رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تمثل القيم الثقافية منظومة من المعتقدات والأعراف والممارسات المشتركة التي تسهم في تشكيل هوية المجتمع وتوجيه سلوك أفراده، إذ تحدد ما يُعدّ خيرًا وجميلًا ومرغوبًا وأخلاقيًا ومقبولًا في المجتمع، وبذلك تُشكّل أساس الحياة الاجتماعية وتؤثر في العلاقات الإنسانية وقرارات الأفراد ونظرتهم إلى العالم، كما تُعدّ المحدد الرئيسي لخصائص المجتمع العامة. وتنتقل هذه القيم من جيل إلى آخر عن طريق التنشئة الاجتماعية والتعليم والتقاليد الأسرية، بينما يشير التغير الاجتماعي إلى التحولات التي تطرأ على الثقافة والمؤسسات والاتجاهات والسلوكيات داخل المجتمع مع مرور الزمن، ومن ثمّ فإن تغيّر القيم الثقافية يعكس في الوقت ذاته تغيّر المجتمع نفسه.
إن فهم العلاقة بين القيم الثقافية والتغير الاجتماعي يُعدّ ضروريًا لاستيعاب كيفية تغيّر المجتمعات وتكيّفها في عالم يتغير بسرعة تحت تأثير العولمة. وقد تنبع هذه التحولات من ديناميات داخلية أو من تأثيرات خارجية، كما يمكن أن تكون تدريجية أو سريعة. غير أنّه من الواضح أن وتيرة التغير قد تسارعت في عصر التكنولوجيا والعولمة. كما أن القيم الإسلامية تُعرّف المجتمع المسلم وتشكّل هويته، ومن أبرزها: احترام كبار السن، والتضامن الاجتماعي، والتواضع، وكثرة الأولاد، والعمل، والصدق، والتقوى، والصبر، والعفة، وحسن الجوار، والقرض الحسن، والوفاء بالوعد، والشكر، وطلب العلم، والصدقة.
لقد أسهمت هذه القيم منذ زمن بعيد في ترسيخ الاستقرار والاستمرارية وتعزيز الشعور بالانتماء داخل مجتمعاتنا، وظلّت حاضرة وفاعلة في مختلف المراحل التاريخية. كما عبّرت عن قوة المجتمعات المسلمة، إذ مكّنتها من الحفاظ على الإنتاج والتكافل الاجتماعي سواء في أوقات الفقر أو في فترات الثراء. غير أنّ هذه القيم تواجه اليوم تأثيرات متزايدة ناتجة عن عوامل متعددة، مثل التطورات التكنولوجية، والحركات الاجتماعية، والتحولات الاقتصادية صعودًا أو تراجعًا، والتغيرات الديموغرافية، والتحديات البيئية. إضافة إلى ذلك، تفرض الهجرة والتجارة الدولية والتبادل الثقافي أنماطًا جديدة من التفكير، قد تتحدى المعايير التقليدية وتدفع المجتمعات إلى التكيّف معها أو مقاومتها.
رغم تأثر الثقافة الإسلامية بالعوامل العامة المؤثرة في المجتمعات، فإنها تشهد في عصر العولمة والإنترنت تحولات عميقة قد تصل في بعض جوانبها إلى التراجع والتآكل . ومن المؤكد أن القيم الإسلامية ليست جامدة، بل تمتلك مرونة تسمح لها بالتكيف مع المستجدات والظروف المتغيرة، إلا أن القيم التي يجري الترويج لها عالميًا تشكل تحديًا حقيقيًا لتنمية المجتمعات الإسلامية، بل قد تهدد مستقبلها عبر دفعها نحو مزيد من الضعف والانحدار. ومن ثمّ فإن استعادة القيم التي فقدت حضورها أو تراجعت مكانتها لا يمكن أن تتحقق إلا بوعي مجتمعي عالٍ وجهود جادة ومتواصلة.
