رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شاركت خلال الأسبوعين الماضيين بتسجيل سلسلة 10 حلقات "بودكاست نبراس" القطرية ضمن برنامج "مع الشايجي"، شاكرا دعوة القائمين على البودكاست المميز، يتجاوز عدد المشتركين فيه مليون مشترك، وسعدت بعدد مشاهدات حلقاتي في البودكاست.
شرحت وحللت في حلقة تاريخ العلاقات المرتبكة بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، ومعضلة العلاقة مع الدول الكبيرة. متتبعا العلاقات منذ أيام محمد مصدق في خمسينيات القرن الماضي وإسقاط حكومته وإعادة حكم الشاه وبدء قائمة طويلة من المظالم الإيرانية تجاه الولايات المتحدة. والتي لا يمكن أن نفهم انعكاسات وتداعيات تلك الأحداث على واقع علاقتنا اليوم مع إيران دون العودة لتاريخ تلك العلاقات المرتكزة على مظلومية.
قدمت في "بودكاست نبراس" دحضاً للسردية الإيرانية لتبرير استهدافها وقصفها اليومي طوال أيام الحرب الأربعين، وحتى بعد التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار الذي استمر ليومين بعد إعلان هدنة الأسبوعين التي أعلنها الرئيس ترامب وتنتهي في 22 أبريل. استمرت إيران بقصف الأهداف الحيوية في دول مجلس التعاون الخليجي، وإن بنسب متفاوتة بين دولة وأخرى.
تقدم إيران تبريرا أجوف بأن الاعتداءات الأمريكية على إيران تنطلق من القواعد العسكرية الأمريكية في دول مجلس التعاون. وأن من حق إيران عملا بالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة قصف القواعد العسكرية الأمريكية في الدول التي تنطلق منها الاعتداءات. وأن إيران تقصف القواعد العسكرية الأمريكية وليس الدول الخليجية. طبعا تلك الادعاءات باطلة وتخالف الواقع، خاصة أن الاتفاقيات الأمنية مع الولايات المتحدة لا تلزم الولايات المتحدة بالدفاع عن الدول الخليجية بالتحديد. لأنها ليست معاهدات ملزمة حسب الدستور الأمريكي، بل تخضع لتقييم الرئيس ومجلس الأمن الوطني الأمريكي.
وللتذكير، لم يكن هناك وجود لقاعدة أمريكية أو سوفيتية واحدة أثناء الحرب الباردة (1947-1991) بين الولايات المتحدة والغرب من طرف والاتحاد السوفيتي والشرق من طرف آخر. وذلك لاتباع الدول الخليجية قبل تشكيل مجلس التعاون الخليجي وبعده، موقف "الحياد الإيجابي" والتمسك بعلاقة ودية بين قيادات الطرفين لمكاسب ذاتية. تمسكاً بإستراتيجية الكويت بالمحافظة على علاقة ودية وكسب ثقة الطرفين. ورفض الاستقطاب لتحقيق أكبر حجم من المكاسب.
حتى عندما أعلن الرئيس كارتر مبدأه بعد غزو واحتلال السوفييت أفغانستان- اعترافه كأول رئيس أمريكي بحقيقتين: الأولى: أهمية ومحورية منطقة الخليج للمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية (أمن الطاقة). وللمرة الأولى أيضا يعلن عن استعداد الولايات المتحدة التصدي لأي تهديد خارجي (السوفييت دون أن يسميه في أجواء الحرب الباردة) بكل الوسائل المتوفرة، بما فيه استخدام القوة العسكرية..
اتبع الرئيس كارتر تلك التعهدات الجريئة بتشكيل قوات التدخل السريع لتلبي الاحتياجات الأمنية وتدخلها السريع لمنع تفاقم التهديدات. وبرغم ذلك رفضت دول مجلس التعاون الخليجي منح الولايات أية قاعدة عسكرية على أراضيها!!..
