمامة النبي محمد لإخوانه الأنبياء، إعلان لا يخطئه فهْم من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أن هذه الرسالة التي جاء بها خاتم الأنبياء قد جاءت لتصل لا لتقطع، جاءت لتتم لا لتلغي، جاءت لتصحح لا لتستأصِل. ينطق ذلك المكان دلالةً، بأن هذه الريادة لتلك البقعة، قد صارت في عهدةِ هذا النبي الخاتم ومن سار على دربه، ليس عن اختيار بشري، وإنما عن كلمة عليا لمن له الخلق والأمر. المكان في فلسفة الإسلام ليس مجرد بقعة جغرافية، وليس فراغًا يُملأ بالأحداث التي يذهب ذكرها أدراج الرياح، إنما ذاكرة يطالعها المؤمن جيلًا بعد جيل، ولو كان المكان بلا وزن في ميزان الإيمان لما ارتبطت الصلاة بقبلة. لم تكن الرحلة من المسجد الحرام إلى الأقصى تفصيلًا عارضًا، بل كانت جوهرًا ومعنى متغلغلًا، فمن أسقط الأقصى من حساباته فقد أساء قراءة سورة الإسراء وإن حفظها عن ظهر قلب. تأتي هذه الذكرى العطرة كل عام كناقوس ينعش الذاكرة الإيمانية، ويسعف قضية القدس في ضمير الأمة، تلك البقعة التي يراد لها أن تختزل في نشرة أخبار، أو تحبس في توصيف سياسي بارد، تأكيدًا على حقيقة أن الأقصى قد دخل وعينا من باب السماء لا من باب التاريخ. القدس ليست مجرد أرض، بل معنى مقيم، ليست مسألة حدود، بل قضية هوية، ومن توهم أن الدفاع عنها شأن ظرفي أو قومي، فقد جردها من قدسيتها. ربما لو عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى السماء مباشرة لبقيت القدس على هامش الوعي، ولما صارت عقيدة، لكن أبى الله إلا أن يكون المرور بهذه الأرض لتصبح مسؤولية لا تنفصل عن الهوية. كذا نطقت السماء دلالةً، بأن الالتجاء إليها ليس هروبًا وبعدًا عن الواقع، وإنما التماس للزاد من أجل العودة لإصلاح الأرض، لم يقض النبي بقية عمره في رحاب سدرة المنتهى، إنما عاد إلى الأرض بهم جديد وعزم جديد ويقين جديد، وتلك إشارة لبيان حقيقة هذا الدين، ليس دينا انسحابيًا يترك الأرض للفساد والمفسدين، وإنما هو دين إعمار للأرض بالحق وللحق.
465
| 18 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة القدم أن نرى العدسات تتجه إلى مواقع المشاهدين في المدرجات، تسلط الضوء على الوافدين من كل حدب وصوب بكل تقاليدهم في الملبس والهيئة والسلوك. لكن أتت النسخة الحالية من كأس أمم أفريقيا والمقامة في المغرب، لتكشف عن حالة جديدة فريدة خطفت الأضواء، وأصبحت محط أنظار وسائل الإعلام العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي. ففي جميع المباريات التي كان أحد طرفيها فريق الكونغو، كان أحد مشجعي هذا الفريق يقف طيلة وقت المباريات كتمثال جامد بلا حراك، بجسد مشدود ويد يرفعها أمامه كمن يلقي التحية، دون أن يهتف، ودون أن يتكلم، ودون أن يصفق، فقط هي تلك الهيئة الجامدة. لم يكن هذا التمثال البشري يثير الدهشة والانتباه فقط بهيئته، بل بالشخص الذي اتخذ هيئته، فقد كان يجسد بهذه الوضعية تمثالا للزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية عقب الاستقلال عام 1960م. «كوكا مبولادينغا»، هو اسم ذلك المشجع الكونغولي الذي تقمص هيئة الزعيم الاستقلالي لومومبا، وخطف أنظار