رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد أحمد بكري

كاتب ومؤلف
حساب X ( تويتر): @e6n

مساحة إعلانية

مقالات

285

محمد أحمد بكري

ليس مطلوبًا أن تغير العالم

14 مايو 2026 , 11:05م

هناك أناس يمرون في الحياة كما تمر السيارات المسرعة في شارعٍ مزدحم، وضجيج كثير، وغياب أسرع، وأثر لا يكاد يُرى إلا إن اقتربت الذاكرة منه على مهل.

وهناك آخرون، لا يرفعون أصواتهم، ولا يتصدرون المشهد، ولا تلاحقهم عدسات الضوء، لكنهم يتركون في الأرواح شيئًا يشبه الطمأنينة الأولى، كأنهم لم يمرّوا بالحياة بل مرّت الحياة بهم وهدأت.

وقد ابتُلي هذا العصر بفكرةٍ خفيّة، أقنعت الناس أن القيمة لا تُقاس إلا بما يظهر، وأن الأثر لا يُولد إلا من ضوءٍ يُصفق له الجميع. فصار الإنسان يطارد صورته في العيون أكثر مما يطارد صدقه في القلوب، ويقيس وجوده بعدد المتابعين لا بعدد القلوب التي تغيّرت به دون أن يدري. غير أن الحقيقة، تلك التي لا تُقال كثيرًا، أن أعظم الآثار لا تُصنع في العلن، بل في الهامش الصامت من الحياة.

في كلمةٍ خرجت في لحظة انكسار، فأنقذت روحًا كانت تسقط دون أن تُحدث صوتًا. في معلمٍ آمن بطفلٍ مرتبك، فغيّر مصيرًا لم يكن مكتوبًا له أن يُذكر. في صديقٍ جلس بقربك دون سؤال، فقط لأنه أدرك أن الصمت أحيانًا هو أعلى أشكال الفهم.

بعض البشر لا يتركون خلفهم مالًا ولا شهرة، لكنهم يتركون قدرةً غامضة على الاحتمال، يمرون كما يمر المطر على أرضٍ عطشى، لا يعلنون عن أنفسهم، لكنهم يُنبتون في الداخل ما لا يُرى. وما أكثر ما نظنه عابرًا، بينما هو في حياة غيرنا حياة كاملة. لقد جعلنا هذا الزمن نقيس الإنسان بما يُرى منه، لا بما يُحسّ بعد غيابه.

نريد أن نكون لامعين أكثر من كوننا نافعين، ظاهرين أكثر من كوننا صادقين، كأن الضوء صار بديلًا عن الدفء، مع أن الضوء وحده لا يُنقذ أحدًا من برد الروح.

كم من أمّ لم تُكتب عنها سطور، لكنها كانت وطنًا صغيرًا يمشي على الأرض. وكم من أبٍ لم يعرفه التاريخ، لكنه كان في حياة أبنائه الجدار الأخير حين تميل الحياة. وكم من صديقٍ بسيط، لم يترك أثرًا في العناوين، لكنه ترك في قلبك ما يشبه النجاة. هؤلاء لا يصنعون ضجيجًا.. إنما يصنعون حياة. لا يُسمع لهم صدى، لكنهم يتركون في المكان صدى مختلفًا، لا يصل إلى الأذن بل إلى الداخل.

إن الأثر الحقيقي لا يحتاج إعلانًا، لأنه يعيش في الصدور لا في الصور، ويكبر في الغياب أكثر مما يُرى في الحضور. يشبه العطر لا تراه، لكنك تعرف أن من مرّ قد غيّر هواء المكان. يشبه يدًا تربّت على قلبٍ منهك، ثم تختفي، لكنها تترك وراءها شيئًا لا يزول.

والأخطر من كل شيء، أن بعض الناس لا يدركون حجم أثرهم إلا بعد فوات اللحظة.

يظنون أن ما يفعلونه عادي، بينما هم في حياة أحدهم نقطة تحوّل كاملة. فالكلمة التي تراها بسيطة قد تكون في مكان آخر جسر نجاة، والموقف الذي لا تلتفت إليه قد يتحول في ذاكرة شخصٍ ما إلى سببٍ في بقائه على قيد المعنى.

لهذا، ليس السؤال الحقيقي: كم شخصًا عرفك؟ إنما: كم قلبًا أصبح العالم فيه أخفّ لأنك مررت به؟

فالأثر لا يحتاج منصّة، ولا يحتاج تصفيقًا، ولا يحتاج اسمًا كبيرًا.

يكفي أن يكون صادقًا.. والصادق لا يضيع، حتى لو مرّ في صمتٍ كامل.

إن بعض الناس يشبهون الجذور، لا تُرى، لكنها تمسك شجرة الحياة كلها من السقوط. وبعضهم يشبه الضوء الخافت في طريقٍ طويل؛ لا يلفت الانتباه، لكنه يمنعك من الضياع.

وفي النهاية، ليست قيمة الإنسان في عدد السنوات التي عاشها، ولا في حجم ما امتلكه، بل في تلك المساحات الصغيرة من النور التي تركها في قلوب الآخرين دون أن يدري. فاحذر أن تعبر هذه الحياة كعابرٍ بلا ظلّ، فإن أخطر أنواع الغياب.. أن يرحل الإنسان دون أن يبقى في قلب أحدٍ ما يدلّ على أنه كان هنا ذات يوم.

مساحة إعلانية