الأسئلة: لماذا نحتاج للقواعد العسكرية الأمريكية؟ ومن دفع دول مجلس التعاون الخليجي لاستضافة قواعد أمريكية؟ ساهم فقدان توازن قوى إقليمي يوازن ويمنع ويردع القوتين الأيدولوجيتين- عراق صدام حسين البعثي الذي لا يقيم وزنا للاعتبارات القانونية ويتذرع بفكر البعث، والنظام الأوتوقراطي الإيراني ومشروعه التوسعي ضمن ما يعرف بولاية الفقيه.
أولاً: تهور ومغامرات صدام حسين بقراراته الفردية الشمولية وغزوه واحتلال لدولة الكويت (1990-1991). الذي أحدث خللا كبيرا في موازين القوى في المنطقة واستدعى قيادة الولايات المتحدة تحالفا دوليا انتهى بتحرير دولة الكويت وإعادة الشرعية واستدامة وتوسع الوجود العسكري الأمريكي ضمن مسرح عمليات (US CENTCOM).
ثانياً: ما اضطر دول مجلس التعاون الخليجي لإقامة قواعد عسكرية أمريكية كانت تهديدات إيران قيام الثورة وإسقاط نظام الشاه (شرطي الخليج ورجل أمريكا القوي في المنطقة)- خاصة بعد إعادة الأمريكيين والبريطانيين تنصيبه وإسقاط نظام رئيس الوزراء محمد مصدق المنتخب ديمقراطيا، والذي كانت جريمته بنظرهم تأميمه النفط الإيراني، لتطيح به الاستخبارات الأمريكية والبريطانية عام 1953، وبدء المظالم واصطفاف الإدارات الأمريكية!!
وبرغم تأكيد قادة مجلس التعاون الخليجي بشكل فردي وجماعي أن هذه الحرب ليست حربنا ولن نشارك فيها أو نسمح باستخدام أراضينا وقواعدنا وأجوائنا لشن أي عمل عسكري ضد إيران. ورغم ذلك شنت إيران اعتداءات بـ 6700 صاروخ ومسيرة انتحارية (83 %). ولم تستبعد إيران الدول التي توسطت بين إيران والولايات المتحدة، وخاصة دولة قطر وسلطنة عمان!! في المقابل قصفت إسرائيل بـ 1365 صاروخاً ومسيرة (17 %)!! لرفع الكلفة وتوزيع الآلام للضغط على دولنا وأمريكا لإعادة الحسابات.
كان مُلفتا نجاح قدرات الدفاعات الجوية الخليجية بالتصدي واعتراض آلاف الصواريخ والمسيرات الإيرانية، وبنسبة مرتفعة تتجاوز 90 %. بدلالات وتميز يُبنى عليها باكتساب الخبرة والتنسيق الدفاعي المشترك مستقبلاً.
واليوم تواجه دول مجلس التعاون الخليجي بسبب اعتداءات إيران طوال أيام الحرب على الأهداف والمنشآت الحيوية الخليجية من منشآت نفط وطاقة وغاز ومحطات كهرباء ومياه وتقطير مياه ومطارات مدنية. إضافة لإغلاق وعرقلة الملاحة في مضيق هرمز ومنع تصدير النفط والغاز الخليجي.
وبرغم تلك الاعتداءات الإيرانية الموثقة، تقدم السفير الإيراني في الأمم المتحدة بكتاب رسمي إلى أمين عام الأمم المتحدة في 13 أبريل، تطلب فيه إيران بدفع أربع دول خليجية والأردن تعويضات مالية إلى إيران بسبب الأضرار والخسائر التي تعرضت لها إيران جراء الحرب، بسبب تسهيل العدوان وخرق ميثاق الأمم المتحدة. وتقدر إيران الأضرار التي تسببت بها الحرب الأمريكية-الإسرائيلية بحوالي 270 مليار دولار. وبرغم ما قامت به إيران، استمرت دول مجلس التعاون الخليجي بممارسة الصبر الإستراتيجي!!
