رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عرض محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني الأسبق (2013- 2021) ونائب الرئيس الإيراني قبل استقالته (ويجب الإشارة إلى ثقافة ظريف بأنه مخضرم ومطلع على الثقافة الأمريكية بشكل ملفت وعمل في بعثة إيران في الأمم المتحدة) في مقال رأي نشرته دورية Foreign Affairs الأمريكية المرموقة (يتابعها صناع القرار والمفكرون والأكاديميون)، قدم مقترح «الصفقة الكبرى»
“End the War: A Deal Tehran Could Take”
«أنهوا الحرب: صفقة يمكن لإيران قبولها». تقدم مبادرة ظريف بُعداً براغماتياً عملياً يمكن البناء عليه. ويحاجج في مقالته: «لم تبدأ إيران الحرب مع الولايات المتحدة وإيران». وبعد شهر من الحرب من الواضح أن إيران تحقق انتصارات. أمضت الولايات المتحدة وإسرائيل القصف بشكل متزايد قتل الآلاف ودمروا مئات المباني والأهداف العسكرية والمدنية والصناعية، بهدف إسقاط النظام. لكن إيران صمدت وتملك اليد العليا في الحرب، وفشلوا بإسقاط النظام. بينما باتوا في مستنقع بلا إستراتيجية خروج. وينتقد عدم انتقاد المنظمات الدولية جرائم الحرب الأمريكية بقتل 170 طالبة في مدرسة في يوم الحرب الأول.
يُقدّم ظريف عدة نقاط بارزة تستجيب لبعض شروط ترامب الخمسة عشر عبر الوسطاء وخاصة الوسيط الباكستاني. رفضتها إيران بالمجمل برغم عدم وجود أي مفاوضات بقدر تبادل رسائل كما اعترف وزير الخارجية الإيراني في مقابلة مع قناة الجزيرة.
صفقة ظريف تبرر تقديم مطالب متبادلة لإنهاء الحرب بالحد من تخصيب اليورانيوم وفتح مضيق هرمز مقابل رفع العقوبات وإدماج إيران بالاقتصاد العالمي وتوقيع معاهدة عدم اعتداء مع الولايات المتحدة. تتضمن صفقة ظريف نقاطا تُلخص بتقديم «تنازلات بطولية»- كما وصفها المرشد الأعلى علي خامنئي لتبرير موافقته على التفاوض مع «الشيطان الأكبر» للتوصل لاتفاق نووي عام 2015. وبناء الثقة مع الأطراف المعنية بالتخلي عن مشروع عسكرة برنامج إيران النووي إلى الأبد عن السعي للحصول على القدرات النووية العسكرية وعسكرة برنامجها النووي وفتح مضيق هرمز.
تقترح بنود صفقة ظريف: التزام إيران بالامتناع نهائيا عن تطوير قدرات نووية عسكرية، وتوافق على خفض نسبة التخصيب من 60 % حاليا إلى 3.67 % كما كانت عليه النسبة في الاتفاق النووي الذي صادقت عليه الدول الخمس الكبرى وألمانيا مع إيران عام 2015، والذي كان ظريف المفاوض الرئيسي في الاتفاق النووي، وذلك قبل أن ينسحب ترامب من الاتفاق، إدارة الرئيس ترامب في مايو 2018-وفرض أقصى العقوبات بتحريض من نتنياهو. توافق إيران على تقديم تعهد إيراني بعدم امتلاك السلاح النووي. كما أن الموقف الإيراني الرسمي يرفض صفر تخصيب لليورانيوم ووضع قيود على مديات الصواريخ البالستية بعيدة المدى والعلاقة مع وكلائها في المنطقة.
ولطمأنة أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، يقترح ظريف موافقة إيران التي تتحكم بمضيق هرمز على فتحه، وبسلامة وحرية وعودة الملاحة لحالتها الطبيعية قبل الحرب. مقابل ذلك تطالب إيران برفع العقوبات المفروضة من الولايات المتحدة والعقوبات الأوروبية وإعادة إدماج إيران بالاقتصاد والتجارة العالمية بما فيها عودة إيران لتصدير النفط. وتقديم تعهد بعدم شن أي اعتداء على إيران في المستقبل. والاتفاق على ترتيبات بدفع تعويضات للمدنيين المتضررين وإعادة إعمار ما دمرته الحرب في إيران.
