رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله بندر العتيبي

• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

438

د. عبدالله بندر العتيبي

لا حرب ولا سلام

04 مايو 2026 , 11:32م

لم تعد المنطقة تُفهم اليوم عبر ثنائية الحرب والسلام، ما نعيشه هو حالة ثالثة أكثر تعقيداً: اللاسلم واللاحرب. هذه حالة لا تُحسم فيها الصراعات، ولا تُغلق فيها الأزمات، بل تُدار ضمن سقف محسوب من التوتر. هذه ليست مرحلة عابرة، بل نمط مستقر نسبياً لإدارة الصراع، يعكس تحولاً عميقاً في سلوك الدول وأدواتها.

في هذا النمط، لم يعد الهدف الانتصار الحاسم، بل التحكم في مسار الأزمة. الفاعلون الرئيسيون لا يسعون إلى إنهاء الصراع بقدر ما يسعون إلى توجيهه، ضبط إيقاعه، ومنع خروجه عن السيطرة. لذلك، نشهد مزيجاً متكرراً من التصعيد المحدود والاحتواء السريع: ضربات محسوبة، رسائل عسكرية دقيقة، تحركات دبلوماسية موازية، ثم عودة إلى حالة من التوتر المنخفض.

هذا التحول يعكس إعادة تعريف جوهرية لمفهوم الردع. الردع لم يعد قائماً على التهديد بالحرب الشاملة، بل على القدرة على استخدام القوة دون الوصول إلى الحرب. بمعنى آخر، القوة لم تعد أداة للحسم، بل أداة للتواصل. الضربة العسكرية تُستخدم لإرسال رسالة، لا لفتح جبهة. والتصعيد يُوظف لخلق شروط تفاوض أفضل، لا لكسر الخصم بالكامل.

خذ مثالا التحركات في مضيق هرمز، هذا الممر لم يعد فقط شرياناً للطاقة العالمية، بل أصبح مساحة لإعادة رسم حدود الردع، الوجود العسكري، الدوريات، وحتى الحوادث المحدودة، كلها تُدار بعناية لتبقى ضمن منطقة آمنة من التصعيد حيث يتم اختبار الخطوط الحمراء دون تجاوزها.

على المستوى الدولي، تحاول الولايات المتحدة إدارة التوتر بما يتوافق مع أولوياتها الأوسع، خاصة تجنب الانخراط في حرب طويلة في لحظة تشهد تحولات عالمية أكبر. في المقابل، تسعى إيران إلى استثمار هذه اللحظة لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك، عبر مراكمة الضغط دون الوصول إلى مواجهة مباشرة شاملة.

أما إقليمياً، فلم يعد هناك تصور واضح لأمن جماعي صلب، بل نشهد نمطاً من التنسيق المرن مع استقلالية عالية. الدول تتحرك ضمن شبكة من العلاقات المتقاطعة، تجمع بين التعاون والتنافس في آن واحد. هذا لا يعني غياب التنسيق، بل يعني أنه أصبح انتقائياً ومصلحياً أكثر من كونه بنيوياً.

في هذا السياق، تبرز أدوار الدول الأخرى في المنطقة التي تتعامل مع هذا الواقع عبر استراتيجيات مرنة تقوم على تعدد القنوات والانفتاح على جميع الأطراف. هنا، تتحول الوساطة والدبلوماسية إلى أدوات أساسية لإدارة المخاطر، ليس عبر إنهاء الأزمات، بل عبر منعها من الانفجار. هذه الأدوار لا تُغير طبيعة الصراع، لكنها تُسهم في إبقائه ضمن حدود قابلة للاحتواء.

لكن هذا النموذج يحمل في داخله مفارقة أساسية. فهو من جهة يوفر استقرارا هشا يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة لكنه من جهة أخرى يعتمد بشكل كبير على دقة الحسابات. أي خطأ في التقدير، أو سوء قراءة لنوايا الطرف الآخر، قد يؤدي إلى تصعيد غير مقصود يخرج عن السيطرة. بمعنى آخر، الاستقرار هنا ليس نتيجة توازن راسخ، بل نتيجة إدارة مستمرة للتوتر.

الأهم من ذلك أن هذه الحالة تعيد تعريف مفهوم الأمن ذاته. الأمن لم يعد يعني غياب التهديد، بل القدرة على العيش مع التهديد وإدارته بفعالية. وهذا يتطلب أدوات مختلفة: مرونة استراتيجية، تنويع في الشراكات، وقنوات اتصال مفتوحة حتى في ذروة التوتر.

في النهاية، نحن لا نعيش لحظة انتظار بين حرب وسلام، بل نعيش داخل نموذج جديد من التفاعلات الإقليمية. اللاسلم واللاحرب ليست فراغاً بين حالتين، بل هي الحالة بحد ذاتها. حالة تُدار فيها الصراعات بهدوء، وتُبنى فيها التوازنات تدريجياً، دون إعلان صريح، ولكن بنتائج ستعيد تشكيل ملامح المنطقة على المدى الطويل.

اقرأ المزيد

alsharq حين يصبح الكتاب بابا للحرية

لا تتأطر القراءة في حياة المرأة في مجرد عادة ثقافية أو ترف فكري، ولكنها تصبح مدخلا فسيحا نحو... اقرأ المزيد

129

| 08 مايو 2026

alsharq تأثير وسائل التواصل على استقرار الأسرة

أصبحت الآثار النفسية الناتجة عن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي من أبرز التحديات التي تواجه الأسرة القطرية في... اقرأ المزيد

96

| 08 مايو 2026

alsharq تكامل لا تفاضل فيه

إلى نسخةٍ قديمةٍ منّي، كانت تقفُ بعيدًا على حافةِ التجربةِ ترتجف، لا خوفًا من تبعاتها، بل من انكشافها... اقرأ المزيد

75

| 08 مايو 2026

مساحة إعلانية