رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
للأسف، لا تُعد الحروب في منطقتنا أحداثًا استثنائية أو نادرة، فقد اندلعت الحرب في السودان بشكل مفاجئ، وأثّرت سلبًا في حياة ملايين الناس وما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم. وبالمثل، فإن الهجوم المفاجئ الذي شنّته إسرائيل على إيران جرَّ قوى عالمية إلى أجواء الحرب، مما يحمل مخاطر تحوّلها إلى حرب إقليمية واسعة. وعلى الرغم من أن تركيا ودول الخليج ليست أطرافًا مباشرة في القتال، فإنها تشعر عن قرب بتداعيات الحرب في إيران. ومما يؤسف له أنه لا توجد أي ضمانة لعدم اندلاع حروب أخرى في المستقبل. تُحدث الحروب حالة واسعة من الخوف وعدم اليقين تؤثر في جميع الشعوب. كما أن التغطية الإعلامية المستمرة وأجواء انعدام الأمن لفترات طويلة قد تؤدي إلى زيادة مستويات التوتر المجتمعي. ورغم أن تركيا والدول العربية لم تدخل الحرب بشكل مباشر، فإنها تشعر بحالة التوتر وبآثارها النفسية. أما الشعوب التي تعد أطرافًا مباشرة في الحرب، مثل شعوب إيران وإسرائيل ولبنان، فهي تتأثر بشكل مباشر بالأضرار التي تُلحقها الصواريخ والطائرات المسيّرة بالأرواح والممتلكات. وخلال الحروب قد يعاني الذين فقدوا أقاربهم أو تضررت ممتلكاتهم، وكذلك من فقدوا أعمالهم أو أُجبروا على النزوح، من ضغوط نفسية شديدة. ولا تقتصر هذه التأثيرات على المشاركين في القتال، بل تمتد أيضًا إلى السكان الذين يعيشون في المناطق القريبة من ساحات الصراع. وقد خلّفت الحرب الأخيرة المرتبطة بإيران حالة واضحة من القلق والتوتر في مجتمعاتنا. فحتى عندما تكون الهجمات موجهة نحو أهداف عسكرية، يظل احتمال إصابة المدنيين قائمًا، كما أن الأصوات القوية التي تحدثها الصواريخ أثناء اعتراضها في الجو تثير مشاعر الخوف والاضطراب لدى الناس. يُعدّ الأطفال من أكثر الفئات تضررًا من الحروب، إذ يجدون صعوبة في فهم ما يجري حولهم، مما يجعلهم أكثر عرضة للصدمات النفسية. وكثيرًا ما يطرحون أسئلة مؤلمة يصعب الإجابة عنها، مثل تساؤل الطفل السوري الذي دُمّر منزله: «بشار الأسد قتلنا ونهبنا، شو عملنا له؟». كما تؤدي الحروب إلى تعطّل تعليم الأطفال وترك آثار عميقة في نظرتهم إلى الحياة والإنسان. ولا تقتصر آثار الحرب على الضحايا المباشرين، بل تمتد إلى فئات أخرى في المجتمع؛ فمثلاً قد يعاني سائقو سيارات الأجرة من إحباط شديد عندما يقلّ خروج الناس من منازلهم بسبب الخوف، مما يؤدي إلى تراجع دخلهم. وفي حين تستطيع بعض المهن التحول إلى العمل عن بُعد، تبقى مهن أخرى مرتبطة بحركة الناس ولا يمكن ممارستها بهذه الطريقة، الأمر الذي يزيد من شعور أصحابها بالقلق وعدم الاستقرار. لا تقتصر الآثار النفسية للحروب على الأشخاص الذين شهدوا الصراع بشكل مباشر، بل قد تمتد لتطال الأجيال اللاحقة أيضًا. فأبناء ضحايا الحروب والأيتام وأفراد العائلات قد يرثون آثار الصدمة، سواء من خلال القصص المتداولة داخل الأسرة أو نتيجة صدمات نفسية لم تُعالَج بشكل صحيح. ويؤدي هذا الانتقال عبر الأجيال إلى تعقيد مسارات التعافي بعد الحروب، ويبرز الحاجة إلى تدخلات شاملة في مجال الصحة النفسية. كما قد تسهم هذه الآثار المتراكمة في ترسيخ مشاعر الكراهية والعداء بين الشعوب لفترات طويلة. لذلك، فإن فهم هذه الأبعاد النفسية والعمل على معالجة آثارها يتطلب تعاونًا وثيقًا بين الباحثين وصنّاع السياسات والمنظمات الإنسانية ودعاة السلام، بهدف الحد من الأضرار النفسية وتعزيز فرص التعافي المجتمعي. إن معالجة التفكك الاجتماعي وتعزيز الدعم النفسي ونشر خطاب جامع يقوم على قيم التفاهم والتعايش تمثل خطوات أساسية في مسار التعافي وبناء قدرة المجتمعات على الصمود بعد النزاعات. ويتطلب ذلك توفير خدمات متخصصة في الصحة النفسية، بما في ذلك الإرشاد وعلاج الصدمات، ولا سيما للأطفال والضحايا الذين تضرروا مباشرة من الحرب، إلى جانب تنفيذ برامج للتضامن الاجتماعي تساعد الأفراد على استعادة حياتهم الطبيعية. كما أن تشجيع الحوار المجتمعي حول آثار هذه الصدمات يسهم في ترميم الثقة بين أفراد المجتمع، ويقلل من احتمالات تجدد الصراعات في المستقبل، ويعيد إلى الناس شعورهم بالأمل والثقة بالمستقبل، الأمر الذي يجعل برامج الإرشاد النفسي والأنشطة المجتمعية جزءًا أساسيًا من جهود التعافي وإعادة البناء الاجتماعي.
366
| 09 مارس 2026
شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وهي حرب لا تقتصر آثارها على أطرافها المباشرين، بل تمتد لتشمل تركيا ودول شبه الجزيرة العربية كافة. ويمكن اعتبار هذه المواجهة نقطة تحول مفصلية من شأنها إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية بصورة عميقة. وبحكم موقعها الجغرافي الحساس وتشابك مصالحها الأمنية والاقتصادية، تُعدّ تركيا من أكثر الدول عرضة لتداعيات هذه الحرب. قبل كل شيء، تُعدّ تركيا من بين الدول الأكثر تضررًا من الحروب الإقليمية والأزمات وحالات الفوضى. فهي، بوصفها دولة صناعية وتجارية وسياحية، تستفيد بدرجة أكبر من الاستقرار، كما تبنّت سياسة تقوم على الحفاظ على علاقات جيدة مع جيرانها وتدعم الحلول السياسية للأزمات. ومن منظور تركيا، يتمثل أكبر مصدر للقلق في احتمال اتساع نطاق الحرب وتحولها من مواجهة محدودة إلى فوضى إقليمية شاملة. وقد أدانت تركيا الهجمات على إيران، كما عارضت في الوقت نفسه أي هجمات إيرانية تستهدف الدول العربية. يُعدّ المجال الأمني أكثر نقط الخطر إلحاحًا بالنسبة لتركيا. فحرب إيران يمكن أن تؤدي إلى عدم الاستقرار في المناطق الحدودية. ورغم أن الحدود التركية-الإيرانية ظلت مستقرة نسبيًا لسنوات طويلة، فإنها كانت في الفترة الأخيرة تشهد ضغوطًا متزايدة نتيجة الهجرة، وقد يتفاقم هذا الوضع سريعًا. كما أن استمرار الحرب في إيران لفترة طويلة، أو الفراغ الذي قد ينشأ في مرحلة ما بعد الحرب، قد يثير صراعات عرقية أو مذهبية. ومن شأن ذلك أن يفرض ضغوطًا كبيرة على تركيا، سواء من حيث موجات الهجرة، أو التهديدات الإرهابية، أو الحاجة إلى تدخلات إنسانية محتملة. يتمثل أحد أبرز المخاوف الأمنية الأخرى لتركيا في احتمال إعادة إحياء تنظيم حزب العمال الكردستاني (PKK) داخل إيران. ففي عام 2014، منحت إدارة أوباما، بذريعة محاربة تنظيم داعش، السيطرة على شمال سوريا لإدارة حزب العمال الكردستاني/ قوات سوريا الديمقراطية. وقد يتكرر سيناريو مشابه، إذ يمكن للولايات المتحدة وإسرائيل دعم حزب العمال الكردستاني سواء في إطار الحرب ضد النظام الإيراني أو لملء الفراغ بعد سقوطه. كما أن ضعف السلطة المركزية قد يتيح للتنظيم توسيع مناطق نفوذه أو تعزيز خطوطه اللوجستية. وبينما تمكنت تركيا من تقليص تهديد حزب العمال الكردستاني على حدودها الجنوبية، فإنها لا ترغب في مواجهة الخطر ذاته مجددًا على حدودها الشرقية. إن استمرار الحرب في إيران أو اندلاع صراعات داخلية بعد سقوط النظام قد يؤدي إلى موجات هجرة جماعية باتجاه تركيا. وتستضيف تركيا بالفعل ملايين اللاجئين، ومع الأخذ في الاعتبار الحجم السكاني الكبير لإيران، فإن أي حركة نزوح محتملة قد تصل إلى نطاق يتجاوز حتى أزمة اللجوء السورية من حيث الحجم والتأثير. ومن شأن هذا الوضع أن يزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على تركيا. كما يمكن توقع أن بعض الدول التي تنظر إلى تركيا بوصفها منافسًا، مثل إسرائيل، قد تسعى إلى استغلال هذه الظروف للضغط على تركيا بشكل خاص. تمثل أحد الهواجس الأخرى لتركيا في احتمال تغيّر التوازنات الجيوسياسية في المنطقة. فسيناريو ضعف إيران أو تفككها قد يؤدي إلى توسّع النفوذ الإقليمي لإسرائيل. وإذا أخذنا في الاعتبار المواقف العدائية المتكررة للحكومة الإسرائيلية تجاه تركيا وطبيعة التنافس القائم بين الطرفين، فإن هذا التطور قد يعني، من منظور أنقرة، حصول إسرائيل بصورة غير مباشرة على مجال استراتيجي جديد يمتد حتى الحدود الشرقية لتركيا. ومع سعي إسرائيل إلى تعويض خسائرها الاستراتيجية الناتجة عن التحولات في سوريا عبر تعزيز نفوذها داخل إيران، فمن المتوقع في المقابل أن تمتلك تركيا أيضًا حضورًا ونفوذًا قويين في إيران الجديدة. ستكون للتداعيات الاقتصادية للحرب في إيران انعكاسات بالغة القسوة على تركيا والمنطقة، ولا سيما إذا طال أمد الصراع، إذ إن ارتفاع أسعار الطاقة سيؤدي مباشرة إلى زيادة معدلات التضخم واتساع عجز الحساب الجاري في تركيا التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة. وفي مرحلة بدأت فيها المؤشرات الاقتصادية التركية تُظهر تحسنًا تدريجيًا، تسعى أنقرة إلى تجنّب أعباء مالية جديدة قد تعرقل مسار التعافي الاقتصادي. كما أن اضطراب ممرات التجارة الإقليمية بسبب الحرب قد يعرقل حركة التجارة البرية التركية المتجهة نحو آسيا الوسطى عبر إيران، إضافة إلى التأثير في طرق التجارة الواصلة إلى منطقة الخليج عبر العراق، ما يضاعف الخسائر الاقتصادية المحتملة. وبذلك، ستكون تركيا متأثرة ليس فقط بتطورات الحرب أثناء وقوعها، بل أيضًا بنتائجها طويلة المدى؛ فهي دولة مجاورة قد لا تكون طرفًا في الحرب، لكنها قادرة على التأثير في مسار السلام.
