رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نجوى سعيد سرور

مساحة إعلانية

مقالات

69

نجوى سعيد سرور

كيف نفقد أطفالنا رقميا؟

03 أبريل 2026 , 05:12ص

في زمن تتداخل فيه حدود الحضور والغياب، تظن أسر كثيرة أن الخطر القادم من الشاشات يقتصر على تأثيراتها الفيزيائية أو ما تسببه من تشتت للانتباه. غير أن الأثر الأعمق يقع في منطقة أكثر هشاشة: المنطقة العاطفية التي تربط الكبار بالصغار.

الطفل الذي يعتاد أن يلجأ إلى الهاتف كلما احتاج إلى الطمأنينة أو التسلية، يعيد برمجة غرائزه تدريجيًّا. لم يعد الأبوان الملاذ الطبيعي، بل أصبحت خوارزميات لا تعرف شيئًا عن مشاعره هي ما تمنحه ما يبحث عنه. هنا تبدأ مرحلة تفكك لا تُسمع فيها أصوات الانفجار، لكنها تحصد في النهاية أغلى ما نملك: القرب الحقيقي.

في مراحل الطفولة المبكرة، تشكل الأسرة الإطار الوحيد الذي يفهم الطفل من خلاله العالم. كل معلومة، كل متعة، كل تفسير لسؤال «لماذا» تمر عبر الأبوين. لكن حين يُستخدم الجهاز الرقمي كأداة سريعة لإنهاء نوبة بكاء أو ملل، يُزرع في ذهن الطفل أن مصدر الحلول لا يقع داخل المنزل بل خارجه.

يمر الوقت، وتترسخ هذه المعادلة. تصبح أصوات المبدعين على المنصات الرقمية، أو حتى الرسوم المتحركة، أكثر قربًا إلى تفاصيل حياة الطفل من أصوات والديه. لا يحدث هذا لأن المحتوى الرقمي أفضل بطبيعته، بل لأن التكرار خلق عادة، والعادة حوَّلت السلطة المعرفية والعاطفية إلى جهات لا تربطها بالطفل أي رابطة حقيقية.

ثمة فرق شاسع بين التفاعل مع الشاشة والتفاعل مع إنسان. الحضن الذي يبدو فعلًا بسيطًا هو في حقيقته مختبر متكامل يتعلم فيه الطفل كيف يُقرأ الآخر، كيف تُفهم المشاعر من نبرة الصوت، كيف يُمنح الأمان ويُستقبل. حين يتغيب هذا المختبر لصالح شاشة باردة، تفقد الأجيال الصاعدة عضلاتها الإنسانية.

قد نجد أطفالًا بمهارات تقنية فائقة، قادرين على التنقل بين التطبيقات ببراعة، لكنهم أمام موقف إنساني بسيط-كمواساة صديق أو قراءة انزعاج الأم- يقفون عاجزين. لم يفقدوا الذكاء، لكنهم فقدوا القدرة على استخدامه في أكثر المجالات حاجة: بناء جسور حقيقية مع من حولهم.

يظن كثيرون أن الطفل الذي يمسك بالهاتف هادئا هو طفل في حالة سلام. لكن هذا السكون غالبًا ما يكون أقرب إلى الغياب عنه حضور. الطفل ليس مطمئنًّا بقدر ما هو محتجز في فضاء رقمي صممه آخرون ليجذب انتباهه.

عندما يُرفع الجهاز فجأة، يظهر وجه آخر: توتر، صراخ، عدم قدرة على تنظيم المشاعر. ليس هذا مجرد «إدمان» بالمعنى التقليدي، بل هو انعكاس لحقيقة أعمق. الرابط الذي كان يربط الطفل بشعور الاستقرار لم يعد موصولًا بوالديه، بل بذلك الجهاز. وقد يكون الأوان قد فات لاستعادته.

عزلة تحت سقف واحد

من المفارقات القاسية أن أكثر أشكال الوحدة قسوة تحدث في بيوت مزدحمة بالأشخاص. عندما يجلس الأهل والأطفال في غرفة واحدة، وكل مشغول بشاشته الخاصة، يتحقق ما يمكن وصفه باليتم الوظيفي. هناك سقف، هناك طعام، هناك وجود جسدي، لكن لا وجود عاطفي حقيقي.

في الجهة المقابلة، ثمة فريق من المصممين والمطورين يعملون على جذب انتباه هذا الطفل، يفهمون مفاتيح فضوله، ويمنحونه ما يريد في اللحظة التي يريده. بينما المربي المنهك، الذي استخدم الجهاز ليكسب دقائق من الهدوء، يدفع ثمنًا لا يظهر في الميزان اليومي: خسارة فرصة بناء ذكريات مشتركة مع طفله، تلك الذكريات التي ستتحول لاحقًا إلى أساس العلاقة بينهما.

لا يحتاج الجيل الجديد إلى تحديث تقني آخر، بل يحتاج إلى حضور لا يُقاطع. الهاتف قد يكون حلاً آنيًّا للحظات الإرهاق، لكن ثمنه يؤجل إلى سنوات قادمة حين يكتشف الأبوان أن المسافة بينهما وبين ابنهما أصبحت أكبر مما كانا يتصوران.

ربما آن الأوان لإعادة ترتيب الأولويات، وإدراك أن أكثر الشاشات تأثيرًا في حياة الطفل هي تلك التي يراها في عيون والديه حين ينظران إليه بحب، والحضن الذي يقرأ من خلاله لغة العالم قبل أن يتعلم أي لغة أخرى.

مساحة إعلانية