رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد أحمد بكري

كاتب ومؤلف
حساب X ( تويتر): @e6n

مساحة إعلانية

مقالات

411

محمد أحمد بكري

صوتي في جيب المعطف

02 يناير 2026 , 01:28ص

لم أكن أعلم أن للأصوات أماكن تختبئ فيها، تمامًا كما تختبئ الأوراق تحت الكتب القديمة أو كما تنام الذكريات في أدراج لا نفتحها إلا مصادفة. لكنني أدركت هذا متأخرًا. اكتشفت أن صوتي، ذلك الجزء الأكثر صدقًا في داخلي، اختار أن يسكن جيب المعطف بدلًا من أن يشق طريقه إلى الهواء. مكان ضيق، معتم، لكنه يبدو له أكثر رحابة من أي صفحة أو فم أو موقف.

لا أعرف متى بدأ هذا الصوت بالهروب. ربما حين أدرك أن الأسئلة التي أحملها أكبر من الإجابات التي يعرضها العالم. أو حين شعر أن الكلام في كثير من الأحيان، لا يُستخدم للكشف بل للتمويه. فآثر الصمت، ثم أصبح الصمت عادة، والعادة تحولت إلى مأوى، والمأوى صار جيب معطف لا يفارق كتفي.

الغريب أن هذا الصوت لا يصمت تمامًا. إنه يعيش هناك ككائن صغير يسجل ملاحظاته على العالم. أفكر أحيانًا أنه يسمع أكثر منّي ويرى أكثر مما احتمله. يتابع خطواتي وارتباكاتي وحتى لحظات انتصاري العابرة. وكل حين، حين أمد يدي في الجيب لأبحث عن مفتاح، أشعر بخفق خفيف، خفق يذكرني بأنه ما زال هنا، متيقظًا، ينتظر لحظة مناسبة لا يعرفها هو ولا أعرفها أنا.

هناك ليال أسمع فيها هذا الصوت بوضوح غريب. ليالٍ يخفت فيها ضجيج البشر، وتبدو المدينة مثل كيان يتنفس ببطء. عندها فقط يطل صوته كهمس لا يريد أن يُكشف. يخبرني بجمل قصيرة، مبهمة، يحاول أن يختبر قوتي قبل أن يضع الحقيقة كاملة بين يدي. لكنني أعرف أنه يتراجع في اللحظة الأخيرة. ليس خوفًا، لكن ربما حرصًا.

أحيانًا أظن أن هذا الصوت يحمل أسرارًا لم أستطع الاعتراف بها. أشياء رأيتها ولم أفهمها، أو شعرت بها ولم أستطع وضعها في جملة. ربما يحمل وجوهًا مررت بها بسرعة، أو طرقًا لم أسلكها، أو اعترافات لم أملك الشجاعة لقولها. وربما يحمل شيئًا أبسط من ذلك بكثير: الحقيقة التي نتجنبها لأننا نعرف أنها ستغير شكلنا، ولن تعيدنا كما كنا.

وفي لحظة ما، الأسبوع الماضي، شعرت أن الصوت اقترب من الباب. كنت أمشي في شارع هادئ عندما ضربني إحساس غير مبرر بأن جيب المعطف صار أثقل، والكلمات في داخله بدأت تتحرك. أوقفت الخطى، وضعت يدي على الجيب، وشعرت بحرارة طفيفة. حرارة ليست من الطقس، إنما من داخل الجيب نفسه. كان الصوت هناك يقترب، كأنه يتهيأ للخروج. لم أعرف ماذا أفعل! هل أفتح الباب وأسمح له بالتحرر؟ أم أُبقي عليه في الداخل حتى أتأكد أنني قادر على تحمّل ما سيقوله؟

لم يخرج.. اكتفى بالاقتراب، ثم عاد لملجئه. لكنه ترك أثرًا لن أنساه: تلك الارتجافة التي تقول إن اللحظة تقترب مهما طال الانتظار. وهذا وحده يكفي لخلق توتر يشبه توتر من يعرف أن حياته ستتغير، لكنه لا يعرف متى ولا كيف.

إلى ذلك الحين، سيبقى صوتي في جيب المعطف؛ لا هاربًا ولا محتبسًا، بل متأهبًا مع كامل الاحترام لصدقٍ لا أريد أن أخسره. فهناك كلمات لا تُقال إلا مرة واحدة، وإذا خرجت في وقتٍ خاطئ خسرت قيمتها إلى الأبد.

 

اقرأ المزيد

alsharq سلطان الخير وسـتة أعـوام من الإنجازات

إدارة الناس بحكمةٍ واقتـدار في شؤون الحكم ليست بالأمر السهل أو البسيط، بل هي من أصعب التحـديات التي... اقرأ المزيد

30

| 12 يناير 2026

alsharq معول الهدم

لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس المجاملة، ونخشى الحقيقة أو نُخفيها. لقد تحوّلت المجاملة من سلوكٍ... اقرأ المزيد

33

| 12 يناير 2026

alsharq سرٌ يقول يا زين هالبلد

لربما أبادركم بإفشاء سر عني ولا يعرفه إلا عائلتي والمقربون فقط من العائلة، لكني لا أراه سرا جوهريا... اقرأ المزيد

27

| 12 يناير 2026

مساحة إعلانية