921
| 02 مارس 2026
يأتي حُسن الجوار في المرتبة الثانية بعد الأسرة بوصفه أحد أهمّ المؤسسات الاجتماعية في مجتمعاتنا، ففي الثقافة التركية وكذلك في الثقافة العربية الإسلامية، شكّل حُسن الجوار ركيزة أساسية للحياة الاجتماعية عبر التاريخ. فالعلاقات الودية بين الجيران، شأنها شأن الروابط الأسرية، تُسهم في ترسيخ السلم الاجتماعي وتعزيز الاستقرار ودعم ازدهار المجتمع. وبفضل ما تستند إليه من أواصر الأخوّة وروح القربى، غدت هذه العلاقات إطارًا متينًا للتكافل والتضامن الاجتماعي. غير أنّ هذه القيمة اليوم تواجه تحديات متزايدة؛ إذ أدّت العولمة، والتوسع العمراني، والتحول الرقمي إلى إضعاف أنماط التفاعل التقليدية بين الجيران، مما جعل حُسن الجوار عرضةً للتراجع والانحسار. تزخر اللغتان العربية والتركية بأمثالٍ شعبية تُبرز مكانة حُسن الجوار وأهميته. فالمثل التركي «الجار يحتاج حتى إلى رماد جاره» يقابله في العربية قولهم: «ما استغنى جارٌ عن جار»، في تأكيد واضح على حاجة الناس بعضهم إلى بعض. كما أن المثل العربي «الجار قبل الدار» يُقابله في التركية قولهم: «لا تشترِ بيتًا، بل اختر جارًا»، وهو تعبيرٌ يُقدّم قيمة الجار الصالح على قيمة المسكن ذاته. ولأن روح التضامن الجماعي تتقدّم على النزعة الفردية في المجتمعات الإسلامية، فإن حُسن الجوار يُجسّد هذا التصور الاجتماعي بوضوح. وقد ورد الأمر بالإحسان في القرآن الكريم، كما تكرّر التأكيد عليه في الأحاديث النبوية، مما يعكس مكانته الراسخة في المنظومة الأخلاقية الإسلامية. تُسهم علاقات حُسن الجوار في تقليل شعور الأفراد بالوحدة وتعزيز الإحساس بالانتماء الاجتماعي. كما أن التواصل والتكافل بين الجيران يؤديان دورًا أساسيًا في الحفاظ على ثقافة الحيّ التقليدية واستمرارها. ففي الحيّ الذي يعرف فيه الجيران بعضهم بعضًا، يستطيع الأطفال اللعب بأمان، وتُلبّى احتياجات كبار السن، وتُصان أجواء الطمأنينة العامة، وكل ذلك بفضل علاقات الجوار الإيجابية. إضافةً إلى ذلك، تتيح الصداقات التي تنشأ بين الجيران نمطًا من العيش أشبه بالعائلة الواحدة، حيث يتبادل الناس الدعم في الأوقات الصعبة، مما يخفف أعباء الحياة ويعزز روح التضامن والتراحم بينهم. لا يقتصر حُسن الجوار على السكن المتجاور في أمان فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشمل منظومة من القيم الإنسانية التي تُمارَس في الحياة اليومية، مثل الثقة المتبادلة، والاحترام، وروح المساعدة، والتعاطف، والتسامح. فإلقاء السلام بين الجيران، ومساندة بعضهم بعضًا في الأوقات الصعبة، والسؤال عن الأحوال في المناسبات الخاصة، والمسارعة إلى تقديم العون عند الحاجة، كلها تشكّل الأساس الحقيقي لحُسن الجوار. كما أن مشاركة الجار أفراحه في مناسبات كالأعراس أو قدوم مولود جديد، والوقوف إلى جانبه في المرض أو العزاء، وتقاسم مشاعر الحزن والدعم، تُعدّ من أبرز صور التضامن التي تُجسّد هذه القيمة في الواقع العملي. في المجتمعات المسلمة، يُعدّ الجار الصالح من يَحترم خصوصية غيره، ويتجنب إحداث الضوضاء أو التسبب في أي إزعاج. وفي الماضي، كانت أطباق الطعام تُتبادَل بين الجيران، وكانت جلسات الشاي البسيطة تُعزّز الروابط وتُقوّي أواصر المودة. وكان الأطفال يختلطون في أزقة الحي، يلعبون معًا وتتشكل بينهم صداقات تستمر مدى الحياة. أمّا اليوم، فقد أصبح انشغال الأطفال بالهواتف والأجهزة اللوحية داخل المنازل يجعل إخراجهم إلى الخارج أمرًا صعبًا. وفي الثقافة التركية مثلٌ شائع يقول: «يُطهى عند الجار ويصلنا نصيبٌ منه»، إذ كان الجار إذا أعدّ طعامًا شهيًا يرسل منه إلى جيرانه مشاركةً لهم، وكان الطرف الآخر يردّ الطبق وفيه شيءٌ من الطعام مجاملةً وتبادلاً للكرم. وفي شهر رمضان، كان من التقاليد الراسخة دعوة الأقارب والجيران إلى موائد الإفطار، كما كانت زيارات العيد تُسهم في إحياء القيم الاجتماعية وتعزيز صلة الرحم والجوار. وكانت الحياة في الأحياء القديمة تتمحور حول المسجد المحلي، مما أتاح للناس فرصًا أكبر للقاء والتواصل. ولا تزال «ثقافة المجلس» المنتشرة في دول الخليج تمثل عنصرًا مهمًا في الحفاظ على تقاليد حُسن الجوار. وبينما تستمر علاقات الجوار قوية في القرى والبلدات الصغيرة، فإن حياة الشقق في المدن الكبرى أسهمت في إضعاف هذه الروابط. ففي أحياء إسطنبول قديمًا، كان الناس يجلبون الماء من النوافير المشتركة، وكانت النساء يلتقين في الأفران العامة لخبز الخبز والتواصل الاجتماعي، أما اليوم فقد اختفت معظم هذه المظاهر مع انتشار المتاجر الحديثة وتغيّر أنماط الاستهلاك. وفي المدن الكبرى المعاصرة، انتشرت الأبراج السكنية متعددة الطوابق، وأصبح السكان يعيشون في مسافات متقاربة مكانيًا لكنهم متباعدون عاطفيًا. بل إن المصاعد السريعة والمتعددة تقلل فرص اللقاء بينهم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى البحث عن سبلٍ لإحياء علاقات حُسن الجوار في المجتمعات الحديثة، من خلال إنشاء مساحات وأنشطة مشتركة داخل الأحياء والمباني السكنية. غير أن الخطوة الأهم تكمن في إحياء قيمة حُسن الجوار ذاتها، وتعليمها للأجيال الشابة، وترسيخها بالممارسة العملية والقدوة الحسنة.
