رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

267

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

فخ "ثوسيديس"!

17 مايو 2026 , 12:06ص

"لم يكن للحرب الحالية في منطقتنا اسم محدد من الجانب الأمريكي، فتارة تُسمى 'عملية الغضب الاقتصادي' وتارة 'حملة الضغط الأقصى'. وسط هذا اللهيب، سألني أحد الأقارب مؤخراً: 'متى تبدأ التهدئة؟'، فاختصرت الإجابة بقولي: 'عندما يلتقي الرئيس الأمريكي بنظيره الصيني!'، وهو ما حدث بالفعل الآن. لم تكن محادثات الرئيس الصيني 'شي جين بينغ' للرئيس 'دونالد ترامب' مجرد كلمات دبلوماسية، بل كانت تنبيهاً صارماً من فوق 'إيفرست' القمم العالمية حين قال له إن 'فخ ثوسيديس ليس حتمية تاريخية'، ناصحاً إياه بإنهاء هذه المهزلة الجيوسياسية التي تحبس أنفاس الأرض بين التهدئة أو الحرب العالمية. هذا الحديث الملتهب يفتح الباب على مصراعيه للتساؤل الأعمق: هل بات التاريخ يعيد نفسه؟".

"منذ القرن الخامس قبل الميلاد، كان 'ثوسيديس' رائد عصره في التاريخ والقيادة العسكرية باليونان القديمة، وهناك أرّخ حرب 'البيلوبونيز' الضروس بين أثينا وسبارتا، والتي استمرت لقرابة سبعة وعشرين عاماً. وأعظم ما اشتُهر به هو صياغته لـ 'المدرسة الواقعية' في السياسة الدولية، أو بتعبير ثقافي آخر: 'فقه الواقع'. حيث أنشأ هذا العرّاب الروحي فقهاً دولياً للعلاقات بين الدول، يرى أنها لا تُحكم بالأخلاق ولا بالمبادئ، بل تحركها ثلاثة دوافع إنسانية ثابتة: المصلحة، والخوف، والشرف أو المكانة، والتي تترجمها الدول اليوم بـ 'السيادة'. من هنا، رأى ثوسيديس أن حقيقة نشوب الصراعات التي تدمر الحضارة البشرية لا تعود لخلافات لحظية؛ فالصعود المتنامي لقوة أثينا، والآثار المترتبة على هذا الصعود، أثارت الخوف والفزع في نفس القوة المسيطرة على العالم القديم آنذاك، وهي 'سبارتا'. هذا الجو النفسي والسياسي المعقد ألقى بظلاله من الظنون والحيرة حول حتمية المواجهة مع تطلع القوة الصاعدة لأخذ زمام الهيمنة، وهو ما بات يُعرف بـ 'فخ ثوسيديس'؛ الفخ الذي يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الذعر، وليس ضرورة الحرب، هو السبب الفتّاك للنزاعات الدولية".

"إن فقه الواقع يلزم المشاهد المعاصر ليرى إعادة التاريخ نفسه بالحديث بلغتي قوتين عظميين، وهما الأمريكية والصينية. فغرف القرار المتعاقبة بواشنطن يتملكها فزع وجودي من لهيب التنين الصيني عبر تمكنه من بيادق شطرنج الاقتصاد العالمي؛ إذ لا ترى أمريكا في هذا العلو مجرد نمو اقتصادي، بل تراه نزاعاً مباشراً للسيادة القطبية على النظام العالمي ومصالحها الحيوية في هذا السياق. وفي المقابل، تتحرك بكين بدافعية الطموح من خلال 'الشرف والمكانة'، وترى أن القوانين الدولية الحالية ساسها الغرب عبر العقود السابقة في غياب الصين عن المشهد الدولي، وأن من حقها الطبيعي كقوة عظمى أن تضع قواعد اللعبة من جديد مع هذا الانهيار الحاصل في نظام الاقتصاد الدولي، والذي أنتج نزاعاً شرساً للهيمنة على سيادة العالم. هذا التنازع الصارخ بين قوة قائمة تدافع بشراسة عن عرشها، وقوة صاعدة تسعى لانتزاع مكانتها، حوّل الحرب التجارية والتكنولوجية الشرسة، وحملات الضغط الأقصى، إلى تجسيد حي ومرعب لفخ ثوسيديس في قرننا الحادي والعشرين".

"هذا المخاض الدولي العسير له وطأته الشديدة على عالمنا العربي، ومنطقتنا الخليجية، ومضيق هرمز بالتحديد؛ الذي بدأنا نشهد اليوم أولى انفراجات أزمته مع بوادر فتحه، وبدايات التهدئة الحقيقية لهذا المشهد العصيب في منطقتنا والعالم. فبلداننا ليست مجرد مشاهد عابر في مسرح الأحداث، بل هي الساحة الأكثر تفاعلاً باهتزازات زلازل هذا الفخ الصاخب. فالشرق الأوسط، بممراته المائية الحيوية وثرواته من الطاقة، يقع في قلب خطوط الصدع لهذا التنافس القطبي؛ حيث تسعى واشنطن جاهدة للحفاظ على نفوذها الممتد منذ عقود لصد أي تمدد للخصوم، بينما تمد بكين خيوط طريق حريرها الاقتصادي والدبلوماسي لترسيخ أقدامها بخطى طموحة نحو النجوم. إن حملات 'الضغط الأقصى' والحروب المشتعلة في الإقليم لم تكن معزولة يوماً عن هذا الصراع الأكبر، بل هي نتاج مباشر لإعادة تموضع القوى الدولية. نحن نعيش في جغرافيا لا تملك ترف الحياد، وتجد دولنا نفسها مرغمة على السير فوق حبل مشدود على الجمر؛ حيث تتشابك المصالح الأمنية مع التطلعات الاقتصادية، مما يجعل أي اختلال في توازن القوى العالمي ارتداداً زلزالياً يصيب أمننا واستقرارنا في الصميم".

"في النهاية، لا أحد يعلم النهاية إلا من بيده مقاليد النهاية. فتظل طبيعة الأحوال الجيوسياسية رهينة حكمة قادة العالم أو رعونتهم، ويبقى لقاء بكين الأخير بارقة أمل لكسر حدة هذا الصراع المرير. إن التاريخ لا يعيد نفسه بصورة كربونية كما يبدو، بل يمنح البشر فرصاً متكررة لتفادي حماقات الماضي عبر حرية الاختيار بين الحق والباطل؛ فهل ينجح زعيما أقوى قوتين على الأرض في تفكيك 'فخ ثوسيديس' والانتقال بالعالم من حافة الحرب العالمية إلى نافذة التهدئة والاستقرار؟ أم أن التدافع البشري سيمضي في طريقه المحتوم؟ إن الإجابة تطويها الأيام، لكن السنن الكونية تظل ثابتة لا تتغير، وتؤكد أن دوام الحال من المحال، قال تعالى: { وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } آل عمران 140.

مساحة إعلانية