رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد أحمد بكري

كاتب ومؤلف
حساب X ( تويتر): @e6n

مساحة إعلانية

مقالات

402

محمد أحمد بكري

حياة مؤجلة إلى إشعارٍ آخر

27 مارس 2026 , 01:35ص

في مكانٍ غير مرئي داخل كل واحدٍ منا، توجد غرفة انتظار واسعة، مقاعدها مصفوفة بعناية، وساعتها لا تُصدر صوتًا. هناك نجلس كل يوم، نحمل تذاكر مؤجلة، ونحدّق في لوحةٍ إلكترونية لا تومض باسمنا أبدًا.

نُسمّي هذا الانتظار تعقّلًا، ونمنحه أسماء لائقة: ترتيب الأولويات، وتحسين الظروف، والاستعداد الأمثل. لكن الحقيقة الأقل أناقة هي أننا لا ننتظر الدور، نحن نؤجل الحياة نفسها.

نعيش كما لو أن هناك إشعارًا رسميًا سيصل، يخبرنا بأن الوقت صار مناسبًا للفرح، وأن القلب اجتاز الفحص، وأن العالم صار أقل قسوة. وحتى يحين ذلك الإشعار الموعود، نضع حياتنا في درجٍ أنيق داخل أرواحنا، ونُعلّق أحلامنا على شماعة «لاحقًا»، ونمضي مطمئنين إلى أننا حكماء بما يكفي لننتظر اللحظة المثالية.

لكن اللحظة المثالية لا تأتي، تأتي أيامٌ عادية، بملامح مرهقة، وأخبارٍ ناقصة، وأحلامٍ تحتاج إلى شجاعة لا نملكها اليوم. فنقول: غدًا. وغدًا هذا يشبه سرابًا متحركًا، كلما اقتربنا منه ابتعد، وكلما وعدنا بالاكتمال، أعادنا إلى نقصٍ جديد.

نؤجل أفراحنا حتى تستقر الظروف، كأن الفرح مشروعٌ مؤجل إلى حين تحسّن الطقس الداخلي. ونؤجل القرار حتى نصبح أكثر جاهزية، كأن العقول تُفتتح بعد التفتيش الرسمي. ونؤجل الاعتذار حتى تهدأ العواصف، مع أن بعض العواصف لا تهدأ إلا بالاعتذار. وهكذا تتحول الحياة إلى مسودةٍ دائمة، وإلى نصٍّ مكتوبٍ بقلم الرصاص، نخشى أن نُحبره كي لا نتحمل مسؤوليته. نعيش بنصف قرار، ونبتسم بنصف رغبة، ونحلم بحذرٍ مفرط، كأننا نخشى أن تكتشف الحياة اندفاعنا فتعاقبنا على الجرأة.

ليس التأجيل هنا كسلًا، لكنه خوفٌ مهذّب. خوفٌ من أن نعيش ناقصين، ومن أن نبدأ دون ضمانات، ومن أن نعيش دون شبكة أمان، ومن أن نخوض التجربة بلا وعدٍ بنتيجة عادلة.فنُقنع أنفسنا أن الانتظار حكمة، وأن التريّث نضج، وأن الصمت استعداد، بينما الحقيقة أننا نختبئ من مسؤولية العيش. لكن العالم لا يصفو، والظروف لا تكتمل، واليقين لا يأتي في ظرفٍ مختوم.

الحياة لا تمنحنا إشعارًا رسميًا بالبداية. لا ترسل رسالة تقول: «الآن يمكنك أن تعيش بأمان».

هي تحدث في منتصف الفوضى، وفي قلب النقص، وفي ارتباك اللحظة نفسها.

كم سنةً خبّأناها في درج «لاحقًا»؟ وكم ضحكةً أرجأناها لأن التوقيت لم يكن مثاليًا؟ وكم حلمًا مات واقفًا لأنه انتظر الضوء الأخضر من عالمٍ لا يعرف إشارات المرور؟. الأخطر من الفقد أن نُؤجل أنفسنا، أن نُقصي رغباتنا بحجة الترتيب، وأن نُسكِت شغفنا بحجة المسؤولية، وأن نُطفئ دهشتنا لأننا لم نُنهِ بعدُ قائمة المهام.

فنصحو يومًا على حقيقةٍ جارحة: أن الحياة لم تكن تنتظرنا أصلًا، بل كانت تمضي، ونحن نلوّح لها من بعيد، كأننا ضيوفٌ على أيامنا.

أقولها بوضوحٍ لا يحتمل التأجيل: لا تنتظر اكتمال الظروف لتبدأ، فالظروف لا تعرف معنى الاكتمال. ولا تجعل حياتك مسودةً دائمة خوفًا من الخطأ، فالخطأ جزءٌ من الحبر، لا عيبٌ فيه. ابدأ ناقصًا، وعِش مرتجفًا، وجرّب مترددًا، لكن لا تؤجل نفسك.

اقرأ المزيد

alsharq الأبعاد الثقافية للحروب

تُعدّ الثقافة أو نمط الحياة من أهم المؤسسات الاجتماعية التي تُشكّل المجتمع. وتوجد علاقة معقّدة بين الثقافة وخاصةً... اقرأ المزيد

69

| 30 مارس 2026

alsharq من يملك الإعمار

كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان... اقرأ المزيد

75

| 30 مارس 2026

alsharq الإعلام.. حين تختلط الحقيقة بالدعاية

لا تأتي الأزمات اليوم فقط من الحدود، بل تصل أيضًا عبر الشاشات والهواتف، في صيغة خبرٍ سريع أو... اقرأ المزيد

63

| 30 مارس 2026

مساحة إعلانية