480
| 23 فبراير 2026
تمثل القيم الثقافية منظومة من المعتقدات والأعراف والممارسات المشتركة التي تسهم في تشكيل هوية المجتمع وتوجيه سلوك أفراده، إذ تحدد ما يُعدّ خيرًا وجميلًا ومرغوبًا وأخلاقيًا ومقبولًا في المجتمع، وبذلك تُشكّل أساس الحياة الاجتماعية وتؤثر في العلاقات الإنسانية وقرارات الأفراد ونظرتهم إلى العالم، كما تُعدّ المحدد الرئيسي لخصائص المجتمع العامة. وتنتقل هذه القيم من جيل إلى آخر عن طريق التنشئة الاجتماعية والتعليم والتقاليد الأسرية، بينما يشير التغير الاجتماعي إلى التحولات التي تطرأ على الثقافة والمؤسسات والاتجاهات والسلوكيات داخل المجتمع مع مرور الزمن، ومن ثمّ فإن تغيّر القيم الثقافية يعكس في الوقت ذاته تغيّر المجتمع نفسه. إن فهم العلاقة بين القيم الثقافية والتغير الاجتماعي يُعدّ ضروريًا لاستيعاب كيفية تغيّر المجتمعات وتكيّفها في عالم يتغير بسرعة تحت تأثير العولمة. وقد تنبع هذه التحولات من ديناميات داخلية أو من تأثيرات خارجية، كما يمكن أن تكون تدريجية أو سريعة. غير أنّه من الواضح أن وتيرة التغير قد تسارعت في عصر التكنولوجيا والعولمة. كما أن القيم الإسلامية تُعرّف المجتمع المسلم وتشكّل هويته، ومن أبرزها: احترام كبار السن، والتضامن الاجتماعي، والتواضع، وكثرة الأولاد، والعمل، والصدق، والتقوى، والصبر، والعفة، وحسن الجوار، والقرض الحسن، والوفاء بالوعد، والشكر، وطلب العلم، والصدقة. لقد أسهمت هذه القيم منذ زمن بعيد في ترسيخ الاستقرار والاستمرارية وتعزيز الشعور بالانتماء داخل مجتمعاتنا، وظلّت حاضرة وفاعلة في مختلف المراحل التاريخية. كما عبّرت عن قوة المجتمعات المسلمة، إذ مكّنتها من الحفاظ على الإنتاج والتكافل الاجتماعي سواء في أوقات الفقر أو في فترات الثراء. غير أنّ هذه القيم تواجه اليوم تأثيرات متزايدة ناتجة عن عوامل متعددة، مثل التطورات التكنولوجية، والحركات الاجتماعية، والتحولات الاقتصادية صعودًا أو تراجعًا، والتغيرات الديموغرافية، والتحديات البيئية. إضافة إلى ذلك، تفرض الهجرة والتجارة الدولية والتبادل الثقافي أنماطًا جديدة من التفكير، قد تتحدى المعايير التقليدية وتدفع المجتمعات إلى التكيّف معها أو مقاومتها. رغم تأثر الثقافة الإسلامية بالعوامل العامة المؤثرة في المجتمعات، فإنها تشهد في عصر العولمة والإنترنت تحولات عميقة قد تصل في بعض جوانبها إلى التراجع والتآكل . ومن المؤكد أن القيم الإسلامية ليست جامدة، بل تمتلك مرونة تسمح لها بالتكيف مع المستجدات والظروف المتغيرة، إلا أن القيم التي يجري الترويج لها عالميًا تشكل تحديًا حقيقيًا لتنمية المجتمعات الإسلامية، بل قد تهدد مستقبلها عبر دفعها نحو مزيد من الضعف والانحدار. ومن ثمّ فإن استعادة القيم التي فقدت حضورها أو تراجعت مكانتها لا يمكن أن تتحقق إلا بوعي مجتمعي عالٍ وجهود جادة ومتواصلة. أدت العولمة إلى انتشار نزعات الفردية والتراجع عن قيم العفّة، الأمر الذي بدأ يزعزع النظام الاجتماعي داخل المجتمعات المسلمة ويضعف تماسكها. كما أن المكانة التي كانت تُمنح للأسرة وللإنجاب، وخاصة قيمة كثرة الأطفال، أخذت تتراجع بصورة ملحوظة تحت تأثير الثقافة الغربية، مما أسهم في بعض الدول الإسلامية في ظاهرة شيخوخة السكان وتناقص عددهم. وفي ظل هذه التحولات، لم يعد كبار السن يحظون بالقدر نفسه من الاحترام والرعاية التي كانوا ينالونها سابقًا. ومع انخفاض الالتزام بقيمة الزواج، اتجه بعض الشباب إلى العزوف عنه، بينما أدى ضعف قيم الصبر والعفة لدى بعض المتزوجين إلى ارتفاع معدلات الطلاق، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار الأسرة ويهدد توازنها الاجتماعي. مع اتساع ظاهرة التحضر وتزايد الهجرة، بدأت قيمة حسن الجوار تتراجع بشكل ملحوظ. فأصبح كثير من الناس الذين يسكنون في الأبراج والعمارات الكبيرة لا يلتقون بجيرانهم، بل قد يعيشون سنوات دون أن يعرفوا أسماء جيرانهم. كما أن انتشار بطاقات الائتمان والمعاملات المصرفية الحديثة أدى إلى إضعاف قيمة القرض الحسن، حتى كادت تختفي من الواقع الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، فإن تراجع الالتزام بالوفاء بالديون وبالوعود جعل الكثيرين يترددون في إقراض الآخرين. وبذلك أصبح المحتاجون إلى المال مضطرين للجوء إلى البنوك والقروض ذات الفوائد، وقد ينتهي بهم الأمر أحيانًا إلى الوقوع في دوامة الديون والربا. بالطبع، ليست كل القيم التي جاءت مع العولمة ضارّة؛ فهناك قيم مفيدة للغاية مثل المساواة، وحقوق الإنسان، والحرية، والعمل، والتسامح، والمسؤولية الاجتماعية، والوعي البيئي. ويمكن دمج هذه القيم بسهولة مع القيم الإسلامية. بل يمكن أيضًا إقامة توازن مفيد بين النزعة الجماعية والفردية. وقد تكون الثقافة الإسلامية هي البديل الوحيد القادر على مقاومة الهيمنة الثقافية العالمية ذات المركزية الغربية. وبما أنّ يستحيل إغلاق أنفسنا أمام العالم الخارجي، فإننا نستطيع دون الوقوع في التشاؤم أن نتمسك بقيمنا، وأن نُحدّث أنفسنا ونطورها. لكن قبل كل شيء، يجب أن نثق بثقافتنا، وأن نطلق حملة كبيرة لحمايتها وصونها.