الجماهير وعدسات التصوير، ليتحول إلى أيقونة وطنية تعبر عن رموز بلده وربط تاريخها بحاضرها، واستدعى رمزية الاستقلال ممثلًا في شخصية ذلك الزعيم الذي قاد الحركة الوطنية الكونغولية ولعب دورًا محوريًا في استقلال الكونغو بعد أن كانت مستعمرة بلجيكية، وعُرف بخطبه ومقالاته النارية التي شرح خلالها للأوساط المحلية والإقليمية والدولية جرائم البلجيك ضد الشعب الكونغولي وتورطهم في تهريب ثروات البلاد، وخاض مظاهرات شعبية ومواجهات ضد الاحتلال، وتعرض للسجن، إلى أن استقلت بلاده وشغل منصب رئيس الوزراء، إلى أن قام الانقلاب العسكري الذي أدى إلى اعتقاله وتعذيبه وإعدامه بعد عام واحد من الاستقلال. لم يختر المشجع مبولادينغا رفع العلم أو دهن وجهه بألوانه، أو أداء رقصة شعبية كونغولية، أو أي من هذه المظاهر المعتادة لتمثيل بلاده، بل اختار ذلك السكون والجمود على مدى 438 دقيقة، هي زمن المباريات التي خاضها فريقه. كان مشهدًا مؤثرًا لكل من طالعه، ولم يتوقف هذا التأثير عند حد الإعجاب بالرجل، ولكن تعداه إلى ما هو أبعد بكثير من ذلك، إذ إنه أقام جسرًا ممتدًا للتعريف ببلاده ورموزها، فقد تدفق اللجوء إلى محركات البحث عن الكونغو واستقلالها وزعيمها، فنقل رجل واحد – بذلك السلوك- وطنه إلى حيز الاهتمام العالمي، وعرّف ببلاده بشكل أقوى وأسرع وأكثر كثافة من كل ما يكتب عن الكونغو وتاريخها وحاضرها ورموزها. لقد اتضح لي من البحث أن هذا الرجل يسير على نفس النهج من التشجيع بهذه الهيئة، منذ قرابة اثني عشر عاما، بما يعني أن الرجل صاحب قضية، وصاحب رسالة وحس وطني، ويحمل بين جنباته حب وطنه وقضاياه، يرغب في أن يتعرف العالم على تاريخ بلاده المنسية ورموزها، بما ينفي عنه تهمة السعي وراء (التريندات). لقد صار الرجل أبرز رموز كأس الأمم بالمغرب، وأصبح أيقونة وطنية معبرة عن الكونغو، ما جعله محل اهتمام رسمي قوي، فقد التقط رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي صورة تذكارية معه خلال مباراة الجزائر والكونغو، وقام وزير الرياضة الكونغولي بتكريمه لتشريفه بلاده وتمثيلها خير تمثيل، وأهداه عربة دفع رباعي «جيب»، وأهداه الاتحاد الجزائري لكرة القدم قمصان المنتخب الجزائري بعدما أبكاه خروج منتخب بلاده أمام الجزائر، ووجهت اللجنة المنظمة للبطولة دعوة رسمية له لحضور المباراة النهائية، إضافة إلى أنه كان لا يستطيع أن يخرج من غرفة فندقه بسبب تدافع الناس لالتقاط الصور معه والتحدث إليه. المشجع الكونغولي الذي أحيا قصة الاستقلال، كان بصمته وجموده يؤدي طقسًا وطنيًا ويجسد شكلا من أشكال الانتماء للوطن، وغدا كجندي يحرس ذاكرة بلاده وشاهد على تاريخ يجمع بين الألم والأمل. أمثال هذا الرجل هم القوة الناعمة الحقيقية لأي دولة، أولئك هم السفراء الذين يجسدون معاني الوطنية والاعتزاز بالوطن والدعاية له والتعريف به وشرح قضاياه. إننا مطالبون كذلك كلما تخطينا حدود بلادنا أن نكون سفراء لها، ندرك أننا في أسفارنا نرسم الصورة الذهنية للآخرين عن بلادنا، فالفرد هو جزء من مجتمعه، من وطنه، سوف ينقل ثقافته وقضاياه إلى الشعوب لا بالشعارات والأغاني، إنما بالسلوك والقيم.