لكن ما يؤخذ على هذه المبادرة الأولى من نوعها، أنها ليست مبادرة رسمية مقدمة من صناع القرار في إيران، حتى تؤخذ على محمل الجد من الأمريكيين للتعامل معها بجدية واهتمام. خاصة أن ظريف لا يحتل أي منصب رسمي يؤهله للحديث باسم النظام الإيراني..
ويعلم الجميع أن صاحب القرار الفصل في هذه الملفات المهمة هو المرشد الأعلى مجتبى خامنئي- والذي لم يظهر إلى العلن منذ بداية الحرب على إيران وخاصة منذ تنصيبه رئيسا منذ حوالي الشهر. برغم إلقاء خطابين نيابة عنه بعد اختياره المرشد الأعلى والثاني بمناسبة عيد الفطر وعيد النيروز قبل أسبوعين.
والتحدي يكمن في السعي لبناء مبادرة ظريف الثقة، وترد على مطالب السقف العالي الأمريكية بصفر تخصيب والتنازل عن 440 كلغ يورانيوم مخصب بنسبة 60 %، وتقييد مديات صواريخ إيران بعيدة المدى، ووقف دعم وإسناد وتمويل حلفائها وأذرعها في المنطقة. ودفع الرئيس ترامب ليتراجع عن تنفيذ تهديده الذي يكرره بعزمه إعادة إيران إلى العصر الحجري في حال رفضت إيران شروطه ومطالبه التعجيزية!!
واضح تواجه مبادرة ظريف تحديات بارزة ففيما يقدم ظريف مبادرة براغماتية تعتمد على تقديم تنازلات وحلول وسط وتراجع إيران عن برنامجها النووي وفتح مضيق هرمز، تصطدم المبادرة بتعنت وتصعيد ولغة الإكراه من الرئيس ترامب ومن نتنياهو. ولذلك تبقى مهلة تهديد الرئيس ترامب بما تحمله من تجاوزات وعقاب جماعي للمدنيين ورقة ضغط بقصف المنشآت المدنية ومحطات الكهرباء في حال لم تستجب وتوافق إيران لمطالبه الخمسة عشر.
علينا في دول مجلس التعاون الخليجي النظر والتعامل مع مبادرة ظريف كمنطلق وأرضية للبناء عليها. علَّق معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني على المبادرة في تغريدة: تقدم المبادرة «مخرجًا حقيقيًا للأزمة الحالية. لكن المشكلة ليست في الفكرة، بل في الجرأة على إعلانها وتبنيها». فيما يُمسك الجناح المتشدد في إيران بالقرار. ووصف أمين عام مجلس التعاون الخليجي عدوان إيران على دولنا بأنه «تجاوز كل الخطوط الحمراء».
أهمية تبني المبادرة الدفع للتهدئة، وإعادة فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة - ووقف العدوان الإيراني على دولنا الخليجية بالصواريخ والمسيرات، ومنع توسيع الحرب إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وهذا يحتاج للانخراط بدبلوماسية وساطات. لكن من سيقوم بها نظراً للغدر المتكرر وغياب الثقة؟!!