531
| 16 فبراير 2026
يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة من عدم الاستقرار، إذ أنهكت شعوبه الحروب والاحتلالات والانقلابات والاضطرابات الداخلية، إضافة إلى التدخلات الخارجية وموجات الهجرة المتلاحقة. وخلال العقد الأخير، أدّت أحداث ما يُعرف بالربيع العربي ـ بغضّ النظر عن تقييمنا لمن كان محقًا ـ إلى تعميق الفوضى، حيث ترافقت موجة التغيير مع انقلابات وصراعات داخلية وحروب أهلية واستقطاب طائفي حاد، إلى جانب موجات نزوح غير مسبوقة، وكانت اليمن وسوريا وليبيا من أبرز ساحات هذه المآسي. غير أنّ مرور الوقت أفسح المجال لعودة صوت العقل والحكمة، وبدأت دول المنطقة تتجه تدريجيًا نحو رؤية جديدة تقوم على المصالحة وتغليب منطق التعاون وبناء علاقات الصداقة والشراكة فيما بينها. كانت هناك بالفعل شراكة قوية بين تركيا وقطر في المنطقة من أجل منع الفتن، وترسيخ الثقة، وتحقيق الاستقرار، والرفاه. وفي الآونة الأخيرة بدأنا نلاحظ أن هذا الفهم وهذا التعاون آخذان في الامتداد إلى دول المنطقة الأخرى أيضًا. ولا سيما أن السعودية ومصر بدأتا تنتهجان سياسات أكثر قوة باتجاه الاستقرار. وحتى إيران التي تراجع نفوذها باتت تُرسل إشارات إلى رغبتها في تحسين علاقاتها مع الدول العربية. ويمكن إرجاع هذا التحول المهم إلى عدة أسباب، من أبرزها: حرب غزة، وتغيير النظام في سوريا، واحتمال اندلاع حرب بين إيران والولايات المتحدة. بدأت حرب غزة في 7 أكتوبر وما تزال مستمرة حتى اليوم، وقد أدّت من جهة إلى تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، ومن جهة أخرى شكّلت تطورًا زاد من طموحات إسرائيل نحو الهيمنة الإقليمية ومن مستوى عدوانيتها. إذ لم تكتفِ إسرائيل بالاعتداء على فلسطين، بل شنت هجمات على خمس دول أخرى أيضًا (لبنان، واليمن، وسوريا، وإيران، وقطر)، كما أطلقت تهديدات باستهداف دول مثل تركيا. وقد أثار هجومها على قطر ردود فعل قوية في المجتمع الدولي، كما زاد من قلق دول الخليج بشكل خاص. اليوم تقوم قطر ومصر بشكل خاص بدور الوساطة من أجل التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة، كما تعملان بالتعاون مع تركيا والسعودية على إقامة شراكة جدية في ملف إعادة إعمار غزة. ويبدو أن جميع دول المنطقة تدعم هذه التطورات. فالدول التي ذكرناها تُسهم في لجنة السلام التي ستتولى متابعة إعادة إعمار غزة، ومن المرجح أنها ستقدم أيضًا دعمًا ماليًا كبيرًا عندما تبدأ مرحلة إعادة البناء بعد انتهاء الحرب. ومن التطورات التي ساعدت أيضًا على بروز محور الاستقرار الإقليمي سقوط نظام الأسد في سوريا. فقد حظيت مسألة أمن سوريا، التي تُعد بالغة الأهمية لكلٍّ من تركيا ودول الخليج، بدعم شبه كامل من معظم الدول العربية بقيادة السعودية. وتمت مواجهة اعتداءات إسرائيل، وكذلك المطالب الانفصالية للنصيريين والدروز والأكراد، بموقف موحّد. ولا تزال تركيا والسعودية وقطر تواصل تقديم الدعم لسوريا، ليس فقط على المستوى الإنساني، بل كذلك عبر الدعم الدبلوماسي والتقني. وقد تشكّلت هنا رؤية مشتركة واضحة وتعاون جاد بين هذه الدول. كما أصبحت أزمة السودان عاملًا مهمًا في تعزيز التعاون بين تركيا ومصر، إذ إن مصر تأثرت كثيرًا بتداعيات هذه الأزمة وتخشى امتداد الفتنة إليها. وقد اتفقت مصر وتركيا والسعودية على دعم الشرعية والاستقرار في السودان، وبدأ أثر هذا الدعم يظهر سريعًا على أرض الواقع. وبالمثل، اتخذت هذه الدول موقفًا مشتركًا في مواجهة خطر تقسيم الصومال. ومع دعم السعودية، تم كذلك احتواء خطر انفصال الجنوب في اليمن. أكدت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية ومصر الأسبوع الماضي قوة محور الاستقرار الإقليمي. فإلى جانب بحث تطوير العلاقات الثنائية، أظهرت اللقاءات إرادة قوية وجدية لتعزيز التعاون الإقليمي، ودعم وحدة أراضي سوريا واليمن، والسودان، والصومال واستقرارها. ومن المتوقع أن تتضح الفوائد الاقتصادية والعسكرية والثقافية لهذا المحور بشكل أكبر على المدى المتوسط والبعيد.
648
| 09 فبراير 2026
في منطقة الشرق الأوسط التي اعتادت على الأزمات والصراعات المتلاحقة، عادت أجواء التوتر والحرب لتفرض نفسها بقوة على المشهد الإقليمي. فما تزال إسرائيل تؤجّل الانتقال إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وتواصل عملياتها العسكرية في غزة في ظل أوضاع إنسانية شديدة القسوة، وسط عجز دولي واضح عن فرض تهدئة دائمة. وفي الوقت نفسه، تدخل الحرب في السودان عامها الثالث دون أي أفق سياسي للحل، ما يعكس عمق هشاشة النظام الإقليمي وتآكل آليات إدارة الأزمات. وفي خضم هذه التطورات المتراكمة، يبرز خطر اندلاع مواجهة عسكرية محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، خاصة بعد عودة إدارة ترامب إلى تصعيد خطاب التهديد والضغط ضد طهران، بالتوازي مع حشود عسكرية متزايدة في المنطقة. ورغم أن إسرائيل والولايات المتحدة كانتا قد شنتا هجمات على إيران خلال الصيف الماضي ثم توصلتا لاحقًا إلى تفاهم مؤقت، فإن المشهد الإقليمي لا يزال مفتوحًا على سيناريوهات خطيرة ومكلفة. تهدف هذه المقالة إلى مناقشة آثار الحرب أثناء سيرها، بغضّ النظر عن الطريقة التي قد تنتهي بها. فطريقة إدارة الحرب، وطبيعة العمليات العسكرية، وحجم القوة المستخدمة، كلها عناصر ستترك انعكاسات عميقة ومتعددة الأبعاد على المنطقة. وعلى خلاف الحروب السابقة، يُرجّح أن تتسم هذه المواجهة بدرجة عالية من القسوة، وأن تأخذ طابع “كسر العظم”، ما قد يدفع إدارة ترامب إلى استخدام قوة مفرطة بهدف ردع إيران وكسر قدرتها على الاستمرار في المقاومة. وفي المقابل، وباعتبار الصراع مسألة وجودية من منظور القيادة الإيرانية، من المتوقع أن تعبّئ طهران كامل إمكاناتها العسكرية والأمنية والسياسية، وأن تبدي مستوى مرتفعًا من الصمود والمواجهة، حتى وإن كلّفها ذلك خسائر بشرية واقتصادية جسيمة. مع اندلاع الحرب، من الطبيعي أن تبدأ موجة نزوح واسعة من داخل إيران، الأمر الذي سيؤدي إلى نشوء أزمة إنسانية خطيرة. فإيران، التي يبلغ عدد سكانها نحو 92 مليون نسمة، تشهد أصلًا في الظروف العادية حالات هجرة وفرار ملحوظة لأسباب اقتصادية وسياسية. ومع الحرب، ستتضاعف هذه الأعداد بشكل كبير، ما سيضع ضغوطًا إضافية على دول الجوار. ومن المرجّح أن تتجه موجات اللجوء أساسًا نحو تركيا، بحكم الجغرافيا وتشابك المصالح، كما ستشعر الدول العربية أيضًا بضغط الهجرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وإضافة إلى ذلك، إذا لجأ النظام الإيراني إلى قمع الاحتجاجات الداخلية والمعارضة بعنف شديد، على غرار ما شهدناه في التجربة السورية، فقد يؤدي ذلك إلى ارتكاب مجازر واسعة، ما سيعمّق الأزمة الإنسانية ويزيد من تعقيدها. اقتصاديًا، من المرجّح أن تتكبّد إيران دمارًا واسعًا خلال الحرب، ومع إطالة أمد الصراع ستتفاقم الخسائر التي تطول البنية التحتية والقطاعات الاقتصادية المختلفة. وقد تلجأ الولايات المتحدة إلى تشديد الضغوط الاقتصادية عبر رفع الرسوم الجمركية المفروضة على الدول المتعاملة مع إيران أو التهديد بذلك، الأمر الذي سينعكس سلبًا على اقتصادات الدول التي تربطها علاقات تجارية مع كلٍّ من إيران والولايات المتحدة، وقد يهدد استقرارها الداخلي. أما السيناريو الأخطر فيتمثل في احتمال إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، ويزعزع الاقتصاد العالمي، وقد تمتد آثاره لتطول الاقتصاد الأمريكي نفسه. أمنيًا وسياسيًا، إن استمرار الحرب من شأنه أن يعمّق حالة الاستقطاب والتوتر على المستويين الإقليمي والدولي. فمشاركة إسرائيل في القتال إلى جانب الولايات المتحدة، في ظل استمرار عملياتها في غزة، ستزيد المشهد تعقيدًا، وتوسّع دوائر التعاطف مع إيران، كما أن ما قد يرافق ذلك من دمار أو مجازر سيضاعف الضغوط الشعبية والسياسية على الحكومات. وبعد مرحلة من التفاهم النسبي بين دول المنطقة وطهران، قد تعود أجواء الاصطفاف الحاد والانقسام المذهبي إلى الواجهة، ولا سيما في الدول التي تضم كثافة سكانية شيعية، ما يهدد الاستقرار الهش أصلًا. إزاء هذه المخاطر، تعمل الدول العربية وتركيا على تهدئة الأزمة ومحاولة تطويقها قبل أن تنزلق إلى مواجهة مفتوحة. وتبرز تركيا، بحكم علاقاتها المتوازنة مع واشنطن وطهران، كطرف يسعى إلى لعب دور الوسيط وطرح مبادرات لخفض التصعيد. كما أن التداعيات الاقتصادية الخطيرة لارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد الأمريكي قد تشكّل عامل ردع يدفع ترامب إلى إعادة النظر في خيار الحرب. وفي المحصلة، يبقى الأمل قائمًا في غلبة منطق الحكمة، وتكرار سيناريو شبيه بما جرى في عهد أوباما، حيث قد يجد النظام الإيراني نفسه مضطرًا للتوصل إلى تفاهم، رغم الضغوط وقسوة الشروط، وهو احتمال ما يزال قائمًا ومأمولًا.
