رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

345

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

توازن التهدئة وفرص السلام

24 مارس 2026 , 02:07ص

برغم التحذيرات المبكرة التي صدرت عن دول مجلس التعاون الخليجي إلى أمريكا من مخاطر الانخراط العسكري المباشر إلى جانب إسرائيل في الحرب ضد إيران، فإن مسار الأحداث اتجه نحو التصعيد العسكري الذي تجاوز في آثاره الحسابات الأولية التي قيل إن الحرب قامت لأجلها. فقد كان التبرير المعلن يتمثل في السعي إلى تقليص الترسانة الصاروخية الإيرانية، ووقف مسار تخصيب اليورانيوم، ومنع طهران من بلوغ مرحلة امتلاك قدرة نووية عسكرية، في ظل مخاوف متزايدة من تغير موازين القوة الإقليمية. غير أن القراءة الأوسع للمشهد تكشف أن الحرب سرعان ما تجاوزت هذه الأهداف المعلنة، لتدخل في مسارات أكثر تعقيدًا ترتبط بمستقبل النفوذ في المنطقة وبإعادة رسم موازين السيطرة في الشرق الأوسط.

فمنذ الضربة الأولى، التي استهدفت قيادات بارزة ومراكز عسكرية وقواعد صاروخية، كان واضحًا أن الرهان يقوم على إضعاف البنية العسكرية الإيرانية بسرعة، ودفع الداخل الإيراني إلى حالة ارتباك واسعة تقلل من قدرة الرد. إلا أن ما جرى لاحقًا أظهر أن الأهداف الرئيسية للحرب لم تتحقق بالصورة التي رُسمت لها، إذ استمرت القدرات الإيرانية في الرد، واتسعت دائرة المواجهة بدلًا من انحسارها.

إن ما تكشفه تطورات الحرب الحالية هو أن التقديرات التي بُنيت عليها بعض التصريحات السابقة بشأن إضعاف القدرة العسكرية الإيرانية لم تكن دقيقة بالقدر الكافي، لأن الواقع الميداني يثبت أن إيران ما زالت تحتفظ بقدرات عسكرية فاعلة تمكنها من مواصلة الرد وإدارة المواجهة بوتيرة لم تتراجع حتى الآن.

وفي المقابل، فإن إيران منذ تولي النظام الحكم فيها قبل نحو سبعة وثلاثين عامًا، اتجهت بصورة واضحة إلى إعطاء أولوية كبيرة لتعزيز جانبها العسكري، فجعلت من بناء القدرات الدفاعية والصاروخية والنووية محورًا أساسيًا في سياساتها الإستراتيجية، مستفيدة من تعاون واسع مع روسيا والصين وكوريا الشمالية وأطراف أخرى في نقل التقنيات والتسليح، في حين لم يحظَ تطوير البنية التحتية المدنية بالمستوى نفسه من الاهتمام.، واستفادت إيران من طبيعتها الجغرافية، ولا سيما المناطق الجبلية الواسعة، في بناء جزء مهم من بنيتها العسكرية داخل عمق الجبال وتحتها، حيث أقيمت منشآت عسكرية ومواقع مرتبطة بالقدرات الصاروخية والنووية في مواقع يصعب الوصول إليها بسهولة، وبعضها يقع على أعماق كبيرة تحت سطح الأرض، وهو ما وفر لها درجة عالية من الحماية أمام الضربات الجوية التقليدية وحتى أمام أنواع متطورة من القنابل الخارقة للتحصينات.

وهذا يفسر لماذا لم تؤدِ الضربات الأولى في الحرب الحالية إلى إنهاء القدرة الإيرانية بالصورة التي كان يُعتقد أنها ستتحقق سريعًا، كما يفسر استمرار إطلاق الصواريخ والقدرات الهجومية بوتيرة تؤكد أن جزءًا مهمًا من البنية العسكرية ما زال قائمًا. فالتصريحات الأمريكية التي قيلت سابقاً القضاء الكامل على البنية العسكرية النووية والصاروخية الإيرانية لم تؤكدها التطورات اللاحقة، بل جاءت الوقائع الميدانية لتبين أن إيران ما زالت قادرة على إدارة الحرب بقوة عسكرية مستمرة، وأن قدرتها على الرد ما زالت حاضرة، بل إن بعض المؤشرات تدل على أن وتيرة الرد أخذت تتصاعد مع مرور الوقت، وهو ما ظهر في استمرار الضربات الموجهة نحو إسرائيل.

