رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
برغم التحذيرات المبكرة التي صدرت عن دول مجلس التعاون الخليجي إلى أمريكا من مخاطر الانخراط العسكري المباشر إلى جانب إسرائيل في الحرب ضد إيران، فإن مسار الأحداث اتجه نحو التصعيد العسكري الذي تجاوز في آثاره الحسابات الأولية التي قيل إن الحرب قامت لأجلها. فقد كان التبرير المعلن يتمثل في السعي إلى تقليص الترسانة الصاروخية الإيرانية، ووقف مسار تخصيب اليورانيوم، ومنع طهران من بلوغ مرحلة امتلاك قدرة نووية عسكرية، في ظل مخاوف متزايدة من تغير موازين القوة الإقليمية. غير أن القراءة الأوسع للمشهد تكشف أن الحرب سرعان ما تجاوزت هذه الأهداف المعلنة، لتدخل في مسارات أكثر تعقيدًا ترتبط بمستقبل النفوذ في المنطقة وبإعادة رسم موازين السيطرة في الشرق الأوسط.
فمنذ الضربة الأولى، التي استهدفت قيادات بارزة ومراكز عسكرية وقواعد صاروخية، كان واضحًا أن الرهان يقوم على إضعاف البنية العسكرية الإيرانية بسرعة، ودفع الداخل الإيراني إلى حالة ارتباك واسعة تقلل من قدرة الرد. إلا أن ما جرى لاحقًا أظهر أن الأهداف الرئيسية للحرب لم تتحقق بالصورة التي رُسمت لها، إذ استمرت القدرات الإيرانية في الرد، واتسعت دائرة المواجهة بدلًا من انحسارها.
إن ما تكشفه تطورات الحرب الحالية هو أن التقديرات التي بُنيت عليها بعض التصريحات السابقة بشأن إضعاف القدرة العسكرية الإيرانية لم تكن دقيقة بالقدر الكافي، لأن الواقع الميداني يثبت أن إيران ما زالت تحتفظ بقدرات عسكرية فاعلة تمكنها من مواصلة الرد وإدارة المواجهة بوتيرة لم تتراجع حتى الآن.
وفي المقابل، فإن إيران منذ تولي النظام الحكم فيها قبل نحو سبعة وثلاثين عامًا، اتجهت بصورة واضحة إلى إعطاء أولوية كبيرة لتعزيز جانبها العسكري، فجعلت من بناء القدرات الدفاعية والصاروخية والنووية محورًا أساسيًا في سياساتها الإستراتيجية، مستفيدة من تعاون واسع مع روسيا والصين وكوريا الشمالية وأطراف أخرى في نقل التقنيات والتسليح، في حين لم يحظَ تطوير البنية التحتية المدنية بالمستوى نفسه من الاهتمام.، واستفادت إيران من طبيعتها الجغرافية، ولا سيما المناطق الجبلية الواسعة، في بناء جزء مهم من بنيتها العسكرية داخل عمق الجبال وتحتها، حيث أقيمت منشآت عسكرية ومواقع مرتبطة بالقدرات الصاروخية والنووية في مواقع يصعب الوصول إليها بسهولة، وبعضها يقع على أعماق كبيرة تحت سطح الأرض، وهو ما وفر لها درجة عالية من الحماية أمام الضربات الجوية التقليدية وحتى أمام أنواع متطورة من القنابل الخارقة للتحصينات.
وهذا يفسر لماذا لم تؤدِ الضربات الأولى في الحرب الحالية إلى إنهاء القدرة الإيرانية بالصورة التي كان يُعتقد أنها ستتحقق سريعًا، كما يفسر استمرار إطلاق الصواريخ والقدرات الهجومية بوتيرة تؤكد أن جزءًا مهمًا من البنية العسكرية ما زال قائمًا. فالتصريحات الأمريكية التي قيلت سابقاً القضاء الكامل على البنية العسكرية النووية والصاروخية الإيرانية لم تؤكدها التطورات اللاحقة، بل جاءت الوقائع الميدانية لتبين أن إيران ما زالت قادرة على إدارة الحرب بقوة عسكرية مستمرة، وأن قدرتها على الرد ما زالت حاضرة، بل إن بعض المؤشرات تدل على أن وتيرة الرد أخذت تتصاعد مع مرور الوقت، وهو ما ظهر في استمرار الضربات الموجهة نحو إسرائيل.
