رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سلوى حسين الباكر

مستشار ومدرب موارد بشرية

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

549

سلوى حسين الباكر

"الثقة في بيئة العمل... كيف تُبنى ولماذا تنهار؟"

10 أبريل 2026 , 07:00ص

 

سلوى الباكر

الثقة ليست شعارًا يُرفع في الاجتماعات، ولا قيمة تُكتب في دليل الموظفين، بل شعور يتكوّن يومًا بعد يوم داخل بيئة العمل. هي ذلك الإحساس الخفي الذي يجعل الموظف يتحدث بأمان، ويقترح دون خوف، ويؤدي عمله وهو مطمئن أن جهده سيُقدَّر بعدل. وحين تغيب الثقة، لا تختفي فجأة، بل تتآكل بصمت حتى يتحول العمل إلى واجب ثقيل لا علاقة له بالانتماء. تبدأ الثقة من وضوح الإدارة قبل أي شيء آخر. الموظف لا يحتاج إلى وعود كبيرة بقدر ما يحتاج إلى قرارات مفهومة، وتوقعات واضحة، وتعامل متسق لا يتغيّر بتغيّر الأشخاص أو الظروف. حين يرى الموظف أن المعايير واحدة للجميع، وأن القرارات لا تُدار بالمزاج أو العلاقات، تبدأ الثقة بالتكوّن تلقائيًا. أما الغموض والتناقض، فهما أسرع طريق لهدمها. كما تُبنى الثقة حين يشعر الموظف أن صوته مسموع، حتى إن لم يُؤخذ برأيه. فالاستماع بحد ذاته رسالة احترام، بينما التجاهل المتكرر يخلق مسافة نفسية يصعب ردمها. وفي المقابل، فإن النقد غير العادل، أو تحميل الأخطاء دون إنصاف، يهز الثقة في جذورها، ويجعل الموظف أكثر حذرًا وأقل مبادرة.

وتلعب القيادة دورًا محوريًا في هذا البناء. القائد الذي يعترف بالخطأ، ويوضح قراراته، ويلتزم بما يقول، يرسل رسالة صامتة مفادها أن الثقة متبادلة وليست مطلبًا أحاديًا. أما القيادة التي تطالب بالولاء دون شفافية، فإنها تزرع الشك حتى وإن حققت نتائج مؤقتة.

غياب الثقة لا يؤدي فقط إلى ضعف الأداء، بل يخلق بيئة عمل صامتة؛ يقل فيها الحوار، وتكثر فيها الحسابات الفردية، وتغيب روح الفريق. في مثل هذه البيئات، لا يغادر الموظفون دائمًا جسديًا، لكنهم ينسحبون نفسيًا، وتفقد المؤسسة أهم ما تملك: المبادرة الصادقة. وفي النهاية، الثقة لا تُفرض ولا تُستعجل. هي نتيجة طبيعية لعدالة مستمرة، ووضوح في القرارات، واحترام متبادل. والمؤسسات التي تدرك أن الثقة أصل لا يقل قيمة عن الكفاءة، هي وحدها القادرة على بناء فرق تعمل بإخلاص، لا بدافع الخوف، بل بدافع القناعة.

مساحة إعلانية