رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فهد عبدالرحمن بادار

تويتر @Fahadbadar

مساحة إعلانية

مقالات

66

فهد عبدالرحمن بادار

النفط في عصر التراجع

16 مايو 2026 , 11:45م

يُعدّ تدمير الطلب Demand Destruction ظاهرةً راسخةً ومعروفة في علم الاقتصاد. ويحدث هذا التدمير عندما يؤدي تقليص العرض لفترة طويلة، أو ظهور تقنية ثورية، إلى انخفاض مستمر في الطلب، يصعب تعويض جزء كبير منه، وهو ما يُمثّل تغييرًا جوهريًا في السوق. فهل نشهد هذا الأمر في قطاع النفط والغاز، نتيجةً للصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وما يصاحبه من حصار لمضيق هرمز؟

ورغم أن ارتفاع أسعار النفط ظل معتدلاً حتى الآن، فمن المحتمل أن تواصل الأسعار ارتفاعها بدلاً من التراجع. وقد لجأت الاقتصادات المتقدمة إلى ضخ كميات كبيرة من احتياطياتها النفطية للتخفيف من آثار اضطرابات الإمدادات، إلا أن هذا الإجراء بطبيعة الحال لا يمكن أن يستمر لأجل غير مسمى. كما جرى الاعتماد على المخزونات التجارية، ولكنها أيضًا محدودة الكمية. وبالإضافة إلى ذلك، كانت هناك بالفعل كميات كبيرة من النفط والغاز قيد النقل عند اندلاع الصراع، غير أن هذه الكميات تتراجع مع كل أسبوع يستمر فيه إغلاق المضيق.

ومن المتوقع أن يشكل بلوغ أسعار النفط مستوى 100 دولار أو أكثر للبرميل، مقارنة بنحو 65 دولارًا في عام 2025، سمة ملازمة للاقتصاد العالمي خلال الفترة المقبلة. وقد يؤدي هذا السيناريو إلى حدوث انخفاض طويل الأمد في الطلب على المنتجات النفطية، وتشير بعض المؤشرات إلى أن هذا الأمر قد بدأ يحدث بالفعل. ووفقًا لاستطلاع أجرته مجلة "الإيكونوميست"، انخفض الطلب على النفط في شهر أبريل بنحو 4 ملايين برميل يوميًا مقارنةً بالتوقعات.

ومن حيث الحجم، تُعد هذه أكبر صدمة في إمدادات الطاقة في التاريخ الحديث. لكنها لا تمثل، على الأقل حتى الآن، أكبر صدمة اقتصادية. ويعود ذلك جزئيًا إلى انخفاض كثافة استهلاك النفط في الاقتصاد العالمي منذ أزمتي أسعار النفط في عامي 1973 و1979. ففي أواخر القرن العشرين، كانت مؤشرات النمو الاقتصادي تتحرك بعلاقة عكسية تقريبًا مع أسعار النفط، إلا أن هذه العلاقة أصبحت أضعف في الوقت الراهن. ففي عام 1973، كان يُستهلك حوالي 131 لترًا من النفط لكل 1000 دولار من نمو الناتج المحلي الإجمالي، بينما انخفض هذا الرقم إلى 52 لترًا بحلول عام 2025.

وعلى سبيل المثال، أصبحت أوروبا أقل اعتمادًا على النفط والغاز في توليد الكهرباء. وقد أسفر الاستثمار في الطاقة النووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، فضلاً عن تعزيز قدرات شبكات الكهرباء، عن تقليل حدة الاضطرابات والتضخم مقارنة بما حدث في عام 2022 عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي أدى إلى تقليص إمدادات النفط والغاز. وفي فرنسا، يبلغ سعر عقد الطاقة الآجل لمدة عام واحد حوالي 50 يورو لكل ميغاواط في الساعة، مقارنةً بذروة تجاوزت 1000 يورو في أغسطس 2022.

ويمثّل تطوّر الطاقة المتجددة سمةً من سمات انخفاض الطلب على النفط والغاز غير أن الصورة تبدو أكثر تعقيدًا من ذلك، إذ إن النفط باعتباره سلعة حيويةً له استخدامات عديدة تتجاوز بكثير عمليات التكرير لإنتاج البنزين والديزل ووقود الطائرات. ومن بين المنتجات المكررة النفتا، التي تأثرت إمداداتها بالصراع في منطقة الخليج. وتُعدّ النفتا المكون الأساسي للبلاستيك، كما تحتوي المركبات الكهربائية على العديد من المكونات المشتقة من النفط، بما في ذلك الأجزاء البلاستيكية في الهيكل، والسوائل الهيدروليكية، وبعض مكونات بطاريات الليثيوم أيون. وبالمثل، تُستخدم المواد البلاستيكية في الألواح الشمسية وتوربينات الرياح.

وتشمل السلع الأخرى المتأثرة بإغلاق مضيق هرمز الهيليوم، الذي يُستخدم في تصنيع الشرائح الإلكترونية الخاصة بالذكاء الاصطناعي والمركبات الكهربائية. كما تأثرت بشكل كبير إمدادات الأسمدة الموجهة للقطاع الزراعي نتيجة الحصار، إلى جانب الألومنيوم الذي يدخل في العديد من الاستخدامات الصناعية.

وقد لا تتوافر بدائل لبعض السلع، إلا أن التغيرات في بعض القطاعات، إلى جانب النفط والغاز، قد تكون طويلة الأمد. ففي قطاع السياحة، ظهرت أزمة حادة في منطقة الخليج، حيث أدى اندلاع النزاع وإغلاق المجال الجوي إلى انخفاض حاد في عدد الرحلات السياحية. كما ساهم نقص إمدادات وقود الطائرات في حدوث ارتفاع حاد في أسعار تذاكر الطيران. ومن المرجّح أن يستغرق تعافي قطاع السياحة وقتًا طويلاً.

ويُعدّ التنقل اليومي مثالاً آخر على ذلك. فقد رشدت العديد من الدول استهلاك الطاقة، أو فرضت أسلوب العمل من المنزل في القطاع العام للحد من استهلاك البنزين، في الوقت الذي شهد ارتفاع أسعار الوقود في محطات التزويد. ونظرًا لتزايد القيود المفروضة على إمدادات النفط والمنتجات ذات الصلة، فمن المتوقع استمرار هذه الإجراءات لفترة طويلة.

مساحة إعلانية