رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نجوى سعيد سرور

مساحة إعلانية

مقالات

156

نجوى سعيد سرور

القتل بالضحك.. جريمة التنمر الصامتة

15 مايو 2026 , 02:37ص

جراح اللسان أعمق من جراح السيوف، ليس كل جرح ينزف دماً، ولا كل ألم يصرخ صاحبه. التنمر آفة صامتة تتسلل إلى القلوب بضحكات باردة ونظرات جانبية، فتترك في النفس جرحاً لا تندمل جدرانه. تجاوزت هذه الظاهرة حدود المدارس إلى فضاءات العمل والعلاقات الرقمية، ومع ذلك لا يزال الوعي المجتمعي بجذورها دون المأمول.

التنمر سلوك عدواني متكرر يمارس بحجة "المزاح البريء"، لكنه استنزاف منهجي لإنسانية الضحية. يتخذ أشكالاً متعددة: مادياً كالضرب، ولفظياً كالسخرية، ونفسياً كالإقصاء، وإلكترونياً عبر الشاشات. يكمن الخطر في تراكمه الهادئ، حيث تعتاد الروح الألم وتفقد القدرة على الصراخ.

مريم.. موهبة دفنت تحت الضحكات، "مريم" طفلة رأت العالم بالألوان، كانت فرشاتها تمطر الورق جمالاً، لكن زميلاتها حولن موهبتها إلى مادة للسخرية. لم يكن الدافع كرهاً لرسوماتها، بل خوفاً من تفوقها، فالمتنمر غالباً ما يمارس عدوانه ليشعر بقيمته الزائفة.

انتهت مريم إلى تمزيق رسوماتها وإطفاء شغفها، تاركةً جزءاً من روحها على أرضية الغرفة. قصتها ليست استثنائية، بل مرآة لآلاف الأطفال الذين يُجبرون على الصمت.

التنمر يترك بصمات عميقة: تدني تقدير الذات، قلق واكتئاب يمتدان لعقود، تراجع الأداء الدراسي، عزلة اجتماعية، وفي الحالات القصوى التفكير في إنهاء الحياة. ولا يقتصر الضرر على الضحية، فالمتنمر نفسه يغرس في روحه بذور العدوان ليصبح خطراً على المجتمع مستقبلاً.

كيف نواجه الوباء؟ لمواجهة التنمر، نحتاج إلى تكاتف وتعاون من كل الأفراد والفئات.

من البيت حيث يتعلم الطفل أن الاختلاف ليس عيباً، والمدرسة بسياسات صارمة للإبلاغ، والقوانين الرادعة التي تجرّم التنمر بكل أشكاله، والدعم النفسي للضحية والمتنمر معاً، فكلاهما جريح يحتاج إلى من يلملم شتاته.

"إذا أردت أن تصنع مدينة جميلة، فاصنع عشاقها أولاً"

وعشاق المدينة الحقيقية هم من يعرفون أن القوة ليست في إيذاء الضعيف، بل في احتضان المختلف. كل موهبة تُدفن قبل أن تزهر هي خسارة لا تعوض. فلنخلق معاً بيئة لا مكان فيها للتنمر، حيث ينمو الإنسان كما هو، لا كما يريد الآخرون أن يكون. لأن السلام يبدأ بقلب لا يؤذي.

مساحة إعلانية