948
| 11 يناير 2026
عندما نزلت جيوش الروم في اليرموك وأرسل الصحابة إلى الخليفة أبي بكر طلبًا للمدد، أرسل إلى خالد بن الوليد في العراق وأمره أن يستنيب عليها ويرجع إلى الشام لقيادة الجيش، فخرج خالد بجيش صغير سلك به أراضي لم يسلكها أحد قبله، فاجتاز البراري والقفار وقطع الأودية وصعد الجبال، فكانت رحلة سريعة مُهلكة بالغة الوعورة والشدة، كل ذلك من أجل أن يقطع المسافة في أقصر وقت ممكن. وكما قال ابن كثير في البداية والنهاية: «وقد كان بعض العرب قال له في هذا المسير: إن أنت أصبحت عند الشجرة الفلانية نجوت أنت ومن معك، وإن لم تدركها هلكت أنت ومن معك، فسار خالد بمن معه وسروا سروة عظيمة فأصبحوا عندها، فقال خالد: عند الصباح يحمد القوم السّرى. فأرسلها مثلا، وهو أول من قالها رضي الله عنه». على الرغم من الهم والكدر والغم والنصب الذي اعتراهم في الرحلة الشاقة، إلا أن كل ذلك قد ذهب أثره ما إن وصلوا إلى هدفهم، إنها متعة الإنجاز التي تمسح عن الجباه أثر المعاناة، وتصبح المشقة حينئذ محل ثناء، يحمدون المسير ليلًا بعد أن وجدوا الراحة مع بزوغ الفجر. لم يكن العناء خصمًا لمن آمن بالوصول، إنما العدو الحقيقي هو التردد، اللحظة التي تساوم فيها النفس على ترك الطريق لأن الحصى يوجع القدمين. الصباح حين يبزغ نوره لن يسألك عن عدد السقطات في الطريق، ولا على طول المسافة التي قطعتها، الصباح ينصت فحسب إلى وقْع الخطوة الأخيرة. متعة الإنجاز ليست مجرد نشوة سريعة، إنما هي سكينة طويلة الأمد تتسلل إلى الروح بعد كثير صخب، تعرف معناها فقط عندما تهدأ المعركة في نفسك، عندما تضع رأسك على وسادة التعب وأنت تعلم أنك لم تخن يومًا نفسك، ولم تؤجل يومًا واجبك، ولم تساوم حلمك على فتات راحة. على طريق الإنجاز، تتكسر معانٍ كثيرة: تتكسر صورة الإنسان الكامل الذي لا يتعثر، تتكسر صورة النجاح الذي يولد من رحم الراحة والدعة، فكل إنجاز هو ابن صبر طويل، وربيب سهادٍ ومشقة وزفرات نصب وتعب في الخفاء. عند الوصول في الصباح، يحمد المجدون السّرى لأنه شاهد على صدق السعي، قد دفنوا في ترابه نداءات النفس النازعة إلى الكسل والراحة والدعة، وهتافات الفتور التي لا يبرأ منها كل إنسان، وحديثًا داخليا كان يقرع العقل بأن صاحبه أقل من أن يصل. إنجازك قد لا يغير وجه العالم، ولا واقع مجتمعك، لكنه على الأقل قد يغيرك أنت، يعزز احترامك لذاتك، ويشحذ وعيك للمستقبل بأن الطريق مهما طال فإن آخر خطوة فيه تحمل لذة تستحق العناء من أجلها، حينها تدرك أن التعب ليس عبئًا وإنما هو جسر. متعة الإنجاز يُدركها المجدّون عندما تجاوزوا في الطريق رغبتهم في التوقف والتراجع، واقتحموا للنهاية رغم ضجيج هذا التجاذب. دائما في البدايات يكون الحلم هشًا لا تجتمع عليه الهمّة بكامل