رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

246

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

إشكالية الهوية

10 مايو 2026 , 02:44ص

عقد مجلس الشورى يوم الإثنين الفائت الموافق ٤ مايو ٢٠٢٦م جلسته الأسبوعية العادية في «قاعة تميم بن حمد» بمقر المجلس، برئاسة سعادة السيد حسن بن عبدالله الغانم، رئيس المجلس والتي كانت بعنوان «تعزيز التنشئة الوالدية والتماسك الأسري». والذي أشار إلى المتغيرات المتسارعة والتي يشهدها المجتمع، مما يضاعف حجم المسؤولية على جميع من في هذه الأرض، الأمر الذي يستدعي تضافر الجهود وتطوير الأدوات التشريعية والتربوية، بما يضمن استقرار الأسرة ويعزز قدرتها على القيام بدورها المحوري في تنشئة الأبناء وحمايتهم. كما بين سعادة الدكتور سلطان بن حسن الضابت الدوسري، رئيس لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل والإسكان، خلال عرضه لما تضمنه التقرير، إلى أن اللجنة عقدت (12) اجتماعًا لدراسة الموضوع، تناولت خلالها أهمية تعزيز دور الوالدين في تنشئة الأبناء، والحد من الاعتماد المفرط على العمالة المنزلية، وترشيد استخدام التكنولوجيا لدى الأطفال، إلى جانب تعزيز المشاركة الأسرية في العملية التعليمية.

من المفارقات العجيبة والتي شهدها التعليم في منطقتنا خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين (الثمانينيات والتسعينيات) كانت المناهج العربية تتميز بقوة المحتوى النظري؛ فبالرغم من «دسامة» المحتوى العلمي وقوته الأكاديمية في ذلك الوقت، إلا أن المخرجات لم تكن دائماً تتناسب مع هذا الزخم. كان الطالب «موسوعة متنقلة»، لكنه يفتقر لمهارات التفكير النقدي وحل المشكلات، وهي المهارات التي تميز المنهج الغربي.

ولكن يُطرح اليوم تساؤل جوهري يمس عمق البناء المعرفي للطفل العربي: عن المدارس الخاصة: فهل هي جسور معرفية أم فخاخ لاغتراب الهوية؟ لماذا يبدو الطفل العربي في بيئته التعليمية الأصيلة «أكثر ذكاءً وقدرة تعبيرية» من نظيره الأجنبي عند سن السابعة؟ الإجابة لا تكمن في الجينات، بل في «المخزون اللغوي» الهائل الذي تمنحه اللغة العربية الفصحى. تشير الدراسات والمقارنات إلى أن الطفل العربي الذي ينشأ على قراءة القرآن الكريم والاطلاع على أمهات المتون كـ «ألفية ابن مالك»، يمتلك ثروة لغوية تتجاوز 70 ألف كلمة. وبالمقارنة، نجد أن اللغة الإنجليزية المستخدمة يومياً تدور في فلك 16 ألف كلمة. هذا الفارق الشاسع يمنح الطفل العربي قدرة فائقة على التعبير عن ذاته وفهم أعقد الظواهر المحيطة به، مما ينمي لديه ملكات ذهنية مبكرة.

تُعاني المنظومات التعليمية في العديد من الدول العربية من فجوة عميقة تتمثل في «ركاكة المناهج» التي لا تزال رهينة الحفظ والتلقين، مقارنةً بالمناهج الغربية المستوردة التي تركز على مهارات التفكير النقدي والابتكار والتحليل. وبينما تعتمد المناهج المحلية على حشو المعلومات وتكديس الكم المعرفي دون مراعاة لآليات التطبيق العملي، تبرز أزمة «ندرة النوع» في مقابل «وفرة الطلب»؛ حيث يتزايد عدد الطلاب الباحثين عن تعليم عصري يؤهلهم لسوق العمل العالمي، بينما يظل العرض التعليمي المتاح قاصراً عن تلبية هذه التطلعات النوعية. هذا الاختلال بين المنهج التقليدي المتهالك والمتطلبات المعاصرة أدى إلى هجرة العقول نحو المدارس والجامعات الدولية، مما يعمق الفوارق الطبقية التعليمية ويجعل من إصلاح «المحتوى» لا «الأوعية» ضرورة حتمية للنهوض بالواقع العربي.

في الثمانينيات والتسعينيات، كانت الأم هي المصدر الأساسي والوحيد تقريباً لتشكيل وعي الطفل. مع غياب «المنافسين» (مثل التكنولوجيا أو المناهج الأجنبية المكثفة أو العمالة المنزلية) جعل الهوية العربية تنتقل بسلاسة عبر اللغة، القصص، العادات، والدين. كان هناك «وحدة في المصدر التوجيهي»، مما خلق جيلاً متصالحاً مع هويته الوطنية. في تلك الحقبة، حتى لو عملت الأم، كان دور الجدة أو الخالة لا يزال قوياً. هذا «الفيض» في الرعاية الأسرية عوض النقص في النوعية التعليمية التي تحدثنا عنها سابقاً. الأسرة كانت تقوم بدور «المؤسسة الرديفة» للمدرسة، فكانت ترمم ما يفسده ضعف المناهج أو ركاكة الأسلوب التعليمي. اليوم، يواجه الطفل العربي «تغريباً» قسرياً منذ الرضاعة عبر الأجهزة الذكية أو المربيات الأجنبيات، وهو ما لم يكن موجوداً في تلك الحقبة. كانت الأم هي «الفلتر» الذي يمر عبره كل ما يدخل لعقل الطفل؛ لذا، حتى لو كان المنهج الدراسي ضعيفاً، كانت الهوية المستمدة من المنزل قوية بما يكفي لتشكيل شخصية متزنة. ونتيجة الفراغ الذي ملأه الغريب مع خروج الأم للعمل بشكل مكثف دون وجود «بدائل وطنية» (مثل حضانات بجودة عالية أو أنظمة عمل مرنة أو عائلة ممتدة تقوم دور الأم والأب)، حدث فراغ تربوي. هذا الفراغ لم يُترك هباءً، بل ملأه؛ العمالة المنزلية التي أدخلت لغات وثقافات مغايرة في قلب البيت العربي. بالإضافة للمناهج الدولية التي قدمت «الجودة التعليمية» لكن على حساب «الخصوصية الثقافية الإسلامية والوطنية».

نحن اليوم نحاول استعادة ذلك التماسك الذي كان موجوداً «بالفطرة» في الماضي، لكن عبر «التشريعات» والسياسات المنظمة، لنجمع بين ضرورة التنمية الاقتصادية (عمل المرأة) وحتمية الاستقرار الأسري (الهوية).

مساحة إعلانية