495
| 02 فبراير 2026
تُعد الحروب من الظواهر الملازمة للتاريخ الإنساني، ولم تختفِ رغم التقدم الذي شهده العالم في العصر الحديث. فقد عرف القرن الماضي حربين عالميتين، بينما تتواصل اليوم النزاعات في عدد من الدول مثل أوكرانيا وغزة وسوريا والسودان، سواء على المستوى الداخلي أو بين الدول. كما يبقى الشرق الأوسط منطقة مرشحة لمزيد من التوترات. وتنعكس الحروب سلبًا بشكل عميق على تنمية المجتمعات، وخاصة على الاقتصاد، إذ تتحول الأولويات أثناءها نحو البقاء وتحقيق النصر، مما يؤدي إلى شلل الإنتاج، وتراجع التجارة والاستثمار، وترك المصانع والأراضي الزراعية مهجورة. تُنشِّط الحروب بعض القطاعات المرتبطة بالصناعات الدفاعية، لكنها في المقابل تُصيب العديد من القطاعات الأخرى بالشلل. فخلال الحرب العالمية الثانية تحولت مناطق صناعية واسعة في أوروبا وآسيا إلى أنقاض، واستغرقت إعادة إعمارها سنوات طويلة. وعندما تُحوَّل ميزانيات الدولة المخصصة للبنية التحتية أو لمشاريع التنمية بسرعة نحو الإنفاق العسكري، فإن ذلك قد يعيد القطاعات الناشئة عقودًا إلى الوراء. كما يُعد التضخم من المشكلات المتكررة في أوقات الحروب، ويُنظر إلى دفع اليد العاملة المؤهلة والكفاءات المتعلمة إلى جبهات القتال على أنه شكل من أشكال استنزاف العقول أو هجرة الكفاءات. حتى تنمية الدول المجاورة تتأثر سلبًا بالحروب. فتركيا والدول العربية، رغم أنها لم تكن طرفًا مباشرًا في العديد من حروب الشرق الأوسط، تأثرت في الغالب بشكل سلبي بالنزاعات الإقليمية. كما أن الكلفة الإنسانية للحروب باهظة للغاية؛ فإلى جانب الخسائر البشرية، تؤدي الحروب إلى تشريد ملايين الأشخاص وتحويلهم إلى لاجئين. وتتفكك الأسر، ويتغير التوازن بين الرجال والنساء، وتُهجَّر المجتمعات من أماكنها، وقد تستمر الجراح النفسية عبر أجيال متعاقبة. فعلى سبيل المثال، يُعرف أن نحو 14 إلى 15 مليون سوري أُجبروا على النزوح داخل البلاد وخارجها خلال الحرب الأهلية السورية. ومثل هذه الهجرات تُغيّر البنية الديموغرافية لكل من الدول المتحاربة وجيرانها. يعاني المهاجرون في البلدان التي يقصدونها من صعوبات تتعلق بتعلّم اللغة الأجنبية، والتعليم، إلى جانب تحديات اجتماعية وثقافية أخرى. كما تتعطل الخدمات الاجتماعية بشكل خطير أثناء الحروب؛ إذ قد تُدمَّر المستشفيات والعيادات أو تُستَخدم فوق طاقتها، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات المرض والوفيات. ويزداد تأمين الغذاء صعوبة، ومع تقييد الوصول إلى المساعدات الإنسانية تظهر مشكلة سوء التغذية، ولا سيما بين الأطفال والنساء وكبار السن. وتزداد المأساة خطورة عندما يُستَخدم الجوع كسلاح، كما في حرب غزة، حيث تصبح الأوضاع الإنسانية أكثر فداحة. تُشكّل البنية التحتية المادية العمود الفقري للتنمية. ففي الحروب الحديثة، سواء كجزء من الاستراتيجية العسكرية أو كنتيجة غير مباشرة لها، تستهدف الدول طرق العدو وجسوره ومحطات الطاقة ومنشآت تنقية المياه والمدارس والمستشفيات. وفي حرب أوكرانيا نلاحظ أن منشآت البنية التحتية قد استُهدفت بشكل متعمّد. وعندما تتضرر شبكات النقل يتعطل النشاط التجاري، وتصبح إمكانية الوصول إلى التعليم أو الخدمات الصحية صعبة أو مستحيلة. وحتى بعد انتهاء الحرب، تبقى عملية إعادة إعمار هذه البنية التحتية شاقة وتستغرق وقتًا طويلًا، كما هو الحال في غزة وسوريا. يُعد الاستقرار السياسي شرطًا أساسيًا لتحقيق التنمية، غير أن الحروب غالبًا ما تُطيح بالحكومات القائمة وتُضعف المؤسسات. ومع ضعف الإدارة، يصبح من الصعب إعادة ترسيخ النظام والثقة داخل المؤسسات العامة. كما أن تأثير الحروب على البيئة قد يكون كارثيًا إلى حد كبير؛ فإلى جانب الدمار البيئي، تستمر الألغام الأرضية والقنابل غير المنفجرة التي تخلفها الحروب في حصد أرواح الأطفال، فضلًا عن جعل الأراضي الزراعية غير صالحة للاستعمال. ولا تقتصر الصدمة النفسية للحرب على الأفراد فحسب، بل تمتد لتؤثر في عملية بناء الأمة بأسرها. كما قد تتفاقم التوترات العرقية والدينية بسبب الحرب وتستمر حتى بعد انتهائها. وبسبب الحروب والنزوح، تحدث اختلالات خطيرة لا يمكن تعويضها في تعليم الأطفال، كما هو الحال في العراق وسوريا. عادةً ما يكون التعافي الاقتصادي بعد الحروب بطيئًا وغير منتظم. إذ تستفيد بعض المناطق أو الفئات السكانية أكثر من غيرها، مما قد يزرع بذور صراعات مستقبلية. ويمكن للمساعدات الدولية وعمليات حفظ السلام أن تكون مفيدة، لكنها لا تكون فعّالة إلا إذا اقترنت بحوكمة رشيدة، وسياسات اقتصادية شاملة، واستثمارات في التعليم والصحة. ومن دون دعم شامل ومستدام، تقع كثير من الدول في حلقة مفرغة من العنف والفقر والتخلّف التنموي.
453
| 26 يناير 2026
عاش الأكراد والعرب والأتراك في سوريا معًا لأكثر من 1200 عام ضمن إطار اجتماعي وتاريخي قائم على التعايش، إلى أن شهدت البلاد تحوّلًا جذريًا بعد الحرب العالمية الأولى. فقد قامت الدولة السورية الحديثة تحت هيمنة أقلية طائفية حكمت باسم القومية العربية، وأقامت نظامًا استبداديًا اعتمد القمع والإقصاء منهجًا ثابتًا في إدارة المجتمع، ما ألحق الظلم بجميع المكوّنات دون استثناء. وفي هذا السياق، حُرم أكراد سوريا من حقوقهم الأساسية، وفي مقدّمتها حق الهوية والجنسية، في حين قدّم نظام البعث دعمًا مبكرًا لحزب العمال الكردستاني (PKK) الذي روّج لنفسه بوصفه حركة كردية، رغم أنه تنظيم نشأ في ظروف الحرب الباردة واستُخدم أداةً في الصراع الإقليمي ضد تركيا، حيث وفّر له النظام السوري الملاذ والحماية لسنوات طويلة. ومع تصاعد التوتر بين أنقرة ودمشق عام 1998 بسبب نشاط حزب العمال الكردستاني، برز خطر المواجهة العسكرية بين البلدين، ما دفع حافظ الأسد إلى طرد عبد الله أوجلان خارج سوريا. وفي عام 2003 أعلن الحزب تأسيس فرعه السوري تحت اسم حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، غير أن نشاطه بقي محدودًا نسبيًا في تلك المرحلة. إلا أن المشهد تغيّر جذريًا مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، حيث انسحب نظام الأسد من مناطق واسعة في الشمال الشرقي عام 2012 وسلّمها لـ «PYD» دون قتال. وفي العام التالي، وبذريعة محاربة تنظيم داعش، قامت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بتسليح هذا التنظيم، الأمر الذي مكّنه من بسط سيطرته على معظم الشريط الحدودي الشمالي لسوريا وعلى المناطق الواقعة شرق نهر الفرات. ورغم تنفيذ تركيا عدة عمليات عسكرية لاحقًا لتفكيك هذا الحزام الأمني، فإنها لم تتمكن من القضاء عليه بالكامل بسبب الضغوط السياسية والعسكرية الأمريكية. ومع نهاية عام 2024، وبعد سقوط نظام الأسد، دخلت سوريا مرحلة سياسية جديدة، حيث وقّعت الحكومة السورية الجديدة في 10 آذار/مارس اتفاقًا مع الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، المعروف باسم قوات سوريا الديمقراطية (SDF). ونصّ الاتفاق على ضمان حقوق الأكراد ضمن الدولة السورية الجديدة ودمجهم في البنية السياسية والدستورية، مقابل التخلي عن السلاح والانخراط في مؤسسات الدولة. وفي السياق