عُدتها، فربما تراجع المرء بكلمة تخدش حلمه، أو مقارنة يعقدها مع غيره، أو بنظرة مرتابة للمآلات، لكن الطريق يبدأ بقرار يحمل روح التحدي، بصدق يدفع صاحبه للاستمرار وتناسي التعب، حتى وإن لم تكن هناك ضمانات للوصول. وفي كل مرة يسقط الإنسان فيها عبر الطريق، يكشف عن معدن إرادته، وفي كل مرة ينهض من العثرة ويتجاوز أثرها يعيد تعريف نفسه من جديد، مع كل خطوة يخطوها صوب نقطة النهاية يكتسب وصفًا جديدًا وسمة إيجابية جديدة. وبعد ليل طويل، وبعد يقين كاد أن ينطفئ، عندها فقط يفهم الإنسان معنى القول: «عند الصباح يحمد القوم السرى». يحمدون الأرض التي أتعبتهم، لا لأنها كانت سهلة، بل لأنها صنعت منهم أناسًا آخرين، يحمدون الطريق، لأنه علّمهم الثبات، والانتظار، وحسن الظن بالله. عند نقطة الوصول لا يجد الإنسان ذاته التي بدأ بها الرحلة، كل شيء فيه يتغير، يتسع الصدر، وترتفع قيمة الذات في نظر صاحبها، بما يعني أن الإنجاز لا يمنحك ما تسعى إليه فحسب، إنما يمنحك النسخة الأفضل منك، الأقوى منك، الأرقى منك، الأكثر وعيًا منك، والأشد تصالحا مع حقيقة أن الأشياء العظيمة تولد من رحم المعاناة.
732
| 04 يناير 2026
لم تكن اللغة يومًا مجرد أداة للتواصل، إنما هي الوعاء الحي للفكر، والمرآة الصادقة للمسار العلمي والثقافي والحضاري، والأمم ترتبط بلغاتها ارتباط الجذور بالتربة، فإذا ما ضعفت اللغة تخلخل الوعي، وإذا غاب تاريخها تاهت الهوية. وإيمانًا بأهمية اللغة العربية في حياة الأمة، انطلق مشروع «معجم الدوحة التاريخي للغة العربية»، ذلك المشروع الذي يتجاوز حدود البحوث اللغوية إلى كونه عملًا واعيًا في إعادة ربط الأمة باللغة التي تمثل عمودها الفقري. معجم الدوحة التاريخي مشروع علمي حضاري غير مسبوق، يهدف إلى كتابة السيرة التاريخية لألفاظ اللغة ورصد تحولاتها الدلالية عبر العصور، ويتتبع الألفاظ منذ أقدم نصوصها الموثقة إلى عصرنا الحديث، يوثق استعمالاتها وسياقاتها الثقافية والحضارية، فهو لا يقف عند حدود تعريف الكلمة، بل يقدم سيرة حياتها منذ ولادتها، والتغيرات الطارئة عليها، من خلال منهج علمي صارم يعتمد على مدونات لغوية تشمل آلاف النصوص والحقول المعرفية، ويستند إلى التوثيق الزمني الدقيق، بما يجعله أرشيفًا حيًا للغة العربية. معجم الدوحة ليس مصنفًا كبيرًا أو عملًا موسوعيًا قد فُرغ منه، وليس موقفا عابرًا يُحتفى من خلاله باليوم العالمي للغة العربية، إنما هو محطة فكرية وثقافية فارقة في تاريخ الأمة يرد للغة اعتبارها، ويخرجها من سجن اللحظة، يعيد لها تاريخها الحي، ويعيد فهمها غير منزوعة عن سياقها الزمني والثقافي، ويوقظ كذلك العقل اللغوي للأمة ويعيد ترتيب صلتها بالكلمة والنص والتراث. معجم الدوحة ذو طبيعة جماعية في إنتاجه، إذ التقت عليه عقول وجهود نخبوية من عدة أقطار عربية تكاملت فيما بينها لتؤكد على حقيقة أن اللغة وطن جامع إذا ما تم التعامل معها بإخلاص وصدق وعزيمة، وجدان مشترك، يؤكد على إمكانية الاجتماع والالتفاف في مجالات أخرى وأخرى. وعلى الرغم من أن الغرب سبقنا إلى المعاجم، إلا أن العربية تميزت في العمل المعجمي بأنها لم تغير جلدها ولم تتنكر لتراثها ولم تفقد روحها ولم تفرط في ذاكرتها، بل أدخلت تراثها وثقافتها في قلب البحث اللغوي الحديث. المعجم ينظر إليه باعتباره منصة عابرة للتخصصات، وجسر معرفي يربط اللغة بالتاريخ والفكر والمجتمع، فالفيلسوف يستكشف من خلاله تطور المفاهيم المجردة، والمؤرخ يفهم من خلاله تحولات المفاهيم السياسية والاجتماعية، وعالم الاجتماع يقرأ من خلاله تبدل أنماط التفكير والتعبير. وينظر إلى مشروع المعجم على أنه عمل من أعمال السيادة المعرفية بحكم أنه يمثل أداة تحليل اللغة وتوصيف مفاهيمها، فهو بذلك يدعم حماية خطابها الثقافي والفكري من التبعية، واستثمار على المدى البعيد في استقلال اللغة العربية. المعجم ينهض بالقارئ العربي، إذ إن هذا القارئ لن يقف في التعاطي معه على حد التلقي للمعاني الجاهزة، بل يشارك في فهم وتشكل وتطور المعنى، ما يعزز القراءة النقدية الواعية، ويحل التفاعل محل التلقين العقيم. وبما أن كثيرًا من دلالات اللغة سادت زمنًا طويلا لارتباطها بمصادر وحقب بعينها وتعرضت للهيمنة التأويلية، فإن معجم الدوحة التاريخي يخضع المعنى للتوثيق والاستعمال الفعلي ويخرجه من هذه الهيمنة، فيتحول من رأي إلى مسار. معجم الدوحة يعطي البراهين على أن اللغة العربية لم تنقطع عن التلاقح الحضاري، حيث إنها تفاعلت مع العلوم والثقافات والحضارات الأخرى، ولكن دون أن تفقد هويتها، ليثبت للجميع أن العربية لم تكن عاجزة، وإنما العيب في غياب الوعي بتاريخها وآليات تطورها. المُعجم يعزز من حضور العربية، سواء على صعيد أبنائها باستعادة الثقة فيها بأنها مواكبة لتطورات العصر، ويردم الهوة التي تكونت بين هذا الجيل ولغته لاعتقاده أنها عصية على الفهم، فيشعره أن لغته المعاصرة امتداد طبيعي لتاريخ طويل لا قطيعة معه، وذلك من خلال تتبع المعجم لتطورات الألفاظ. وعالميًا بأن وضع اللغة العربية في مصاف اللغات الكبرى التي تمتلك معاجم تاريخية قوية كالإنجليزية والفرنسية، ويثبت قدرتها على الاستيعاب والتطور والتجدد. هذا المعجم يحتوي تنوع اللهجات وتباين السياقات الثقافية بين بلدان الأمة، فيكشف الجذور المشتركة للألفاظ ويبين كيف تم التعبير عنها في مختلف العصور والأقاليم، فيكون فضاء لغويا واحدًا يمثل هوية جامعة للأمة، ويعزز الانتماء الحضاري، بما يعني أن هذا المشروع ليس مشروعًا محليًا، وإنما هو مشروع أمة أخرجته قطر للنور.