أما إسرائيل فكعادتها، وبعد الفشل بإسقاط النظام تبقى المخرّب الأول، وتواصل الدفع لإفشال مبادرات وقف الحرب حتى تحقق أهدافها بزعزعة وإنهاك النظام الإيراني.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تزايد شكاوى المعلمين وأساتذة الجامعات من سطحية بعض الطلاب وضعف قدرتهم على التحليل، بل وقلة اهتمامهم بالشأن العام وغياب الحس بالمسؤولية المجتمعية. وهذه الظاهرة لا يمكن إلقاء اللوم بها على المناهج أو أساليب التدريس، بل ترتبط بشكل كبير بغياب المتابعة الأسرية وانشغال الوالدين أو اعتمادهم الكامل على المؤسسات التعليمية لتأدية دور الوالدين أو توكيل الخدم بكل ما سبق، وهذه طامة أخرى سنأتي عليها لاحقًا. هل يُعقل أن طالبًا جامعيًا لا يعرف من وزير خارجية بلاده؟! وكم هي مساحة الدولة التي يعيش فيها؟! بل أكثر من ذلك، ففي مثل هذه الأيام التي تمر فيها المنطقة في صراع إقليمي وحرب تُغيّر خريطة العالم وتحالفاته وتقلب طاولة الاقتصاد رأسًا على عقب، هو لا يعرف من وكيف ولماذا، وهل هو مع أو ضد توجه معين أو رأي بلاده من كل هذا؟! وبسبب ما سبق عملنا مع بعض الزملاء مسحًا سريعًا للبحث عن هذه الأسباب، فتبيّن أن الأم والأب يقضيان أكثر من ٤ ساعات يوميًا على الهاتف بين برامج التواصل الاجتماعي بما لا ينفع بل بما يضر أحيانًا، ولم نحسب ساعات متابعة الأفلام والمسلسلات ضمن هذا. إن مسؤولية تربية الأبناء لا يمكن تفويضها أو التهرب منها. فتربية الأبناء ليست ما تنتجه المدارس أو المعاهد أو الجامعات، بل هم انعكاس لبيئة كاملة تبدأ بالأسرة. وإذا أردنا جيلًا واعيًا مثقفًا وقادرًا على تحمل مسؤولياته فعلينا أن نعيد الاعتبار لدور الوالدين، وأن ندرك أن التربية الحقيقية تُبنى في البيت أولًا ثم تُستكمل في بقية مؤسسات المجتمع. لأن التربية ليست مهمةً يمكن اختصارها في مؤسسة واحدة أو جهة رسمية بعينها. ومن هنا فإن إلقاء المسؤولية على وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بمستوى الأبناء الفكري والسلوكي والثقافي، هو طرحٌ ناقص يُغفل الدور الجوهري الذي يقع على عاتق الوالدين أولًا ثم بقية مكونات المجتمع. الأسرة هي النواة الأولى التي تتكون فيها شخصية الطفل، وهي البيئة التي يتعلم فيها القيم الأساسية والدينية قبل أن يتعلم الحروف والأرقام. في البيت يتعلم الأبناء معنى المسؤولية واحترام الوقت وأهمية المعرفة والقدرة على الحوار. فإذا نشأ الطفل في بيئة تشجعه على التساؤل وتمنحه مساحة للتعبير وتعطيه قدرًا من الثقة والشعور بالمصداقية وتتابع اهتماماته الدراسية والثقافية، فإنه يدخل المدرسة والجامعة وهو يحمل أدوات التفكير والفهم لا مجرد قابلية للحفظ والتلقين. أما إذا غاب هذا الدور فإننا نجد أنفسنا أمام طالب يفتقر إلى الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء. فحين يجلس الأب أو الأم مع الأبناء لمناقشة حدثٍ ما أو كتابٍ قرأوه أو فكرةٍ سمعوها، فإنهم يزرعون فيهم بذور التفكير النقدي، ويعلمونهم كيف يكونون جزءًا من مجتمعهم لا مجرد متفرجين عليه، كما أن للشارع والأصدقاء دورًا لا يقل أهمية، فهم يشكلون جزءًا من البيئة التي يتفاعل معها الأبناء يوميًا. لذلك فإن اختيار الصحبة الصالحة، وتوجيه الأبناء نحو الأنشطة المفيدة، ومتابعة سلوكهم خارج المنزل، كلها أمور تقع ضمن مسؤولية الوالدين. إضافة إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة المختلفة تتحمل دورًا تكامليًا في تعزيز القيم الثقافية والاجتماعية من خلال تقديم محتوى هادف، وخلق بيئات داعمة للنمو الفكري. إن التربية مشروعٌ مشترك تتكامل فيه الأدوار ولا تتقاطع. فوزارة التربية والتعليم تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم العملية التعليمية وتوفير المناهج والتربية كذلك، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وعيًا أو تبني شخصية متكاملة. هذا الدور يبدأ من البيت حيث تتشكل القيم ويتأسس الفكر ويتعلم الأبناء أين يقفون في هذا العالم المتغير من حولهم.
3168
| 22 أبريل 2026
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
1548
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1041
| 24 أبريل 2026