رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أ.د. أحمد أويصال

أستاذ علم الاجتماع في جامعة قطر
 

مساحة إعلانية

مقالات

423

أ.د. أحمد أويصال

ما الذي تغير بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا ؟

03 أغسطس 2026 , 01:00ص

شعرت النخب العلمانية والغرب الداعم لها بالقلق من الحكومة المنتخبة في تركيا، فأطاحت بها عبر انقلاب عسكري عام 1960. ومع ذلك، لم يبقَ الجيش التركي في السلطة مباشرة بعد الانقلاب، بل أنشأ آليات للوصاية العسكرية مكّنته من الهيمنة على الديمقراطية المدنية. وكلما ازدادت قوة الحكومات المدنية واتجهت إلى تطبيق سياسات مستقلة، تدخل الجيش في الحياة السياسية بصورة تكاد تتكرر كل عشر سنوات. وقد أدى التدخل العسكري عام 1997 إلى إسقاط حكومة نجم الدين أربكان، كما عارض الجيش عام 2007 وصول رجب طيب أردوغان إلى رئاسة الجمهورية، وهدد بإغلاق حزبه. وقد تجاهل أردوغان تهديدات من الجيش، لكنه تجنب تصعيد التوتر.

في عام 2016، حاول عناصر من تنظيم فتح الله غولن المتغلغلون داخل الجيش بتنفيذ انقلاب عسكري، غير أن المحاولة أُحبطت بفضل موقف الشعب التركي ودفاعه عن النظام الديمقراطي. وقد ترك فشل الانقلاب تأثيرات عميقة في السياسة الداخلية لتركيا، وكان من أبرز نتائجه إنهاء الوصاية العسكرية وتعزيز السلطة المدنية. كما أصبحت السياسات الأمنية والخارجية أكثر خضوعًا لقرارات القيادة المدنية، وأسهم هذا التحول في النجاحات التي حققتها تركيا في مجالي الأمن والسياسة الخارجية.

بعد محاولة الانقلاب، فُصل عدد كبير من الضباط الانقلابيين من الجيش، وأُغلقت المدارس العسكرية، كما أُعيد تنظيم المؤسسة العسكرية ووُضعت تحت إشراف السلطة المدنية. ففي السابق، كانت المدارس العسكرية المعزولة عن المجتمع تُرسّخ لدى طلابها فكرة تفوق العسكريين على المدنيين، وأن الجيش هو المالك الحقيقي للبلاد. أما بعد تأسيس جامعة الدفاع الوطني، فقد بدأ التأكيد على أن الشعب هو صاحب الوطن، وأنه هو الذي يختار حكامه، وأن مهمة الجيش تقتصر على حماية الأمن والدفاع عن البلاد.

بعد محاولة الانقلاب مباشرة، ركزت الحكومة المدنية على تعزيز التماسك الداخلي وتوجيه اهتمام الجيش نحو التهديدات الخارجية. ولهذا الغرض، أطلقت عملية «درع الفرات» ضد تنظيم داعش في شمال سوريا ونجحت في تحقيق أهدافها. وبعد هذه المرحلة، ابتعد الجيش التركي عن التدخل في السياسة الداخلية وركز بصورة أكبر على المهام الأمنية. كما أصبحت جهود قوات الأمن في مكافحة تنظيمي داعش وحزب العمال الكردستاني أكثر فاعلية، مما أسهم في حل القضية الكردية عبر الوسائل السياسية. كذلك ساعد هذا التحول على تطوير الصناعات الدفاعية التركية، التي حققت قفزات كبيرة في مجالات الطائرات المسيّرة المسلحة والدبابات والصواريخ التي نراها اليوم.

وقد ساهمت محاولة الانقلاب في تسريع عملية تغيير النظام الحكومي في تركيا. كما أدت إلى تعزيز التعاون بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية. وقد تم الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي من خلال استفتاء تعديل الدستور لعام 2017. وقد ساهم هذا التغيير في دعم الاستقرار السياسي، حيث أدى إلى اتخاذ قرارات فعالة. تقلص دور البرلمان في اختيار الرئيس والمصادقة على الحكومة وفي النظام الجديد، تتركز الوظيفة الأساسية للبرلمان في سنّ القوانين والتشريعات.

أعادت محاولة انقلاب 15 يوليو تشكيل الحياة الحزبية في تركيا أيضا، وأجبرت الأحزاب الصغيرة على الدخول في تحالفات مع الأحزاب الكبرى. ومع مرور الوقت، تطور التعاون بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية إلى «تحالف الشعب»، وأصبحت المنافسة الانتخابية تُدار بصورة متزايدة من خلال التحالفات السياسية. ونظرًا إلى أن هذا التكتل اليميني المحافظ يمثل الأغلبية في المجتمع التركي (حوالي 60 و70 في المائة)، اتجه حزب الشعب الجمهوري المعارض، بعد أن لم يعد قادرًا على الاعتماد على وصاية الجيش العلماني، إلى تخفيف خطابه العلماني المتشدد والانفتاح بصورة أكبر على الفئات المحافظة.

وفي الختام، أثّرت محاولة الانقلاب الفاشلة بعمق في التجربة السياسية التركية، وأسهمت في إعادة تشكيل النظام السياسي. ولا تزال هذه العملية المتواصلة تتأثر بطبيعة العلاقات بين الشعب والدولة، والحكومة والمعارضة، والسياسة الداخلية والخارجية. يُتوقع أن تؤثر فيها الإصلاحات الإدارية الأخيرة، وقضايا مكافحة الفساد، والانقسامات داخل حزب الشعب الجمهوري. ستختبر انتخابات عام 2028 مدى فاعلية النظام الجديد وقدرة التحالفات السياسية في تركيا على إعادة تشكيل المشهد السياسي، في حين سيظل الحكم المدني المصدر الأساسي للسلطة والشرعية. طويت صفحة الانقلابات العسكرية، وأصبحت من ذكريات الماضي التي لا مكان لها في الحاضر والمستقبل.

مساحة إعلانية