294
| 28 ديسمبر 2025
«فنّ التّأريخ فنّ عزيز المذهب جمّ الفوائد شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتّى تتمّ فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدّين والدّنيا». يؤصل ابن خلدون في تاريخه بهذه العبارة، قاعدة بالغة الأهمية في دراسة التاريخ، مفادها أن استدعاء صفحات الماضي والنظر في التاريخ، لا يكون بغرض التسلية بحكايات الغابرين، ولا للانحباس في حالة انبهار بصفحات مجد تليد، إنما هو أداة لتغيير الحاضر والتهيئة لتحديات المستقبل. لكن أمتنا قد دبّ فيها داء الهروب إلى التاريخ، نعم نحن نهرب من مواجهة واقعنا باستدعاء التاريخ وأمجاده والاكتفاء بذلك، فهي حيلة نفسية نواري بها عجزنا عن مسايرة الغرب الذي أخذ بأسباب القوة والتقدم بينما توقفنا نحن عند حدود الماضي، وأسعد بلادنا حظًا من قطعت بضع خطوات في مجالات محددة، دون أن تكون هناك نهضة شاملة تجعلها على قدم المساواة مع وحوش العالم. نحن نعاني فوضى التفاخر بالماضي، أصبح المجد السابق هو بضاعتنا في التعريف بأنفسنا، مع أن التفاخر بالتاريخ لن يدفع عجلة الاقتصاد، ولن يحل المشكلات والأزمات الاجتماعية، ولن يسهم في التطور التقني والتكنولوجي، ولن يجعل القوى العسكرية في مصاف القوى الكبرى. ما فائدة أن يتراشق أهل كل بلد من بلدان الأمة بسالف أمرها، هذا يتفاخر على هذا بأن له حضارة عمرها كذا ألف سنة، وهذا يتفاخر على ذاك بأن أجداده هم من اخترعوا كذا، وأصبحت كلمة «كنا، وكنا» ديباجة في خطاب الشعوب. أجدادكم فعلوا، فماذا فعلتم أنتم؟ كان هذا ماضيكم فأين حاضركم؟ ليست المشكلة في أن تعتزّ الأمم بتاريخها، فالتاريخ هو الذاكرة الجماعية والرصيد الرمزي الذي يمنح الشعوب هويتها ومعناها، لكن المعضلة الكبرى التي تعانيها أمتنا تكمن في أنّها حبست نفسها داخل الماضي، واكتفت بالنظر إلى تاريخها المجيد نظرة تمجيد وتقديس، دون أن تحوّل هذا التاريخ إلى مصدر للعبرة، أو إلى جسر يعينها على فهم واقعها ومواجهة تحديات عصرها والعبور بثقة نحو المستقبل. لقد علّمنا التاريخ ذاته أن الحضارة لا تُورّث، وأن المجد لا يُستعاد بالتغنّي به، بل بالعمل وفق السنن التي أقامته أول مرة: العلم، والعمل، والهوية، فأسلافنا لم يتقدموا لأنهم عاشوا على أمجاد من سبقهم، بل لأنهم واجهوا واقعهم بشجاعة، وأبدعوا حلولًا تناسب زمانهم، واستثمروا معارف الأمم الأخرى. إنّ أخطر ما تواجهه أمتنا اليوم هو تحويل الماضي إلى بديل عن الحاضر، وإلى مبرر للعجز بدل أن يكون دافعًا للنهوض. فالعالم من حولنا يتغيّر بسرعة هائلة، تُقاس فيها قوة الأمم بقدرتها على الابتكار، وعلى استيعاب التحولات العلمية والتكنولوجية، بينما لا تزال كثير من مجتمعاتنا أسيرة النظر المجرد إلى الماضي انبهارًا واكتفاءً. التذكير بالماضي والأجداد العظام يفلح فحسب مع من يعتبر بذلك الماضي ويتخذ منه نبراسًا ويقتبس منه ما يضيء به الطريق نحو المستقبل المزهر، وهذا هو منهج القرآن الكريم، فهو يذكر بتاريخ الأمم السابقة التي هلكت رغم إغراقها في