رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله بندر العتيبي

• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

159

د. عبدالله بندر العتيبي

حين تتحول المضائق إلى أوراق قوة

19 مايو 2026 , 02:38ص

لم يعد العالم يُدار فقط من العواصم الكبرى، بل من الممرات الضيقة. فبين مضيق هرمز ومضيق تايوان تتكثف اليوم أحد أهم صور الصراع الدولي: الجغرافيا حين تتحول من ممر للتجارة إلى أداة ضغط، ومن مساحة عبور إلى اختبار للقوة والنفوذ والهيبة.

تصريحات الرئيس الصيني شي جين بينغ حول تايوان لم تكن تفصيلاً عابراً في العلاقات الصينية–الأمريكية. حين تؤكد بكين أن قضية تايوان هي المسألة الأكثر حساسية في علاقتها مع واشنطن، وأن سوء التعامل معها قد يقود إلى صدام أو صراع، فهي لا تتحدث عن جزيرة فقط، بل عن حدود النفوذ الأمريكي في آسيا، وعن قدرة الصين على منع تحويل محيطها البحري إلى منصة ضغط إستراتيجية عليها.

في المقابل، يبدو مضيق هرمز كأنه المرآة المقابلة لمضيق تايوان. الصين، التي ترفض التدخل الأمريكي في تايوان باسم السيادة، تطالب في هرمز بحرية الملاحة وعدم فرض القيود أو الرسوم أو السيطرة العسكرية، لأن أمن الطاقة الصيني، مثل أمن الاقتصاد العالمي، يمر من هذا الشريان الحيوي. هنا تظهر المفارقة الكبرى: القوى الكبرى لا تتعامل مع المبادئ بوصفها قواعد ثابتة، بل بوصفها أدوات قابلة للتكييف حسب الموقع والمصلحة.

حرية الملاحة تصبح مبدأ أساسياً عندما تتعلق بالطاقة والتجارة العالمية، لكنها تتحول إلى مسألة سيادة وأمن قومي عندما تقترب من المجال الحيوي المباشر لدولة كبرى. الولايات المتحدة تفعل ذلك، والصين تفعل ذلك أيضاً. كل قوة تحاول أن تجعل القانون الدولي يعمل لصالح روايتها، وأن تقدم مصالحها الخاصة باعتبارها مصلحة عالمية عامة. ولذلك فإن الصراع لا يدور فقط حول من يملك السفن أو القواعد العسكرية، بل حول من يملك القدرة على تعريف القواعد نفسها.

بالنسبة للخليج، لا يجب أن تُقرأ أزمة هرمز كأزمة إيرانية–أمريكية فقط، ولا كأزمة طاقة عابرة. ما يحدث أعمق من ذلك. الخليج يجد نفسه في قلب معادلة عالمية تتحرك بين واشنطن وبكين وطهران وتايوان. فإذا كان مضيق تايوان يختبر توازن القوة في شرق آسيا، فإن مضيق هرمز يختبر توازن الطاقة في العالم. وفي الحالتين، تصبح الممرات البحرية ساحات تفاوض غير معلنة بين القوى الكبرى.

المشكلة أن دول الخليج هي الأكثر تعرضاً لكلفة هذا التحول. فحين يُهدد هرمز، لا تتضرر الأسواق فقط، بل تتأثر موانئ الخليج، وتأمين السفن، وسلاسل الإمداد، وأسعار الطاقة، وثقة المستثمرين، وصورة الاستقرار الإقليمي. كما أن أي اضطراب في هذا المضيق لا يبقى محصوراً في حدود المنطقة، بل ينتقل سريعاً إلى الاقتصاد العالمي، وإلى حسابات التضخم، وأسعار الشحن، وأمن الطاقة في آسيا وأوروبا.

لذلك لا يكفي أن ينتظر الخليج تفاهمات الكبار حول مصيره البحري. المطلوب هو الانتقال من منطق الاعتماد على الحماية إلى منطق بناء القدرة: أمن بحري خليجي أكثر تنسيقاً، بدائل تصدير أكثر مرونة، مخزون استراتيجي، ودبلوماسية نشطة مع واشنطن وبكين في الوقت نفسه. فالقوة الخليجية اليوم لا تقاس فقط بحجم الطاقة التي تصدرها، بل بقدرتها على حماية مساراتها، وتنويع خياراتها، ومنع الآخرين من تحويل أمنها إلى ورقة تفاوض.

إن أهم درس في هذه اللحظة أن المضائق لم تعد جغرافيا صامتة. إنها سياسة مضغوطة في مساحات ضيقة. ومن لا يملك رؤية واضحة لحماية ممراته، قد يجد نفسه جزءاً من لعبة أكبر من حدوده. هرمز وتايوان ليسا ملفين منفصلين؛ إنهما عنوانان لعالم جديد تتحكم فيه الممرات بقدر ما تتحكم فيه الجيوش والأسواق.

اقرأ المزيد

alsharq مغازل الغيب !

يقف السائر في دروب الحياة مأخوذاً ببريق الغايات، يسابق خطاه نحو أمنية رسمها في خياله، فإذا بالمسير ينتهي... اقرأ المزيد

168

| 19 مايو 2026

alsharq الحكومة الذكية.. تميز وابتكار وكفاءة وفاعلية

انطلاقا من الأولوية التي تضعها الدولة لبناء منظومة حكومية رقمية متميزة قادرة على تقديم أفضل الخدمات بكفاءة وفاعلية،... اقرأ المزيد

93

| 19 مايو 2026

alsharq المواطنة.. من مفهوم قانوني إلى وعي حضاري

في عالم تتسارع فيه التحولات الفكرية والاجتماعية والثقافية، لم تعد المواطنة مفهومًا يُختزل في حمل جنسية أو معرفة... اقرأ المزيد

231

| 18 مايو 2026

مساحة إعلانية