رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبدالعزيز الحمادي

كاتب وصحفي

مساحة إعلانية

مقالات

753

عبدالعزيز الحمادي

تحالف خليجي جديد

02 مارس 2026 , 05:43ص

لقد حدث الاحتمال الصعب الذي ظلت تحذر منه دول مجلس التعاون مرارا وتكرارا، وهو اندلاع الحرب في منطقة لم يكن ينقصها مزيد من الحروب والمشاكل التي سيكون لها الأثر السلبي الكبير على المنطقة والعالم نظرا لعدم القدرة على التنبؤ باحتمالات المسار الذي ستسير اليه الأمور في ظل المواجهة والحرب بين الولايات المتحدة الامريكية ودولة الاحتلال الإسرائيلي من جهة وايران من جهة أخرى، وفي ظل هذه المتغيرات المتسارعة التي تعصف بالمنطقة لم يعد الحديث عن الأمن الخليجي وتفعيل التحالف الخليجي الموحد بشكل مختلف عما هو عليه حاليا، لم يعد أبدا ترفا سياسيا أو نقاشا نظريا يطرح في الندوات، بل أصبح أولوية وجودية تفرض نفسها على جدول أعمال صناع القرار، فالهجمات الإيرانية التي طالت دول المنطقة بصورة مباشرة أو عبر أذرعها المختلفة كما جرت العادة، أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن التحديات الأمنية لم تعد احتمالات بعيدة، وإنما واقع قائم يتطلب رؤية دفاعية أكثر تماسكاً وفاعلية.

فمنذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، شكل التنسيق الأمني والعسكري أحد أهم ركائزه، غير أن التطورات الأخيرة أظهرت أن المنظومة الدفاعية الخليجية بحاجة إلى مراجعة شاملة تتجاوز الأساليب التقليدية للتعاون، لتصل إلى مستوى التكامل الحقيقي في التخطيط والجاهزية والقدرات، فالأمن في عالم اليوم الذي يأكل القوي فيه الضعيف لم يعد مجرد تعزيز للقدرات الفردية لكل دولة، بل هو شبكة متكاملة من الدفاع المشترك، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتصنيع العسكري، والأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية الحيوية.

لقد أثبتت الأحداث أن الاعتماد على التحالفات الخارجية وحدها، رغم أهميتها، لا يكفي لضمان استقرار دائم، فالدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها المتغيرة، بينما تبقى الدول المعنية بالأمر ومنها دولنا الخليجية هي المعنية أولا وأخيرا بحماية أراضيها ومقدراتها ومواطنيها، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تعزيز الاعتماد على المقدرات الذاتية، سواء من خلال تطوير الصناعات الدفاعية المحلية، أو توحيد أنظمة التسليح والتدريب، أو إنشاء منظومات دفاع جوي وصاروخي مشتركة قادرة على التصدي لأي تهديد عابر للحدود وغيرها من الحلول التي يراها أهل الاختصاص والعلم من المختصين والخبراء.

ولا شك أن التحدي الذي تواجهه دولنا الخليجية اليوم لا يقتصر على الحروب التي تعيشها منطقتنا حاليا بين ايران من جانب والولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي، وامتدت آثارها الى دولنا الخليجية كلها، بل قد يمتد في حال طال أمد الحرب إلى الأمن الاقتصادي والغذائي والمائي، وهي ملفات باتت ترتبط مباشرة بمفهوم الأمن الشامل فالاستهداف لم يعد يقتصر على المنشآت العسكرية، بل يشمل البنية التحتية للطاقة، والموانئ، وشبكات الاتصالات، ما يتطلب من دولنا الخليجية مجتمعة صياغة استراتيجية دفاعية موحدة تأخذ بعين الاعتبار طبيعة التهديدات الحديثة، بما في ذلك الحرب السيبرانية والطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة.

إن التعاون الأعمق بين دول المجلس لا يعني فقط توقيع اتفاقيات جديدة، بل يتطلب إرادة سياسية واضحة لترجمة مفهوم “الدفاع المشترك” إلى واقع عملي، عبر مراكز قيادة موحدة، وتمارين عسكرية دورية واسعة النطاق، وتكامل في منظومات الإنذار المبكر. كما أن توحيد الرؤية الاستراتيجية سيعزز من قوة الردع، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن أمن الخليج كلٌ لا يتجزأ، وأن أي اعتداء على دولة هو اعتداء على الجميع.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة لإعادة تقييم الأولويات الدفاعية وفق قراءة دقيقة لمصادر الخطر، بعيدا عن ردود الفعل المؤقتة أو السياسات المرحلية، فالأمن لا يُبنى على التوقعات أو حسن النوايا، بل على التخطيط بعيد المدى، والاستعداد الدائم، والاستثمار المستمر في الإنسان والتقنية والسلاح.

إن دول الخليج موحدة ومتعاونة تمتلك من الإمكانات المالية والبشرية والتكنولوجية ما يؤهلها لبناء منظومة دفاعية متقدمة وقادرة على حماية مصالحها، غير أن تفعيل هذه الإمكانات يتطلب الانتقال من مرحلة التنسيق إلى مرحلة التكامل، ومن رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن الاعتماد الخارجي إلى تعزيز الثقة بالقدرات الذاتية.

فالأمن كما أثبتت الأيام والتجارب الماثلة ليس شعاراً يُرفع في أوقات الأزمات، بل هو عملية مستمرة تُدار بعقل استراتيجي، وتُحصَّن بتكاتف جماعي وتغليب مصلحة الجميع والتعاون الصادق بين دولنا الخليجية ثم العربية المحيطة لتبقى منطقتنا بعيدة عن أطماع الأعداء الذين يتربصون بنا وبأمتنا ليل نهار ويحاولون التسلل عبر أي منفذ يجدونه ولا بد من قطع الطرق عليهم بل وقطع ايديهم في حال حاولت المساس بأمن واستقرار المنطقة، وأمام التحديات الإقليمية الراهنة، يبقى الخيار الأكثر حكمة هو تعميق وتفعيل وترسيخ التعاون الخليجي ليكون درعا حقيقيا يحمي الحاضر ويصون المستقبل.

مساحة إعلانية