رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الغدنانة أحمد غيث الكواري

مساحة إعلانية

مقالات

30

الغدنانة أحمد غيث الكواري

حين تصبح الأخلاق أقوى من التكنولوجيا

19 مايو 2026 , 02:39ص

نحن لا نعيش عصر السرعة فقط.. بل نعيش عصر (الاختصار) اختصار الوقت.. واختصار العلاقات، واختصار المشاعر، وحتى اختصار التفكير.

أصبح الإنسان اليوم يستطيع أن يطلب الطعام بضغطة زر ويتعلم من شاشة صغيرة، ويتحدث مع أشخاص في آخر العالم خلال ثوانٍ، لكن السؤال الحقيقي ؟

إلى أين وصل الإنسان؟

ماذا خسر الإنسان وهو يصل ؟

أنا من جيل ولد وسط الأجهزة الذكية، لكنني ألاحظ شيئا غريبا جداً.. كلما ازدادت التكنولوجيا ذكاء أصبح بعض البشر أقل إحساساً.

صرنا نرى طفلا يجلس مع أسرته لكنه غارق في هاتفه، وأب يسمع أبناءه دون أن ينظر في أعينهم، وأصدقاء يرسلون القلوب الحمراء لبعضهم بينما لا يسألون عن بعضهم في الحزن الحقيقي.

في الماضي كان الإنسان يخاف أن يفقد الرسائل الورقية، واليوم يخاف أن يفقد كلمة المرور.

أعرف أن هناك من سيقول إن التكنولوجيا نعمة وأنا أوافقه تماماً لكنها تصبح خطرا حين تجعل الإنسان آلة بلا روح.

المشكلة ليست في الهاتف بل في الإنسان الذي سمح للهاتف أن يسرق عمره بهدوء.

هناك جيل كامل اليوم يعرف كيف يفتح ألف تطبيق لكنه لا يعرف كيف يغلق القلق داخل قلبه.

جيل يستطيع تصوير الطعام بدقة لكنه لا يعرف كيف يشكر الله على النعمة.. جيل يحفظ أسماء المشاهير لكنه لا يعرف أسماء جيرانه، وأخطر ما أشعر به أننا بدأنا نربط قيمة الإنسان بعدد المتابعين لا بعدد المواقف النبيلة أصبح البعض مشهورا، لأنه يصرخ أكثر لا لأنه يفكر أكثر. أنا لا أكتب هذا الكلام لأهاجم جيلي، فأنا واحدة منهم، لكنني أكتب لأنني أؤمن بأن جيلي قادر أن ينقذ نفسه قبل أن يتحول إلى نسخة إلكترونية بلا مشاعر.

العلماء اخترعوا الذكاء الاصطناعي لكنهم حتى اليوم لم يخترعوا جهازا يستطيع أن يمنح الإنسان ضميراً.. ولهذا أعتقد أن المستقبل لن يكون للأذكى فقط بل للأكثر أخلاقاً.. قد تبني التكنولوجيا مدنا ضخمة لكنها لا تستطيع بناء إنسان محترم.. وقد تصنع الروبوتات أعمالا مذهلة لكنها لا تستطيع أن تصنع رحمة أم.. أو شهامة أب.. أو وفاء صديق..

أحياناً أشعر أن العالم لا يحتاج تحديثا للهواتف بقدر ما يحتاج تحديثا للقلوب، لأن الحضارة الحقيقية ليست أن يعيش الإنسان وسط الشاشات، بل أن يبقى إنسانا رغم كل الشاشات.

مساحة إعلانية