ورغم أن دول الخليج سعت منذ البداية إلى تحييد أراضيها عن أي استخدام عسكري مباشر، لتفادي إعطاء أي ذريعة لفتح جبهة جديدة في المنطقة ومع استمرار الحرب، لم تعد المواجهة مقتصرة على الجانب العسكري، بل دخلت في طور جديد تمثل في استهداف المنشآت الاقتصادية والبنية المدنية لدول الخليج في اعتداء سافر يتجاوز كل القوانين ومبادئ حسن الجوار.
فقد بدأت إسرائيل باستهداف منشآت الطاقة داخل إيران، وهو ما فتح الباب أمام رد اقتصادي مضاد، حين امتدت الضربات الإيرانية إلى منشآت حيوية في المنطقة، وكان من أبرزها استهداف حقل الشمال في دولة قطر، وهو تطور نقل المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة، لأن استهداف الطاقة لم يعد يهدد طرفًا بعينه، بل ينعكس مباشرة على مصالح الدول وشعوبها وعلى الأسواق العالمية وعلى استقرار المنطقة بأكملها.
ومع دخول الحرب أسبوعها الرابع، بدا واضحًا أن استمرار العمليات العسكرية لم يعد مرتبطًا فقط بتحقيق الأهداف الأولى المعلنة، لأن تدمير كامل البنية العسكرية الإيرانية لم يتحقق، كما أن تغيير موازين القوة لم يُحسم، وهو ما يطرح السؤال الأساسي: إذا لم تصل الحرب إلى غايتها المعلنة، فلماذا يستمر القتال؟
الجواب الأقرب أن الحرب تجاوزت مسألة البرنامج النووي وحده، وأصبحت مرتبطة أيضًا بمنع تشكل معادلة إقليمية جديدة ترى فيها إسرائيل نفسها الطرف العسكري الأوحد القادر على فرض التوازن في الشرق الأوسط. فإسرائيل تنظر إلى أي قوة إقليمية صاعدة باعتبارها تحديًا مباشرًا لمعادلة التفوق التي تحرص على استمرارها.
ومن هنا بدأت دول مجلس التعاون تنظر إلى أن الأولوية لم تعد في متابعة مسار الحرب، بل في البحث عن مخرج يوقف هذا النزيف المدمر قبل أن يتوسع أكثر. فالمنطقة لم تعد تحتمل استمرار ضرب منشآت الطاقة والممرات البحرية والمنشآت المدنية، لأن الخطر لم يعد سياسيًا فقط، بل اقتصادي وأمني وبيئي أيضًا.
ولهذا يجب أن توقف أمريكا الحرب كما شاركت في بدايتها، وأن تمارس ضغطًا مباشرًا على إسرائيل لوقف هجماتها، لأن واشنطن تظل الطرف الأكثر قدرة على التأثير في القرار الإسرائيلي.
وفي المقابل، فإن القوى الإقليمية والدولية، عليها أن تمارس ضغطًا سياسيًا متوازنًا على إيران لوقف الردود العسكرية وعدم توسيع دائرة المواجهة، والعودة إلى طاولة المفاوضات من جديد لإيجاد حل إيجابي لجميع الأطراف المتحاربة وضمان الاستقرار السلمي للمنطقة
فالمعادلة اليوم لم تعد تحتمل منطق الغلبة العسكرية، لأن كل يوم إضافي من الحرب يضيف خسائر جديدة دون أن يحقق حسمًا حقيقيًا لأي طرف.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5727
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5514
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1749
| 13 مايو 2026