النعم وأوجه التقدم بسبب حيدتها عن طريق الله، يذكر بذلك من أجل الاتعاظ والاعتبار بأن القوة لابد وأن تُساس بالمنهج الإلهي. يذكرنا القرآن الكريم بالتاريخ المشرق والأجداد العظام حتى نسير سيرهم ونحذو حذوهم لا لنقف عند قول الشاعر: أولئك آبائي فجئني بمثلهم، إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ. فالله تعالى يقول في سورة الإسراء: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا}، وحولها يقول الإمام ابن كثير في تفسيره: «تقديره: يا ذرية من حملنا مع نوح. فيه تهييج وتنبيه على المنة، أي: يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة، تشبهوا بأبيكم، {إنه كان عبدا شكورا}. فالقرآن هنا لم يذكر سلالة نوح بأبيهم ليتفاخروا به ويقفوا عند هذا التفاخر، بل من أجل التشبه به في خصاله وأفعاله وقيامه بشكر المُنعم على ما أنعم به من النعم. النظر إلى التاريخ لا يصلح أن يكون مهجعًا للاستغراق في النوم، وإنما هو منطلق لأن نستلهم من الماضي لإصلاح الحاضر والعبور المتزن الآمن إلى مستقبل مزهر.
849
| 21 ديسمبر 2025
السعادة، تلك اللمسة الغامضة التي يراها الكثيرون بعيدة المنال، ويظنون أن تحصيلها لا يكمن سوى في تحقيق طموحاتهم ومضامين خططهم، لكن السعادة ربما تأتيك على هيئة لا تنتظرها، قد تأتي فجأة وأنت في لحظة من الغفلة، فتكون قريبة منك أشد القرب، كما لو كانت تلتف حولك وتحيط بك من كل جانب. كثيرًا ما تختبئ السعادة في تلك التفاصيل التي لا تكترث بها، في تلك اللحظات التي تمر سريعة وكأنها حلم. ربما مر عليك تلك الليلة التي تلوت فيها القرآن، فتوقف قلبك عند آية بعينها، فانبعثت من أعماقك مشاعر جديدة، فسالت دموعك على وجنتيك، أو ربما كانت تلك الدمعة الثمينة قد سكبتها في إناء ركعة بجوف الليل، فسرت فيك طمأنينة وسكينة ورقة لم تعهدها، لا تعدل بها شيئًا من لذات الدنيا، ألم يكن ذلك موعدًا لك مع السعادة؟ وربما مر عليك يوم، كنت تقلب منزلك رأسًا على عقب بحثًا عن شيء مفقود، وبينما أنت في حال من اليأس، تتذكر موضعه، أو يظهر لك في موضع لم تتوقعه كأنه يهدئ من روعك قائلًا: «هأنذا»، فتبتسم وتبتسم وتتسع ابتسامتك، ألم تكن هذه اللحظة الرائعة موعدًا لك مع السعادة؟ وذلك الفقير الذي يعاني من ضيق اليد، ربما قضى ليلته مهمومًا يفكر كيف يدبر قوتًا أو شيئًا من أمور المعاش لأهله، وبينما يخرج مجترًا همومه، يكتشف في جيب سترته القديمة ورقات نقدية قد نسيها منذ العام الماضي، فيتحول ذلك الفقر إلى لحظة من الفرح، ألم يكن هذا الرجل على موعد مع السعادة؟ حدثني أحدهم وكان حديث عهدٍ بالزواج أن صديقًا طرق بابه يطلب منه بعض المال، وهو لا يملك في جيبه غير مبلغ زهيد بالكاد يكفيه، لكنه يأبى أن يرد سائله، ويؤثره على نفسه رغم الخصاصة، ثم في نفس اليوم تزوره خالة له جاءت من سفر على غير موعد، لتبارك له وتهنئه، فأعطته مبلغًا من المال، فإذا به يراه نفس المبلغ الذي بذله إلى صديقه بالتمام والكمال لم ينقص منه قرش، فتجلى أمامه ذلك الوعد الإلهي بالعوض، ألم يكن ذلك الرجل على موعد مع السعادة؟ وذاك الذي كان على وشك أن يسقط في يد أعدائه وقد أشهروا أسلحتهم في وجهه، وبينما كان الخنجر يوشك أن يغرس في صدره، إذا به يستفيق فجأة من حلم مزعج، ويكتشف أنه كان مجرد كابوس، فيحمد الله على نجاته باليقظة من ذلك الهلع، ألم يكن وقت نجاته من ذلك الكابوس على موعد مع السعادة؟ وماذا عن تلك اللحظة التي أخذت فيها بيد عجوز هرم، تمشي بصعوبة وتبدو ملامحها تحمل سنوات من التجاعيد، لتسير بها إلى الجهة الأخرى من الطريق؟ ثم ترى تلك الدعوات التي تتدفق منها، والتي تظل تشعرك بالدفء والسعادة، وكأن دعاءها درعٌ لك، ألم يكن ذلك موعدًا لك مع السعادة؟ وكم هي السعادة حقيقية عندما يتمكن من الإصلاح بين زوجين كانا على شفير الفراق، فيكون سببًا في حماية ذلك البيت من الخراب؟ أو عندما يغمره الضحك على فكاهة بريئة تكاد تطيح به على ظهره من شدة السعادة؟ ألا يجد السعادة في تلك اللحظة الصغيرة عندما يقابل طفلة مبتسمة في الشارع، تملأ قلبه بالفرح بلا سبب آخر سوى ابتسامتها الطفولية؟ أليست كل هذه المشاهد مواعيد للمرء مع السعادة؟ السعادة تكمن في كل زاوية، في لمحة صغيرة، في حديث عابر، في ابتسامة، في دعوة، في لحظة طمأنينة، في إنجاز بسيط. نحن الذين نغفل عنها لأننا نبحث عنها في مكان بعيد، ولو أننا فهمنا أن السعادة ليست في ما نمتلكه من أشياء، بل في قدرتنا على الرضا، لتغيرت حياتنا. ليتنا ندرك أن السعادة ليست حلمًا بعيدًا أو حلمًا محجوزًا لمن يسعى للوصول إلى شيء معين، بل هي لحظات متجددة متغيرة متناوبة في كل يوم. السعادة موجودة في القلوب الراضية، وفي الأرواح الطاهرة، وفي الأبصار التي تلتقط جمال الحياة حتى في أصغر تفاصيلها، وما علينا سوى أن نرصد واقعنا بعين القناعة والتفاؤل، نتخلى قليلًا عن النظارة السوداء، فندرك أن مواعيد السعادة لا تنتهي.
795
| 14 ديسمبر 2025
مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام...
2886
| 01 مارس 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...
2841
| 27 فبراير 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار...
1437
| 04 مارس 2026
المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر...
1032
| 04 مارس 2026
رمضان يأتي ليطرح سؤالًا ثقيلًا: ماذا تبقّى منك؟...
843
| 27 فبراير 2026
-الفخر بقيادتنا الحكيمة.. والشكر لحكومتنا الرشيدة - دفاعاتنا...
840
| 02 مارس 2026
-قطر لم تسمح باستخدام أراضيهاونَأَتْ على الدوام عن...
801
| 01 مارس 2026
شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين...
801
| 02 مارس 2026
انطلقت الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران والمرمى الرئيسي...
648
| 02 مارس 2026
في كل مجتمع لحظة اختبار خفية هل يُقدَم...
591
| 05 مارس 2026
اختلطت الأوراق بدأت عواصف الحرب تأخذ مجراها كما...
576
| 01 مارس 2026
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة...
570
| 04 مارس 2026
مساحة إعلانية