 ورغم أن دول الخليج سعت منذ البداية إلى تحييد أراضيها عن أي استخدام عسكري مباشر، لتفادي إعطاء أي ذريعة لفتح جبهة جديدة في المنطقة ومع استمرار الحرب، لم تعد المواجهة مقتصرة على الجانب العسكري، بل دخلت في طور جديد تمثل في استهداف المنشآت الاقتصادية والبنية المدنية لدول الخليج في اعتداء سافر يتجاوز كل القوانين ومبادئ حسن الجوار.

فقد بدأت إسرائيل باستهداف منشآت الطاقة داخل إيران، وهو ما فتح الباب أمام رد اقتصادي مضاد، حين امتدت الضربات الإيرانية إلى منشآت حيوية في المنطقة، وكان من أبرزها استهداف حقل الشمال في دولة قطر، وهو تطور نقل المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة، لأن استهداف الطاقة لم يعد يهدد طرفًا بعينه، بل ينعكس مباشرة على مصالح الدول وشعوبها وعلى الأسواق العالمية وعلى استقرار المنطقة بأكملها.

ومع دخول الحرب أسبوعها الرابع، بدا واضحًا أن استمرار العمليات العسكرية لم يعد مرتبطًا فقط بتحقيق الأهداف الأولى المعلنة، لأن تدمير كامل البنية العسكرية الإيرانية لم يتحقق، كما أن تغيير موازين القوة لم يُحسم، وهو ما يطرح السؤال الأساسي: إذا لم تصل الحرب إلى غايتها المعلنة، فلماذا يستمر القتال؟

الجواب الأقرب أن الحرب تجاوزت مسألة البرنامج النووي وحده، وأصبحت مرتبطة أيضًا بمنع تشكل معادلة إقليمية جديدة ترى فيها إسرائيل نفسها الطرف العسكري الأوحد القادر على فرض التوازن في الشرق الأوسط. فإسرائيل تنظر إلى أي قوة إقليمية صاعدة باعتبارها تحديًا مباشرًا لمعادلة التفوق التي تحرص على استمرارها.

ومن هنا بدأت دول مجلس التعاون تنظر إلى أن الأولوية لم تعد في متابعة مسار الحرب، بل في البحث عن مخرج يوقف هذا النزيف المدمر قبل أن يتوسع أكثر. فالمنطقة لم تعد تحتمل استمرار ضرب منشآت الطاقة والممرات البحرية والمنشآت المدنية، لأن الخطر لم يعد سياسيًا فقط، بل اقتصادي وأمني وبيئي أيضًا.

ولهذا يجب أن توقف أمريكا الحرب كما شاركت في بدايتها، وأن تمارس ضغطًا مباشرًا على إسرائيل لوقف هجماتها، لأن واشنطن تظل الطرف الأكثر قدرة على التأثير في القرار الإسرائيلي.

وفي المقابل، فإن القوى الإقليمية والدولية، عليها أن تمارس ضغطًا سياسيًا متوازنًا على إيران لوقف الردود العسكرية وعدم توسيع دائرة المواجهة، والعودة إلى طاولة المفاوضات من جديد لإيجاد حل إيجابي لجميع الأطراف المتحاربة وضمان الاستقرار السلمي للمنطقة 

فالمعادلة اليوم لم تعد تحتمل منطق الغلبة العسكرية، لأن كل يوم إضافي من الحرب يضيف خسائر جديدة دون أن يحقق حسمًا حقيقيًا لأي طرف.

مساحة إعلانية