نفسه، أطلقت تركيا مشروع «تركيا بلا إرهاب» بعد تفاهمات مع عبد الله أوجلان، وطالبت المجموعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني في سوريا والعراق بإلقاء السلاح. كما أكدت أنقرة دعمها لوحدة الأراضي السورية ومنع قيام أي كيان انفصالي يقوم على السلاح والدعم الخارجي. غير أن قوات سوريا الديمقراطية لم تلتزم فعليًا ببنود الاتفاق، إذ انتهجت سياسة المماطلة ورفضت التخلي عن مصادر قوتها ونفوذها، رغم أن عملية تطبيع الأوضاع في سوريا وإعادة إعمارها تتطلب بشكل ملح استعادة الدولة السيطرة على موارد النفط والمياه والأراضي الزراعية الخصبة الواقعة تحت سيطرتها. ومع بداية العام الجديد، كثّفت إدارة أحمد الشرع الضغوط على «SDF» ودعتها إلى تنفيذ الاتفاق، ولا سيما الانسحاب من المناطق الواقعة غرب نهر الفرات التي تسكنها غالبية عربية. ومع استمرار الرفض، جرى اللجوء إلى الخيار العسكري، فخلال أيام قليلة خسرت «SDF» معظم تلك المناطق، وباتت مهددة بخسارة مدينة الطبقة ذات الأهمية النفطية والإستراتيجية. وقد شكّلت هذه الهزيمة ضربة قاسية لهيبة «SDF»، التي بالغت في الاعتماد على الدعم الأمريكي وتحدّت الحكومة السورية وتركيا. وأصبح من الصعب عليها الحفاظ على وجودها حتى شرق الفرات. وفي هذه المرحلة، يبدو أن الخيار العقلاني أمام قياداتها هو الاستجابة لنداء عبد الله أوجلان، والتخلي عن السلاح، والاندماج في المجتمع كقوة سياسية مدنية، بدل الانخراط في حرب خاسرة. فالإدارة الأمريكية التي تنتظر منها «SDF» الدعم تواجه ملفات أكثر إلحاحًا، مثل إيران، وأوكرانيا والصين وفنزويلا. وفي المحصّلة، تمكّن الجيش السوري من فرض واقع الاستسلام على قسد، وهو ما يُعدّ هزيمة للتمرد الكردي وإنهاءً فعليًا لخطر تقسيم البلاد، بما يعزّز مسار الاستقرار الوطني. لأن لا استقرار من دون أمن، ولا إعادة إعمار من دون استقرار، كما أنّه لا توجد دولة في العالم تقبل بوجود جيش موازٍ داخل حدودها السيادية. وبعد توقيع الاتفاق بين الحكومة السورية وقسد، دخلت سوريا مرحلة جديدة من الوحدة الجغرافية والسياسية، وأكثر تحررًا من الإرهاب، وأكثر قابلية للاستقرار. ومع استعادة الموارد الطبيعية من نفط ومياه وأراضٍ زراعية، تتوفر الشروط الأساسية لانطلاق عملية التعافي والازدهار الاقتصادي. ولا يقتصر أثر هذا التطور الحاسم على الداخل السوري فحسب، بل إن المنطقة بأسرها ستستفيد من سوريا موحّدة، مستقرة، مسالمة ومزدهرة.
645
| 20 يناير 2026
شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في سياق إقليمي ودولي مضطرب، على نحو يشبه ما عرفه العالم العربي خلال الفترة نفسها. وقد واصلت أنقرة تعزيز علاقاتها مع محيطها العربي، محافظةً على مستوى متقدم من التقارب والتنسيق، كما عملت على تحسين علاقاتها مع دول عربية كانت قد شهدت فترات من التباعد خلال مرحلة الربيع العربي، ولا سيما المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية. وفي إطار رؤية «قرن تركيا»، انتهجت أنقرة سياسة خارجية تقوم على التوازن والتعددية، فلم تحصر علاقاتها في الإطار الغربي، بل سعت إلى بناء شبكة علاقات متوازنة مع الشرق والغرب على حد سواء، بالتوازي مع تعزيز تعاونها مع حلفاء مثل قطر وأذربيجان وباكستان، بما يخدم الاستقرار في الشرق الأوسط وآسيا. وفي ظل الإبادة الجماعية في غزة التي شغلت الرأي العام العالمي، أولت تركيا هذا الملف أولوية قصوى وبذلت جهودًا دبلوماسية مكثفة لوقف الحرب. فقد عملت على تسليط الضوء على الانتهاكات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني في مختلف المحافل الدولية وعلى أعلى المستويات، كما مارست ضغوطًا سياسية على الدول الداعمة لإسرائيل. وإلى جانب ذلك، دعمت أنقرة بقوة جهود الوساطة التي قادتها كل من قطر ومصر للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار. وفي الوقت الذي واصل فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المماطلة في تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة، استمرت تركيا في الضغط على الولايات المتحدة لدفع المسار السياسي قدمًا، وسعت إلى لعب دور في أي ترتيبات دولية محتملة لحفظ السلام في غزة. وقد أثار هذا الموقف التركي استياءً واضحًا لدى القيادة الإسرائيلية، حيث صدرت تهديدات متكررة بحق أنقرة، خاصة في ظل تصدي تركيا للمخططات الإسرائيلية في سوريا، ولا سيما تلك التي تستهدف تغذية النزعات الانفصالية الطائفية والعرقية. كما سعت إسرائيل، عبر التنسيق مع اليونان وقبرص الرومية، إلى إقصاء تركيا من معادلات شرق البحر المتوسط، فضلًا عن انزعاجها من فشل محاولات المساس بوحدة الصومال، الحليف الاستراتيجي لتركيا، نتيجة الموقف التركي الداعم لوحدة الدولة الصومالية بالتعاون مع دول عربية. ويُعد التحول الذي شهدته سوريا من أبرز التطورات الإقليمية وأكثرها حساسية، إذ أسهمت تركيا، عقب سقوط نظام الأسد، في دعم الحكومة الجديدة في دمشق دعمًا ماديًا ومعنويًا. كما تحركت أنقرة، بالتنسيق مع دول عربية فاعلة مثل قطر والمملكة العربية السعودية، للمساعدة في تأمين الاعتراف الإقليمي والدولي بالإدارة السورية الجديدة، والعمل على حمايتها من العزلة السياسية. وفي السياق نفسه، واصلت تركيا تقديم المساعدات الإنسانية، ونجحت في تحقيق تقدم ملموس باتجاه تخفيف ورفع العقوبات الدولية المفروضة على سوريا، سواء من الجانب الأمريكي أو الأوروبي. أما في المجال الأمني، فقد مثّل الدور التركي عنصرًا حاسمًا في منع انزلاق سوريا نحو التفكك الطائفي أو العرقي، ولا سيما فيما يتعلق بالنزعات الانفصالية لدى بعض المكونات. ورغم الأضرار التي لحقت بالقدرات الدفاعية السورية نتيجة الهجمات الإسرائيلية، واصلت أنقرة تقديم دعم أمني يهدف إلى منع نشوء فراغ أمني يهدد استقرار البلاد والمنطقة. وعلى صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة، شكّل توطيد العلاقات مع إدارة ترامب تطورًا لافتًا، بعد فترة من التوتر خلال إدارة بايدن التي اتسمت بإقصاء تركيا، سواء عبر إخراجها من برنامج مقاتلات F-35 أو تعليق صفقة طائرات F-16. ومع وصول إدارة ترامب، برز تقارب في المواقف، ولا سيما بشأن وحدة الأراضي السورية، رغم التحفظات الإسرائيلية، كما انعكست العلاقة الشخصية بين الرئيس رجب طيب أردوغان والرئيس دونالد ترامب في مرونة أمريكية نسبية تجاه تركيا، وهو ما عُدّ مكسبًا دبلوماسيًا لأنقرة. وفي الإطار الدولي الأوسع، واصلت تركيا اتباع سياسة خارجية متعددة الأبعاد، فحافظت على عضويتها في حلف الناتو، وفي الوقت ذاته شكّل قبولها في مجموعة بريكس بصفة «دولة شريكة» مؤشرًا على سعيها إلى ترسيخ استقلاليتها الاستراتيجية. كما أسهمت في تعزيز منظمة الدول التركية، واستكملت المراحل الأولى من مشروع «طريق التنمية» المار عبر العراق، وواصلت دورها الوسيط بين روسيا وأوكرانيا. خلاصة القول، تميّز عام 2025 بزخم دبلوماسي ملحوظ ومكاسب استراتيجية متعدّدة لتركيا، حيث استطاعت توسيع نطاق حركتها الإقليمية والدولية وتعزيز حضورها بوصفها فاعلًا محوريًا في محيطها الإقليمي وعلى الساحة الدولية.