نشهد اليوم مقاربة مرتبكة لعلاقتنا المستقبلية مع إيران لاتساع فجوة غياب الثقة بيننا. تعيدنا إلى أيام قيام الثورة قبل 47 عاماً!! والواضح نحتاج لوقت لإجراء مراجعات جادة لعلاقتنا المستقبلية مع إيران، تبدأ ببناء الثقة المفقودة وبناء نظام أمني خليجي رادع!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تزايد شكاوى المعلمين وأساتذة الجامعات من سطحية بعض الطلاب وضعف قدرتهم على التحليل، بل وقلة اهتمامهم بالشأن العام وغياب الحس بالمسؤولية المجتمعية. وهذه الظاهرة لا يمكن إلقاء اللوم بها على المناهج أو أساليب التدريس، بل ترتبط بشكل كبير بغياب المتابعة الأسرية وانشغال الوالدين أو اعتمادهم الكامل على المؤسسات التعليمية لتأدية دور الوالدين أو توكيل الخدم بكل ما سبق، وهذه طامة أخرى سنأتي عليها لاحقًا. هل يُعقل أن طالبًا جامعيًا لا يعرف من وزير خارجية بلاده؟! وكم هي مساحة الدولة التي يعيش فيها؟! بل أكثر من ذلك، ففي مثل هذه الأيام التي تمر فيها المنطقة في صراع إقليمي وحرب تُغيّر خريطة العالم وتحالفاته وتقلب طاولة الاقتصاد رأسًا على عقب، هو لا يعرف من وكيف ولماذا، وهل هو مع أو ضد توجه معين أو رأي بلاده من كل هذا؟! وبسبب ما سبق عملنا مع بعض الزملاء مسحًا سريعًا للبحث عن هذه الأسباب، فتبيّن أن الأم والأب يقضيان أكثر من ٤ ساعات يوميًا على الهاتف بين برامج التواصل الاجتماعي بما لا ينفع بل بما يضر أحيانًا، ولم نحسب ساعات متابعة الأفلام والمسلسلات ضمن هذا. إن مسؤولية تربية الأبناء لا يمكن تفويضها أو التهرب منها. فتربية الأبناء ليست ما تنتجه المدارس أو المعاهد أو الجامعات، بل هم انعكاس لبيئة كاملة تبدأ بالأسرة. وإذا أردنا جيلًا واعيًا مثقفًا وقادرًا على تحمل مسؤولياته فعلينا أن نعيد الاعتبار لدور الوالدين، وأن ندرك أن التربية الحقيقية تُبنى في البيت أولًا ثم تُستكمل في بقية مؤسسات المجتمع. لأن التربية ليست مهمةً يمكن اختصارها في مؤسسة واحدة أو جهة رسمية بعينها. ومن هنا فإن إلقاء المسؤولية على وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بمستوى الأبناء الفكري والسلوكي والثقافي، هو طرحٌ ناقص يُغفل الدور الجوهري الذي يقع على عاتق الوالدين أولًا ثم بقية مكونات المجتمع. الأسرة هي النواة الأولى التي تتكون فيها شخصية الطفل، وهي البيئة التي يتعلم فيها القيم الأساسية والدينية قبل أن يتعلم الحروف والأرقام. في البيت يتعلم الأبناء معنى المسؤولية واحترام الوقت وأهمية المعرفة والقدرة على الحوار. فإذا نشأ الطفل في بيئة تشجعه على التساؤل وتمنحه مساحة للتعبير وتعطيه قدرًا من الثقة والشعور بالمصداقية وتتابع اهتماماته الدراسية والثقافية، فإنه يدخل المدرسة والجامعة وهو يحمل أدوات التفكير والفهم لا مجرد قابلية للحفظ والتلقين. أما إذا غاب هذا الدور فإننا نجد أنفسنا أمام طالب يفتقر إلى الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء. فحين يجلس الأب أو الأم مع الأبناء لمناقشة حدثٍ ما أو كتابٍ قرأوه أو فكرةٍ سمعوها، فإنهم يزرعون فيهم بذور التفكير النقدي، ويعلمونهم كيف يكونون جزءًا من مجتمعهم لا مجرد متفرجين عليه، كما أن للشارع والأصدقاء