رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

573

م. حسن الراشد

حلم المشروع الذي تمنيت ألا ينتهي

05 أبريل 2026 , 05:28ص

في ليلة من ليالي رابع أيام عيد الفطر، وخلال زيارة لأحد الموانئ العُمانية المطلة على بحر العرب، ولعله ميناء الدقم، رأيت ذاك المشروع الصناعي العملاق لاستقبال وإعادة تصدير الغاز الطبيعي، الذي طال انتظاره، والذي قد يغيّر خارطة الطاقة العالمية بكل تأكيد. خط أنابيب جبار يشق الأرض كشريان نابض، تتجاوز هيبته وهندسته حدود المألوف، ليطوي المسافات رابطاً حقل الشمال القطري بقلب سلطنة عُمان، وصولاً إلى هذا الميناء الإستراتيجي المطل على بحر العرب.

تأملت زرقة البحر الداكنة المهيبة، ومياهه التي لا تهدأ، وأمواجه العاتية القادمة من أعماق المحيط الهندي وهي ترتطم بالسواحل العُمانية بكبرياء الطبيعة. وهناك، وكأن القدر يكتب فصلاً جديداً من فصول أمن الطاقة، ليتحرر الغاز القطري من ضيق الممرات البحرية، ويتجاوز تحديات عنق الزجاجة في مضيق هرمز.

ومن على أرصفة الموانئ العُمانية، كان الغاز القطري يتدفق بثبات عبر هذا الشريان الإستراتيجي، ليعاد شحنه عبر أساطيل بحرية لا تعرف الكلل والملل، نحو مراكز تخزين إستراتيجية ضخمة، شُيدت في مواقع آمنة وقريبة من كبار المستهلكين في آسيا والعالم، وبعيدة عن بؤر التوتر التقليدية ومخاطر الجغرافيا السياسية، والتي قد تساهم في تقليل المخاطر والتكاليف التأمينية نتيجة لتجنب الممرات المائية عالية المخاطر، كحال مضيق هرمز حالياً. 

لم يكن هذا الإنجاز مجرد مشروع هندسي، بل كان تحولاً إستراتيجياً في معادلة أمن الطاقة، أعاد رسم خريطة تدفقات الغاز، وحرّر الصادرات من قيود الجغرافيا، وتجاوز تعقيدات الجيوسياسة التي كبّلت منطقتنا لعقود من التهديدات والنزاعات. وبفضله، يتحول مضيق هرمز إلى مجرد خيار من خيارات النقل الاعتيادية، لا نقطة اختناق، بينما يُدار جزء من صفقات الطاقة الكبرى والعقود طويلة الأجل عبر منظومة مخزون أمان إستراتيجية عالمية (Strategic Buffer Capacity). قد منح هذا الشريان الغاز القطري القدرة على المرونة الإستراتيجية والتشغيلية، لتعزز قطر موقعها كمركز توازن في أسواق الطاقة العالمية (Energy Hub)، مستندة إلى استقرار تدفق إمداداتها، وقدرتها على الاستجابة للطلب العالمي، فتضخ الإمدادات عند الحاجة، وتدعم استقرار الأسواق وقت الأزمات، بثقة تُبنى على القدرة التشغيلية واستمرارية التوريد، لا على الوفرة فحسب.

 وتعززت ثقة الشركاء الدوليين في قطاع الطاقة بالغاز القطري، إدراكاً منهم أن أمن الطاقة لم يعد مجرد إنتاج، بل منظومة متكاملة تشمل تنويع مسارات التصدير، وبناء المخزونات الإستراتيجية، وإدارة المخاطر الجيوسياسية بعقلية استباقية. وفجأة… وبينما كنت أتأمل هيبة ناقلات الغاز القطرية العملاقة وهي تمخر عباب بحر العرب، كأنها ترسم على صفحة البحر ملامح الثقة وشواهد الهيبة.

 وإذا بأصوات الرعد تدوي بقوة، والبرق يشق الظلام كسيوفٍ من نور تخطف الأبصار، ويشتد هطول المطر كطوفانٍ من سماء، وإذا بصوت الحق يعلو في ذلك المشهد المهيب والرهيب… مشهد ترتجف له القلوب وتقشعر منه الأبدان: بــ الله أكبر… الله أكبر استيقظت على أذان الفجر في تلك الليلة المباركة، والسكينة والهدوء يلفّان المكان، وقد استبدّ بي شعور عميق بالفرح مما رأيت، حتى تمنيت لو أن تلك اللحظات من الحلم لا تنتهي، لأبقى شاهداً على عظمة هذا المشروع وفصول قصته التي لم تكتمل بعد، لكي أروي قصة ذلك الحلم … حلم ذاك المشروع العظيم. ومع يقظة ذاك الفجر المبارك، بدأت التساؤلات الافتراضية تطرح نفسها عليَّ:

 • هل يمكن لمثل هذا التصور أو الحلم أو الخيال أن يتحول إلى واقع اقتصادي وإستراتيجي؟

 • وهل يمكن لفكرة إنشاء مخزون إستراتيجي خارجي للغاز قريب من الأسواق العالمية أن تكون خياراً قابلاً للتطبيق من الناحية الفنية والهندسية والاقتصادية؟

 • ولماذا لا يُقاس المخزون الإستراتيجي للغاز بالأشهر بدلاً من الأيام، كمعيار حقيقي لأمن الطاقة واستمرارية الإمدادات؟

• وهل من الأفضل أن يكون جزء من هذا المخزون قريباً من مراكز الاستهلاك العالمية، لا أن يظل متركزاً فقط في بلد المصدر؟

• وهل يُنظر إلى هذه الفكرة أو هذا الحلم كـ (Conceptual Idea)، كطرح نظري خيالي غير واقعي، أم كخيار إستراتيجي قد يمثل صمام أمان لمستقبل الطاقة في بلدنا الغالي، وعنصراً إضافياً لتعزيز استقرار أسواق الطاقة العالمية؟

 فقد أثبتت تجارب قطاع الطاقة، ومن منظور اقتصادي، أن تنويع مسارات التصدير لا يمثل خياراً لوجستياً فحسب، بل يُعد أحد أهم أدوات إدارة تخفيف المخاطر الإستراتيجية (Risk Mitigation Strategy) للدول المصدّرة، كما يسهم في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد العالمية، والحد من التعرض للصدمات السياسية والاقتصادية، خاصة في ظل ما تشهده منطقتنا من توترات لا تخلو من الأزمات والحروب والتحديات، ولربما لم يكن غياب المخزون الإستراتيجي للغاز تحدياً هندسياً بقدر ما هو نتيجة لاعتماد سوق الغاز تاريخياً على الإنتاج والتوريد المباشر وفق عقود طويلة الأجل بكميات محددة مسبقاً، وهو ما حدّ من الحاجة إلى التخزين، إلى جانب ارتفاع تكاليفه الاستثمارية، إلا أن متغيرات اليوم تفرض إعادة التفكير فيه كركيزة أساسية لأمن الطاقة.

مساحة إعلانية