642
| 12 يناير 2026
كما هو حال العالم العربي، شهدت تركيا هي الأخرى في عام 2025 أحداثًا بالغة الأهمية، حيث طرأت تطورات بارزة شملت مجالات الاقتصاد والثقافة والسياسة الداخلية والعلاقات الدولية. وبعد سنوات من المعاناة، شهد الاقتصاد التركي والليرة التركية خلال عام 2025 درجة ملحوظة من الاستقرار. كما جرى إلى حدٍّ كبير تضميد جراح الزلزال الذي ضرب الولايات الجنوبية عام 2023 وأثر في نحو 15 مليون شخص، ولا تزال جهود التعافي مستمرة. وفي إطار حملة إسكان واسعة، تم مع نهاية العام الماضي تسليم ما يقارب 400 ألف وحدة سكنية لضحايا الزلزال، بما لبَّى احتياجات السكن لنحو مليوني شخص. شهدت الساحة السياسية الداخلية في تركيا خلال العام الماضي حراكًا ملحوظًا. فبسبب المشكلات الاقتصادية، أسفرت الانتخابات المحلية التي جرت في مارس/آذار 2024 عن فوز أحزاب المعارضة، وهو ما أثار قلق حزب العدالة والتنمية، غير أن عدم وجود انتخابات مرتقبة حتى عام 2028 أتاح للحكومة هامشًا أوسع للتركيز على إصلاح الأوضاع الاقتصادية، من دون اللجوء إلى سياسات شعبوية، مع تبني نهج التقشف وضبط الإنفاق. وفي المقابل، أدى تفكك التحالف المعارض (الطاولة السداسية)، إلى جانب قضايا الفساد المرفوعة خصوصًا ضد رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، إلى إضعاف صفوف المعارضة، في حين ساهم ذلك في تعزيز موقع حزب العدالة والتنمية من جديد. تُصوِّر المعارضة الرئيسية (حزب الشعب الجمهوري) هذه المحاكمات على أنها تدخل سياسي ومحاولة لتصفية الخصوم السياسيين، في حين أن القضايا المرفوعة تهدف في مجموعها إلى مساءلة المسؤولين عن ضياع ما يقارب 13 مليار دولار من المال العام. وستكون لنتائج هذه القضايا انعكاسات مباشرة على الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028. وفي ظل المعطيات الحالية، لم تعد لدى أكرم إمام أوغلو إمكانية الترشح في انتخابات 2028. وفي هذا السياق، يواصل أوزغور أوزَل، الذي تولّى رئاسة حزب الشعب الجمهوري بدعم من إمام أوغلو، الاعتماد على خطاب المظلومية، مع تخطيطه للترشح بنفسه. ومن جهة أخرى، يترقب الرأي العام في تركيا والعالم ما إذا كان رجب طيب أردوغان سيترشح مجددًا في عام 2028، ومن سيكون خليفته المحتمل. في ظل تصاعد الأجواء الفوضوية عالميًا، تسعى تركيا إلى تعزيز تماسكها السياسي الداخلي عبر إنهاء ملف الإرهاب، ولا سيما إرهاب حزب العمال الكردستاني (PKK)، حيث انطلقت عملية توافق جديدة عقب المقترح الذي قدّمه زعيم حزب الحركة القومية، الشريك الصغير في الحكومة، في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وقد أحرزت هذه العملية تقدمًا مهمًا بعد دعوة زعيم الحزب عبد الله أوجلان إلى إلقاء السلاح، بالتوازي مع عمل لجنة برلمانية على إعداد تقريرها النهائي، وسط نقاشات تتعلق بالعفو عن العناصر التي لم تتورط في جرائم، وبآليات التعامل مع من ارتكبوا جرائم وقياداتهم، بما في ذلك خيار توطينهم في دولة صديقة. إن نجاح تركيا في إدارة المواجهة العسكرية، إلى جانب عدم تأييد الشعب الكردي لفكرة الانفصال، يدفع حزب العمال الكردستاني إلى التخلي عن العمل المسلح. غير أن دولًا دعمت الحزب تاريخيًا، وفي مقدمتها إسرائيل، لا تزال تفضّل عدم إلقائه السلاح. وفي هذا السياق، يعمل ما يُعرف بـ «الدولة العميقة» في الولايات المتحدة على إبقاء قوات سوريا الديمقراطية (SDG) فاعلًا في سوريا، بينما تسعى تركيا، عبر إقناع دونالد ترامب، وبالتعاون الوثيق مع حكومتي العراق وسوريا، إلى إنهاء هذا الملف لما له من تداعيات عليها وعلى المنطقة. وبالنسبة إلى سوريا، بات تخلي PKK–SDG عن السلاح واندماجهما في كلٍّ من تركيا وسوريا مسألة بالغة الأهمية، ويتعيّن حسمها خلال هذا العام. مع اقتراب نهاية العام، برزت على جدول الأعمال في تركيا قضية حظيت باهتمام داخلي وخارجي واسع، تمثّلت في العمليات الواسعة التي نُفِّذت ضد شبكات تهريب المخدرات والجماعات الإرهابية. ففي إطار عمليات مكافحة المخدرات، جرى توقيف العشرات من الفنانين ورجال الأعمال والصحفيين، وفي الوقت نفسه نُفِّذت عمليات أمنية ضد الخلايا السرية لتنظيم داعش (IŞİD) التي حاولت إعادة تنشيط نفسها، وأسفرت عن اعتقال العشرات من عناصرها. وبذلك، وجّهت الحكومة رسالة واضحة مفادها أنها تتعامل بجدية مع حماية الصحة العامة وأمن المجتمع. في المحصلة، كان عام 2025 عامًا اتجهت فيه تركيا إلى ترسيخ الاستقرار الداخلي عبر إجراءات حازمة لحماية الاقتصاد وتعزيز الأمن، في وقت شهد فيه المشهد السياسي تراجعًا ملحوظًا لقوة المعارضة مقابل مساعي حزب العدالة والتنمية لاستعادة الثقة الشعبية. ومن المرجح أن تتضح نتائج هذه التحولات بشكل أكبر خلال عام 2026، بما سيحدد المسار العام لتركيا في مرحلة ما بعد أردوغان.
660
| 05 يناير 2026
لا تزال الاضطرابات مستمرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ففي الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل هجماتها على غزة ولبنان، تسعى إلى ترسيخ وجودها الدائم في الأراضي التي تحتلها في سوريا. ويوم الجمعة الماضي وقع هجوم تفجيري استهدف مسجدًا في مدينة حمص السورية. وفي اليوم نفسه، أعلنت إسرائيل انفصال إقليم أرض الصومال عن الصومال وإعلانه دولة مستقلة. كما تتواصل الاشتباكات في السودان، وفي الأسبوع الماضي تحطمت في تركيا طائرة كانت تقل مسؤولين عسكريين ليبيين. وفي ضوء هذه التطورات الحرجة، عادت أهمية العلاقات التركية–الليبية إلى الواجهة من جديد، إذ إن كلا البلدين معنيان بشكل مباشر بالتطورات الإقليمية الممتدة من البحر الأحمر إلى شرق البحر المتوسط. تعود أهمية العلاقات التركية-الليبية إلى العهد العثماني، حيث حكم العثمانيون ليبيا قرابة أربعة قرون، ونشأت روابط بشرية واجتماعية عميقة أبرزها وجود الكراغلة، خاصة في مصراتة. وفي العصر الحديث، استمرت العلاقات الإيجابية خلال عهدي الملك السنوسي والقذافي، وأسهمت ليبيا في بروز شركات المقاولات التركية عالميًا. وبعد الربيع العربي، تأثرت ليبيا بالصراعات والانقلابات التي أدت إلى حالة من عدم الاستقرار. بعد سقوط القذافي، دعمت تركيا المسار الديمقراطي بما يتوافق مع مطالب الشعب الليبي، وأولت أهمية كبيرة للشرعية الدولية. وفي هذا الإطار، ساندت وحدة الأراضي الليبية ووحدتها السياسية، ووقفت ضد الانقلابات العسكرية. وبعد أن سيطر خليفة حفتر على شرق ليبيا عبر انقلاب عسكري، حاول الاستيلاء على غرب البلاد بالقوة المسلحة، في الوقت الذي كانت فيه تركيا تواجه تحالفًا يسعى إلى إقصائها من شرق البحر المتوسط. وكان يضم هذا التحالف إسرائيل ومصر واليونان وقبرص الرومية. في عام 2019، أبرمت حكومة طرابلس اتفاقًا أمنيًا مع تركيا في مواجهة الانقلاب العسكري الذي قاده حفتر، وحصلت على دعم عسكري مكّنها من حماية نفسها. وفي المقابل، وقّعت تركيا مع الحكومة الشرعية في طرابلس اتفاقًا لترسيم الحدود البحرية، ما أتاح لها شريكًا دبلوماسيًا وقانونيًا مهمًا يدعم أطروحاتها. وفي خضمّ الاضطرابات التي تلت ذلك، واصلت تركيا دعم شرعية حكومة الوحدة الوطنية، واستقرار البلاد، وتعزيز التعاون الدولي. كما قدّمت دعمًا لإعادة إعمار البنية التحتية التي دمرها الإهمال والحرب الأهلية، وهو ما شكّل في الوقت نفسه فرصًا استثمارية للاقتصاد التركي. وخلاصة القول، تنظر تركيا إلى ليبيا ليس فقط بوصفها حليفًا مهمًا في المنطقة، بل أيضًا كبوابة للانفتاح على القارة الإفريقية. بعد تجاوز التوترات التي نشأت عقب الربيع العربي، شهدت العلاقات بين تركيا وكلٍّ من مصر والإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الخمس إلى الست الماضية مسارًا من التطبيع. وبالتوازي مع استمرار دعمها لحكومة طرابلس، بدأت تركيا بإقامة علاقات محدودة أيضًا مع إدارة حفتر في شرق ليبيا ومع برلمان طبرق. وفي هذا السياق، زار رئيس مجلس النواب عقيلة صالح أنقرة في 13 ديسمبر/كانون الأول 2023، حيث التقى بوزير الخارجية التركي هاكان فيدان. كما زار صدام، نجل خليفة حفتر، تركيا في أبريل/نيسان 2025، وعقد لقاءً مع وزير الدفاع. وترى تركيا أن شرق ليبيا يمثل أهمية متزايدة من حيث مشاريع البنية التحتية، وقطاع الطاقة، وصادرات الصناعات الدفاعية. نظرًا لأن مقاربة تركيا في ترسيم الحدود البحرية على أساس خط المنتصف تخدم مصالح ليبيا كما تخدم مصالح مصر، فإن القاهرة تبدو اليوم أقرب إلى الطروحات التركية. وفي طبرق، شكّل مجلس النواب لجنة لبحث إمكانية المصادقة على اتفاقية تحديد مناطق الصلاحيات البحرية الموقعة مع تركيا عام 2019، والتي كان قد رفضها في ذلك الوقت. تحرص تركيا على أن تُجرى هذه الاتصالات دون الإضرار بشرعية حكومة الوحدة الوطنية، في حين تستمر علاقاتها الأمنية معها على أعلى المستويات. وفي سياق هذا التعاون، تحطمت في تركيا طائرة تقل وفدًا عسكريًا كان في طريقه إلى تركيا، ما شكّل مصدر حزن عميق. وقد أعاد هذا الحادث إلى الأذهان متانة العلاقات بين البلدين. كما أن تداعيات الأزمة الجارية في السودان، ومساعي إسرائيل واليونان لإقصاء تركيا عن شرق البحر المتوسط، إلى جانب تحسّن العلاقات مع مصر، قد أضفت أهمية إضافية على العلاقات التركية-الليبية. ومن المتوقع أن تترك علاقات البلدين انعكاسات جدية في المرحلة المقبلة.