دورًا لا يقل أهمية، فهم يشكلون جزءًا من البيئة التي يتفاعل معها الأبناء يوميًا. لذلك فإن اختيار الصحبة الصالحة، وتوجيه الأبناء نحو الأنشطة المفيدة، ومتابعة سلوكهم خارج المنزل، كلها أمور تقع ضمن مسؤولية الوالدين. إضافة إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة المختلفة تتحمل دورًا تكامليًا في تعزيز القيم الثقافية والاجتماعية من خلال تقديم محتوى هادف، وخلق بيئات داعمة للنمو الفكري. إن التربية مشروعٌ مشترك تتكامل فيه الأدوار ولا تتقاطع. فوزارة التربية والتعليم تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم العملية التعليمية وتوفير المناهج والتربية كذلك، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وعيًا أو تبني شخصية متكاملة. هذا الدور يبدأ من البيت حيث تتشكل القيم ويتأسس الفكر ويتعلم الأبناء أين يقفون في هذا العالم المتغير من حولهم.
2844
| 22 أبريل 2026
شهدت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي خلال الفترة الأخيرة نقلة نوعية لافتة في أساليب التعامل مع الجمهور، انعكست بشكل مباشر على مستوى رضا أولياء الأمور والطلبة في المدارس القطرية ، وساهمت في تسهيل إنجاز المعاملات بصورة غير مسبوقة. هذه الطفرة لم تكن مجرد تحسينات شكلية، بل جاءت نتيجة رؤية واضحة تهدف إلى تطوير الخدمات التعليمية والإدارية بما يتماشى مع التحول الرقمي الذي تشهده الدولة.في السابق، كان إنجاز العديد من المعاملات المتعلقة بأمور الطلاب يتطلب وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا، إضافة إلى الحاجة للمتابعة المستمرة من قبل أولياء الأمور، سواء فيما يتعلق بنقل الطلبة أو استخراج الشهادات أو متابعة الطلبات المختلفة، وكانت الإجراءات تتسم أحيانًا بالتعقيد وكثرة الخطوات، مما يسبب ضغطًا وإرهاقًا للأولياء الأمور.أما اليوم، فقد تغيرت الصورة بشكل جذري. فقد عملت الوزارة على تبسيط الإجراءات وتوحيدها، مع إطلاق منصات إلكترونية متطورة تتيح للمستخدمين إنجاز معاملاتهم بسهولة وسرعة من أي مكان. وأصبح بإمكان ولي الأمر متابعة حالة الطلب بشكل فوري، دون الحاجة إلى مراجعة المكاتب أو الانتظار لفترات طويلة،هذا التحول أسهم في تقليل الجهد المبذول، ورفع مستوى الشفافية، وتعزيز الثقة بين الجمهور والمؤسسة التعليمية.ويرى كثيرون أن السر في التحول اللافت الذي شهدته وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في الفترة الأخيرة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهود قيادية ركزت على كسر الجمود الإداري وتحديث أساليب العمل، قامت بها سعادة السيدة لولوة الخاطر وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي التي ارتبط اسمها بالدفع قدما وسريعا بعجلة التطوير التي تشهدها الوزارة وإعادة النظر في عدد من الإجراءات التي ظلت لفترات طويلة دون تغيير يُذكر.فمنذ تولي سعادتها الوزارة، اتجهت الجهود نحو مراجعة شاملة للأنظمة والإجراءات، ليس فقط بهدف التحديث، بل لإزالة التعقيدات التي كانت تُعد في السابق من المسلّمات التي لا يجب التعامل معها إلا كما هي دون تغيير، إن هذا التوجه الجديد أتاح إعادة تصميم الخدمات بطريقة أكثر مرونة، وجعل تجربة أولياء الأمور والطلبة أكثر سلاسة ووضوحًا، وقد انعكس ذلك في تقليص الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المعاملات، وتحسين آليات التواصل مع الجمهور.