رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد أحمد بكري

كاتب ومؤلف
حساب X ( تويتر): @e6n

مساحة إعلانية

مقالات

999

محمد أحمد بكري

رمضان.. شهر يُعيد ترتيب الخسائر

27 فبراير 2026 , 02:20ص

رمضان يأتي ليطرح سؤالًا ثقيلًا: ماذا تبقّى منك؟ يأتي كنافذة رحمة يفتحها الله لعباده، وكفرصة لاختبار الصدق في النية، ومراجعة الطريق قبل أن يطول.

في الأشهر الأخرى، نعيش بكامل استهلاكنا. نأكل أكثر مما نحتاج، ونتكلم أكثر مما نفكر، ونغضب أسرع مما نندم، ونركض خلف أيامٍ لا تطلب منا كل هذا الركض. ثم يدخل رمضان، شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، فيغلق نصف الأبواب، ويتركنا مع الباب الأصعب: باب المواجهة مع الذات، والوقوف بين يدي الله بلا زينة ولا ادّعاء.

الجوع في هذا الشهر هو مرآة، مرآة تقول لك إنك هشّ أكثر مما تدّعي، وإنك اعتدت أن تملأ تعبك بالطعام، وقلقك بالقهوة، ووحدتك بالضجيج. وحين تُسحب هذه الوسائد الصغيرة، تسمع صوتك الحقيقي. ذلك الصوت الذي تؤجله طوال العام، وتكتشف أن الصبر عبادة خفية يعلمها الله، وأن «إن الله مع الصابرين» آية تُتلى وحالة تُعاش.

رمضان زمن الرحمات.. نعم

لكن الرحمة لا تنزل على المائدة فقط، إنما على مناطق معتمة في النفس. مناطق لا نحب زيارتها، وأخطاء لم نعتذر عنها، وقسوة مارسناها ونحن نظن أنفسنا على حق، وعلاقات تركناها تموت بصمت. الرحمة أن يلين صوتك بعد حدّة، وأن تعفو ابتغاء مرضاة الله، وأن تتراجع عن كلمة جارحة مخافة أن تُحاسب عليها، وأن تسامح وأنت قادر على العتب. في هذا الشهر، يصبح الاعتذار أسهل، والدعاء أقرب، والدمعة أصدق، وتطول السجدة كأنها ملاذ، وتصبح لياليه مواسم مغفرة وعتق. 

أما البركة، فهي ليست كثرة الأطباق، ولا ازدحام الموائد. البركة أن يكفيك القليل، وأن ينتهي يوم طويل دون أن تشعر بأنك خاسر، وأن تصلي ركعتين وكأنك تعيد تثبيت قلبك في مكانه الصحيح، وأن تفتح مصحفك فتجد آية تمسّ موضع ألمك، وأن تجد في يومٍ عادي طمأنينةً غير عادية، وأن يعود البيت مكانًا للسكينة لا ساحةً للإنهاك.

رمضان لا يغيّر العالم، لكنه يختبر قابلية قلبك للتغيير. هو شهر يعيد توزيع الخسائر، يُسقط عنك ما ظننته ضرورة، ويكشف ما كان ضرورة فعلًا. يعلّمك أن الامتلاء الحقيقي لا علاقة له بالمعدة، بل بالمعنى، ولا بالغنى، بل بالقرب من الله.

رمضان ليس مثاليةً موسمية، ولا حالةً عاطفية مؤقتة. هو فرصة لإعادة ترتيب الأولويات. أن نعيد القلب إلى مركزه، لا إلى الهامش. أن نتخفف من ثقلٍ حملناه طويلاً، ونتصالح مع أنفسنا قبل أن نطالب الآخرين بالتصالح معنا، وأن نجعل الصوم تربية، ومن الصلاة صلة، ومن الذكر حياة.

وحين يوشك الشهر على الرحيل، يبقى السؤال: ماذا تغيّر فعلًا؟

هل تعلّمنا الصبر، أم اكتفينا بالامتناع؟

هل أصلحنا علاقتنا بأنفسنا وبربنا، أم انتظرنا نهاية الشهر لنعود كما كنا؟

رمضان ليس موسمًا عاطفيًا، هو محكمة هادئة، نقف فيها أمام أنفسنا، بلا محامين، وبلا أعذار، ونرجو رحمة أوسع من تقصيرنا.

نصيحتي، إن كان لي أن أقول، أن لا تجعلوا رمضان محطة عابرة في تقويم مزدحم. اجعلوه نقطة مراجعة صادقة، وبداية عهد جديد مع الله قبل أن يكون مع الناس. خفّفوا الضجيج، وأصلحوا ما تستطيعون إصلاحه، واحتفظوا بشيء من صفائه لبقية العام. فالرحمة لا تُغلق أبوابها بانتهاء الشهر، نحن الذين نغلقها إن عدنا كما كنا.

اقرأ المزيد

alsharq خيمة على حافة العاصفة

ذات ليلة غبراء، دويُّ الرعد يحاصرني، ووميض البرق يلاحقني، يخترق مسامات خيمتي الصغيرة يجتز أواصرها، ويهدد أركانها. تهتز... اقرأ المزيد

126

| 27 مارس 2026

alsharq حياة مؤجلة إلى إشعارٍ آخر

في مكانٍ غير مرئي داخل كل واحدٍ منا، توجد غرفة انتظار واسعة، مقاعدها مصفوفة بعناية، وساعتها لا تُصدر... اقرأ المزيد

210

| 27 مارس 2026

alsharq يا أهل قطر.. «لن تراعوا»

أمام أمواج الاضطرابات التي يموج بها عالمنا اليوم، ما الذي يجعل بلداً كقطر يواجه التحديات بقلبٍ مطمئن ويقين... اقرأ المزيد

213

| 27 مارس 2026

مساحة إعلانية