645
| 29 ديسمبر 2025
فيما يرى ابن خلدون أنّ الإنسان كائن اجتماعي بطبيعته، وأنّ الاجتماعية تقوم على التواصل والنظام والاستقرار والتضامن والعدالة، يُفترض بوسائل التواصل الاجتماعي، بحكم تسميتها ووظيفتها، أن تعزّز الحوار والتفاهم وترسّخ قيم العدالة والتكافل بين الناس، بما يدعم البعد الاجتماعي للمجتمع. غير أنّ الانتشار الواسع لهذه المنصّات، التي تجاوز عدد مستخدميها اليوم المليار، يثير إشكالًا جوهريًا حول دورها الفعلي: هل أصبحت أداة لنشر السلام والطمأنينة، أم تحوّلت إلى فضاء يُغذّي خطاب الكراهية ويُسهم في تصاعد مظاهر العنف؟ تُعدّ منصّات التواصل الاجتماعي في وقتنا الحاضر فضاءات لتبادل المعلومات والأفكار، كما تُستخدم أيضًا لأغراض ترفيهية. غير أنّ هذه المنصّات تحوّلت، من جهة أخرى، إلى مجالٍ لانتشار خطاب الكراهية والعنف. ويعود جزء من ذلك إلى طبيعة التفاعل البشري، إذ إن «الأخبار السيئة تنتشر بسرعة». فالمحتويات العاطفية والغاضبة وردود الفعل الانفعالية تنتشر على نحوٍ أسرع من غيرها. وعلى الرغم من صعوبة القول إن منصّات التواصل الاجتماعي تتعمّد نشر العنف، فإن آليات عملها وطريقة اشتغالها تتيح، بشكلٍ غير مباشر، انتشار خطابات الكراهية والعنف. تعمل هذه المنصّات، في إطار سعيها إلى تعظيم الأرباح الإعلانية، على إتاحة المجال أمام القضايا السلبية والخلافية لتحقيق مستويات عالية من التفاعل. وفي هذا السياق، تبرز في العلوم الاجتماعية ظاهرة «غرفة الصدى»، التي تشير إلى حالة ينغلق فيها الأفراد ضمن فضاء تكرَّس فيه آراؤهم وقناعاتهم الذاتية، فلا يكادون يسمعون إلا ما ينسجم معها. وبناءً على ذلك، يميل أصحاب الانتماءات الفكرية أو الميول الأيديولوجية المتقاربة إلى التفاعل مع من يوافقونهم الرأي، على حساب الانفتاح على الأفكار المختلفة أو الدخول في حوار نقدي معها. في هذا السياق، تُعاد الأفكار المتشابهة باستمرار فتترسّخ وتتعزّز، بينما تصبح وجهات النظر المختلفة غير مرئية، ويبدأ الفرد في إدراك آرائه بوصفها الحقيقة المطلقة، وكأنّه محاصر داخل منظومته الفكرية الخاصة. ونتيجة لذلك، تسهم «غرف الصدى» في تعميق الاستقطاب المجتمعي، وإضعاف التفكير النقدي، وتهيئة بيئة لانتشار المعلومات المضلِّلة دون تمحيص أو مساءلة. ولهذا، يُعرَف أن جماعات سياسية مختلفة توظّف خبراء مختصّين في وسائل التواصل الاجتماعي وتبذل جهودًا كبيرة للتأثير في هذا الفضاء. على غرار ما يجري في الواقع الاجتماعي، تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى فضاء للصراع السياسي والثقافي، حيث انتقلت الاشتباكات التي كانت تدور في الشوارع، كما في نزاعات العصابات، إلى مواجهات إعلامية على المنصّات الرقمية. وفي الوقت ذاته، يسهم التعرّض المتكرر لمشاهد العنف عبر الإنترنت في تطبيع العنف أو في إضعاف الحساسية المجتمعية تجاهه. إضافة إلى ذلك، توظّف الجماعات المتطرفة وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مكثّف ونشط، سعيًا إلى ترسيخ أجنداتها الخاصة أو استقطاب مؤيدين جدد. في الواقع، لا تُعدّ شركات وسائل التواصل الاجتماعي بريئة تمامًا. فهي تدّعي أنها تقوم بتصفية محتويات العنف والكراهية، وتطبّق هذا المبدأ إلى حدٍّ كبير في اللغات الغربية، لكنها لا تُظهر القدر نفسه من الحرص عند التعامل مع الاستخدامات خارج السياق الغربي. وفي هذه الحالات، تُقدّم الربح على العدالة، وتتغاضى عن خطاب الكراهية من أجل زيادة التفاعل. وقد لوحظ أنها عندما تريد، تقوم بسرعة بتصفية وحذف المنشورات المناهضة لإسرائيل بجميع اللغات تقريبًا. معظم هذه الشركات المتمركزة في الغرب تخضع لرقابة أشدّ في الدول الغربية، ويمكن مقاضاتها عند الضرورة. غير أنها في دول أخرى تستطيع الإفلات من المسؤولية. ومن جهة أخرى، تخصّص بعض الدول موارد كبيرة لاستخدام حسابات افتراضية، تُعرف بـ«الذباب الإلكتروني» أو «الجيوش الإلكترونية»، من أجل صناعة الرأي العام وفرض أجندات معيّنة. في الوقت الذي تنشر فيه الحسابات الوهمية خطابات الكراهية، تتغاضى شركات وسائل التواصل الاجتماعي عن الحسابات المزيفة والمنشورات التحريضية ظالمة ضد المسلمين في بعض الدول. ما الحلول الممكنة؟ تُعدّ التربية على الثقافة الإعلامية وتعليم أساليب الاستخدام النقدي أمرًا ضروريًا. ويمكن تمكين الناس، ولا سيما الشباب، من التمييز بين المحتوى العادي والمحتوى التحريضي والمضلِّل. كما يمكن لمنصات التواصل الاجتماعي، عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، تصفية خطابات التحريض والكراهية والعنف بجميع اللغات، إلا أن سجلّها في ما يتعلق بقضيتي إسرائيل وفلسطين ليس إيجابيًا إلى حدٍّ كبير. والأهم من ذلك كله، يمكن إحراز تقدم من خلال تعزيز الوعي المجتمعي على المستويين المحلي والوطني، وتطوير التعاون بين المجتمعات، غير أن الوصول إلى حل شامل يظل أمرًا غير سهل.
435
| 22 ديسمبر 2025
مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...
8595
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...
4248
| 09 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...
1218
| 11 مارس 2026
-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة...
1203
| 07 مارس 2026
أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...
969
| 11 مارس 2026
وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...
939
| 10 مارس 2026
عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...
837
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...
723
| 11 مارس 2026
عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...
615
| 12 مارس 2026
في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...
603
| 12 مارس 2026
-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...
582
| 08 مارس 2026
أقدمت إيران بعد استهداف خامنئى على توسيع نطاق...
564
| 07 مارس 2026
مساحة إعلانية