كما تميزت هذه المرحلة بشكل كبير وواضح بالتركيز على اعتبار أولياء الأمور شركاء أساسيين في العملية التعليمية، وليسوا مجرد متلقين للخدمة. ومن هنا، تم تطوير قنوات تواصل أكثر فاعلية، والاستماع لملاحظاتهم بشكل مباشر، والعمل على تحويلها إلى تحسينات ملموسة على أرض الواقع.ولم يقتصر التغيير على الإجراءات فقط، بل شمل أيضًا ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الابتكار والتطوير المستمر، وتشجع على المبادرة بدلاً من التمسك بالأنماط التقليدية، هذا التحول الكبير كان له أثر كبير في جعل العمل داخل الوزارة أكثر حيوية ومرونة، وأسهم في تحقيق مستوى أعلى من رضا جميع أصحاب العلاقة مع الوزارة.إن هذه الطفرة النوعية تعكس التزام الوزارة بتحقيق التميز في تقديم الخدمات، وحرصها على مواكبة التطورات العالمية في مجال الإدارة والخدمات الحكومية،كما أنها تؤكد أن الاستثمار في التكنولوجيا وتطوير الكفاءات البشرية يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس اليومية.وهنا يمكن التأكيد بأن هذه الجهود القيادية أسهمت في إحداث نقلة نوعية حقيقية، حيث أصبحت الخدمات أكثر كفاءة، والتعامل مع الوزارة أكثر سهولة ومرونة، بما يعكس رؤية حديثة تضع احتياجات الطلبة وأولياء الأمور في صميم أولوياتها.
1983
| 20 أبريل 2026
يُعدّ الغاز الطبيعي أحد الركائز الأساسية لمنظومة الطاقة العالمية، حيث يعتمد عليه بشكل واسع في مجالات الصناعة والتدفئة وتوليد الكهرباء. وتشير التقديرات إلى أن حجم سوقه العالمي يقترب من 1.5 تريليون دولار، مع استمرار اتجاهه نحو النمو. وترتبط قضايا الغاز الطبيعي بعوامل متشابكة، من أبرزها حجم الاحتياطيات وتوزيعها الجغرافي، إضافة إلى شبكات الأنابيب والبنية التحتية والعقود طويلة الأمد، ما يجعل هذا القطاع جزءًا من منظومة دبلوماسية معقدة. وبسبب ما يشهده من مفاوضات مكثفة وتنافس دولي وتعاون متبادل، يمكن توصيف هذه التفاعلات بمفهوم "دبلوماسية الغاز الطبيعي". أدّت الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى إحداث تحولات واضحة في هذا المجال، حيث تسببت في اضطراب كبير في إمدادات الطاقة العالمية. ففي 19 مارس/آذار 2026، استهدفت إيران منشآت رأس لفان في قطر، ما ألحق أضرارًا بالبنية التحتية للإنتاج، ولو بشكل جزئي. وتُعدّ قطر من أكبر مصدّري الغاز الطبيعي في العالم، إلا أن إغلاق مضيق هرمز أجبرها على إعلان حالة «القوة القاهرة»، الأمر الذي حال دون قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه عدد من الدول في أوروبا وآسيا. كما انعكس هذا الإغلاق سلبًا على صادرات الغاز لكل من الإمارات العربية المتحدة وإيران، مما عمّق من أزمة الإمدادات على المستوى العالمي. وقبل اندلاع الحرب، كانت قطر ودول الخليج الأخرى قد حذّرت الولايات المتحدة من التداعيات الخطيرة المحتملة، وبذلت جهودًا دبلوماسية مكثفة للحيلولة دون وقوع الصراع. وتشير المعطيات إلى أن هذه المساعي أسهمت