رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

531

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

السوق السوداء

26 أبريل 2026 , 07:37ص

ليست السوق السوداء كما يتبين للقارئ الحبيب؛ أنها وكر يجتمع فيه اللصوص كمغارة علي بابا والأربعين حرامي ليبيعوا مسروقاتهم على أمثالهم من التجار اللصوص فقط! ولكنها عالم نظير للسوق المفتوح، بل هي من مظاهر الاقتصاد وحياة المجتمع في أي مكان. حيث يتبين فيها عجز قدرة المؤسسات النظامية عن تقديم حاجة الفرد من المعروض، وذلك عند فرض الظروف التي تقيدها المنظمات التي تحكم الفجوة الكبيرة بين العرض والطلب بشكل شاسع وضخم. ومن المسميات الأخرى لهذه السوق «اقتصاد الظل» و»السوق الخفي» الذي لا يلقي بالاً لحدود قانونية ولا قيود ضريبية محاسبية. فتحكم فجوة حجم الطلب على المعروض، فتصبح البكرة الوحيدة المحركة للبيع والشراء في عالم مواز بعيد عن سلطة الدولة.

لا يحدث «اقتصاد الظل» فجأة، وإنما يباغت كالوحش على فريسته عبر استغلال الثغرات القانونية والتوتر السياسي. ولعل ما يحدث في مضيق هرمز حالياً مثال بارز؛ حيث تشير تقارير شهر ابريل الحالي إلى أن إيران تحصل رسوم عبور من الناقلات عبر المضيق، في ظاهرة بينة للسوق السوداء الدولية، وذلك لاستغلال وضع الحرب الحالي. حيث تنتعش تلك الأسواق السوداء في وضع الحروب. فلا قوانين يلتزم بها ولا أعراف تحترم. وصفتها ايران بأنها «رسوم خدمات وأمن»، بينما يراها المجتمع الدولي خارج إطار قانون البحار. وتتراوح تقديرات الرسوم؛ بين دولار واحد لكل برميل نفط، أو مبالغ مقطوعة قد تصل إلى 2 مليون دولار لكل ناقلة ضخمة. فهذه المبالغ تدر عوائد تجاوز 20  مليار دولار سنوياً في حال استمرار الملاحة على هذا المنوال. حيث تفرض واقعاً اقتصادياً موازياً؛ فالسفن التي ترفض الدفع أو تخضع للعقوبات تضطر لسلوك «طرق الظل»، والتبادل عبر وسطاء غير رسميين بعيداً عن النظام المصرفي التقليدي، مما يحول أحد أهم ممرات العالم إلى باب مغارة يباع ويشترى «بالخفاء» لتنتعش السوق السوداء للطاقة والعملات.

عندما يتغول «الاقتصاد الخفي»، تصبح عملة الدولة هي الضحية الرئيسة في ساحة الحرب. ففي السوق السوداء، لا يتم تحديد سعر صرف العملة بناءً على مؤشرات التنمية والناتج المحلي، بل بناءً على المضاربات المتوحشة وحالة الذعر الجمعي للأفراد. هذا الارتفاع الجنوني في أسعار العملات الأجنبية خلف الأبواب المغلقة يؤدي مباشرة إلى «تسونامي» من الغلاء يضرب السلع الأساسية بما يسمى بالمصطلح الاقتصادي (التضخم)، مما ينقض على الطبقات المتوسطة والفقيرة. فهذه الأموال التي تُتداول في هذا السوق هي «ميتة» بالنسبة للدولة؛ فهي لا تدخل في ميزانيات التعليم أو الصحة، بل تذهب لتضخيم ثروات حفنة من المطففين الجشعين، والذين يقتاتون على فتات منافع تلك المصائب، محولين مدخرات عُمّر المواطنين إلى مجرد سراب لا أمل فيه أمام سطوة «الدولار الأسود».

هذا «الوحش الأسود» ليس رقما اقتصادياً ينهش اقتصاد الدول فحسب، بل يعتبر مجردا من الأمور الأخلاقية كذلك، فيحول الوطن إلى واقع مرير نراه بوضوح في لبنان على سبيل المثال لا الحصر، حيث نهشت اسواق الظل جسد الدولة الاقتصادي حتى فقدت الليرة قيمتها تماماً بعد ان كانت لبنان في فترة سابقة تعتبر بنك الوطن العربي ويطلق عليها « سويسرا الوطن العربي»، وأصبح مصطلح  «تجار الشنطة» ومنصات العملات المجهولين المتحكمين الحقيقيين في لقمة عيش المواطن، في مشهد يجسد الانهيار الكامل أمام العصابات المنظمة كلصوص علي باب والاربعين حرامي.

وفي المقابل، نجد تجربة الدولة المصرية التي حاولت كسر مخالب هذا الوحش بالرغم من التجاذبات السياسية والآراء المختلفة في هذا النطاق؛ فالدولة لم تكتفِ بالمراقبة، بل شنت حرباً تشريعية وأمنية لتجفيف منابع «الدولار الأسود»، تزامنت مع قرارات نقدية جريئة لجذب السيولة إلى القنوات الشرعية (البنوك). ومنع العصابات المالية من استغلال قوت الشعب، ولكن العجيب في الأمر أنه يعتبر أمرا عرفيا متعارفا عليه في المجتمع المصري، والأدهى والأمر أنه يقاس عليه حيث يأتي الفرد البسيط ليسأل كم سعر الدولار في السوق السوداء؟!  لتثبت أن المواجهة مع اقتصاد الظل هي معركة وجود وليست مجرد إجراءات إدارية. محاولة لترميم «الحصن المالي» ومنع المطففين من التلاعب بقوت الشعب، لتثبت أن المواجهة مع اقتصاد الظل هي معركة وجود أخلاقية بالدرجة الأولى وليست مجرد إجراءات إدارية مالية واقتصادية بحتة.

تظل السوق السوداء وليدة استبداد قوانين اقتصادية كلية (دولية) وضعية عاجزة تؤثر على الاقتصاد الجزئي (المحلي) وهو الضحية في نهاية المطاف. فيكتفي القانون بعقاب المخالف، ويفرض الواقع السياسي القيود وفق فقه المصالح والمفاسد تحت مخرج باب فقه الضرورات تبيح المحرومات! وفي المقابل يقدم الشرع الحنيف العلاج عبر «اقتصاد قيمي» يُحرم الاحتكار والمضاربة الوهمية (الغرر). إن الحل يكمن في العودة لمنهج الإسلام الذي يربط السوق بالأخلاق؛ حيث لا تلاعب بالأقوات، ولا «تطفيف» في العملات، لتتحول المعاملات من «مغارة لصوص» إلى بركة تنفع الناس والوطن.

مساحة إعلانية