أدت العولمة إلى انتشار نزعات الفردية والتراجع عن قيم العفّة، الأمر الذي بدأ يزعزع النظام الاجتماعي داخل المجتمعات المسلمة ويضعف تماسكها. كما أن المكانة التي كانت تُمنح للأسرة وللإنجاب، وخاصة قيمة كثرة الأطفال، أخذت تتراجع بصورة ملحوظة تحت تأثير الثقافة الغربية، مما أسهم في بعض الدول الإسلامية في ظاهرة شيخوخة السكان وتناقص عددهم. وفي ظل هذه التحولات، لم يعد كبار السن يحظون بالقدر نفسه من الاحترام والرعاية التي كانوا ينالونها سابقًا. ومع انخفاض الالتزام بقيمة الزواج، اتجه بعض الشباب إلى العزوف عنه، بينما أدى ضعف قيم الصبر والعفة لدى بعض المتزوجين إلى ارتفاع معدلات الطلاق، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار الأسرة ويهدد توازنها الاجتماعي.
مع اتساع ظاهرة التحضر وتزايد الهجرة، بدأت قيمة حسن الجوار تتراجع بشكل ملحوظ. فأصبح كثير من الناس الذين يسكنون في الأبراج والعمارات الكبيرة لا يلتقون بجيرانهم، بل قد يعيشون سنوات دون أن يعرفوا أسماء جيرانهم. كما أن انتشار بطاقات الائتمان والمعاملات المصرفية الحديثة أدى إلى إضعاف قيمة القرض الحسن، حتى كادت تختفي من الواقع الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، فإن تراجع الالتزام بالوفاء بالديون وبالوعود جعل الكثيرين يترددون في إقراض الآخرين. وبذلك أصبح المحتاجون إلى المال مضطرين للجوء إلى البنوك والقروض ذات الفوائد، وقد ينتهي بهم الأمر أحيانًا إلى الوقوع في دوامة الديون والربا.
بالطبع، ليست كل القيم التي جاءت مع العولمة ضارّة؛ فهناك قيم مفيدة للغاية مثل المساواة، وحقوق الإنسان، والحرية، والعمل، والتسامح، والمسؤولية الاجتماعية، والوعي البيئي. ويمكن دمج هذه القيم بسهولة مع القيم الإسلامية. بل يمكن أيضًا إقامة توازن مفيد بين النزعة الجماعية والفردية. وقد تكون الثقافة الإسلامية هي البديل الوحيد القادر على مقاومة الهيمنة الثقافية العالمية ذات المركزية الغربية. وبما أنّ يستحيل إغلاق أنفسنا أمام العالم الخارجي، فإننا نستطيع دون الوقوع في التشاؤم أن نتمسك بقيمنا، وأن نُحدّث أنفسنا ونطورها. لكن قبل كل شيء، يجب أن نثق بثقافتنا، وأن نطلق حملة كبيرة لحمايتها وصونها.
الحرب الروسية الأوكرانية في عام الحسم.. التصعيد أم الدبلوماسية؟
دخلت الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس وهي تشهد في هذه المرحلة تصعيدًا متجددًا، مع تكثيف الطرفين هجماتهما العسكرية... اقرأ المزيد
453
| 07 سبتمبر 2026
الاحتباس الحراري وتزايد الكوارث الطبيعية
يُعدّ الاحتباس الحراري من أخطر التحديات التي يواجهها العالم المعاصر، وتبرز آثاره بوضوح في المنطقة العربية التي تعاني... اقرأ المزيد
735
| 30 أغسطس 2026
لماذا تشعر إسرائيل بالقلق من تركيا؟
بلغ التوتر بين تركيا وإسرائيل في الأيام الأخيرة مستويات غير مسبوقة، إذ سبق لمسؤولين إسرائيليين أن أطلقوا تصريحات... اقرأ المزيد
429
| 23 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ علم الاجتماع في جامعة قطر
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4341
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3156
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1209
| 28 سبتمبر 2026