في تأجيل الحرب لفترة قصيرة. إلا أن القرار النهائي بالمضي في الحرب، والذي جاء بدفع من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبالتنسيق مع بنيامين نتنياهو، أدى إلى إلحاق أضرار كبيرة باقتصادات دول الخليج والعالم. ومن هنا، كان من الطبيعي أن تدعم هذه دول الخليج، وعلى رأسها قطر، المبادرات الرامية إلى وقف الحرب وإعادة إطلاق المسار التفاوضي. وقد أسهمت وساطة دبلوماسية قادتها باكستان بدعم من تركيا أيضا في التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، غير أن حالة عدم الاستقرار لا تزال قائمة. في هذا السياق، برزت روسيا كأحد أبرز المستفيدين من التحولات الجارية، حيث أدّى اضطراب الإمدادات من الخليج إلى زيادة اعتماد أوروبا على الغاز الروسي. كما ساهمت الأزمة في تخفيف الضغوط السياسية التي كانت تواجهها موسكو بسبب حرب أوكرانيا، خاصة بعد أن كانت تواجه مواقف أكثر تشددًا خلال إدارة جو بايدن. وعلى الرغم من سعي أوروبا إلى إنهاء اعتمادها على الغاز الروسي بحلول عام 2027، فإنها وجدت نفسها مضطرة للعودة إليه بشكل أكبر لتغطية النقص الحاد في الإمدادات. تعتمد الدول الأوروبية بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي في تشغيل اقتصادها، ما يضعها أمام تحديات معقدة في ظل الأزمة الحالية. فهي تسعى من جهة إلى احتواء تداعيات الحرب في الخليج، ومن جهة أخرى إلى تأمين مصادر بديلة للطاقة. وتُعد ألمانيا نموذجًا واضحًا لهذه المعضلة، إذ كانت تخطط لتنويع مصادرها عبر اتفاقيات مع قطر والولايات المتحدة، إلا أن هذه الخطط قد تتعثر نتيجة استمرار التوترات. كما بدأت التفكير في تعزيز الإنتاج المحلي عبر التنقيب عن الغاز داخل أراضيها، في محاولة لتجنب تراجع قطاعها الصناعي بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة. ولا يختلف وضع بقية الدول الأوروبية كثيرًا، نظرًا لترابط اقتصاداتها وتأثرها المشترك بالأزمات الخارجية. وفي ظل استمرار التوتر في مضيق هرمز، برزت كل من ليبيا والجزائر كمصادر بديلة تحظى باهتمام متزايد من قبل أوروبا. فهاتان الدولتان تستفيدان من قربهما الجغرافي وامتلاكهما موارد طاقة كبيرة، وتسعيان إلى زيادة إنتاجهما وتوسيع شبكات التصدير لتعزيز دورهما في السوق الأوروبية. كما تلعب إيطاليا دورًا محوريًا في نقل الغاز إلى بقية القارة، بينما تحاول نيجيريا زيادة صادراتها لتعزيز موقعها كمورّد بديل. بالتوازي مع ذلك، شهد قطاع الطاقة نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا، تمثل في زيارات واتصالات رفيعة المستوى بين الدول المعنية. فقد قامت رئيسة وزراء إيطاليا، جورجيا ميلوني، بزيارات إلى الجزائر ودول الخليج لتعزيز التعاون، كما أجرت الهند مشاورات مع قطر والإمارات بشأن الإمدادات، وزار رئيس إندونيسيا روسيا لبحث قضايا الطاقة. وتُناقش أيضًا مشاريع لنقل الغاز القطري إلى أوروبا عبر السعودية وتركيا، في إطار البحث عن مسارات بديلة وآمنة. وتشير هذه التحركات إلى أن الحرب لا تعيد فقط تشكيل ميزان القوى في سوق الطاقة، بل تمهّد أيضًا لمرحلة جديدة من التحالفات ومسارات الإمداد في إطار دبلوماسية الطاقة العالمية.
909
| 19 أبريل 2026