رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

378

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

السلوكيات اليابانية وواقعنا الخليجي

16 مايو 2026 , 11:19م

تجربة اليابان في النظافة والانضباط ليست مجرد صورة جذابة يتداولها الناس في وسائل التواصل، بل هي نموذج حضاري يمكن لأي مجتمع الاستفادة منها إذا أراد الارتقاء بواقعه اليومي. والسؤال: هل نستطيع نحن في دول الخليج الاستفادة من سلوكيات اليابانيين؟ الإجابة المؤكدة: نعم، ويمكن أن يكون الأثر أسرع مما نتوقع إذا بدأنا بالطريقة الصحيحة.

فالأساس الأول في التجربة اليابانية هو ترسيخ فكرة المسؤولية الفردية قبل كل شيء. في اليابان لا ينتظر الشخص موظف البلدية ليقوم بالمهمة، ولا يعتمد على وجود عامل نظافة في الشارع، بل يرى أن الحفاظ على المكان واجب عليه هو قبل غيره. هذه الفكرة لو أصبحت جزءًا من ثقافتنا اليومية، فإن الشوارع ستتغير، والمرافق ستبقى نظيفة، وستنخفض التكاليف التشغيلية بشكل كبير دون الحاجة إلى حملات موسمية سرعان ما تتراجع نتائجها.

ومن أهم ما يمكن الاستفادة منه أيضًا هو التركيز على الطفل والمدرسة. فالطالب الياباني هو الذي ينظف فصله وممرات المدرسة، ليس لأنه مجبر، بل لأن المنهج الدراسي نفسه يغرس هذا السلوك باعتباره قيمة حضارية. ولو طُبّق جزء من هذا النهج في مدارسنا مثل أن ينظف الطالب طاولته أو يشارك مع زملائه في ترتيب الصف - لظهرت نتائج إيجابية خلال سنوات قليلة، إذ تنشأ أجيال تحترم المكان العام وتُدرك أن النظافة ليست مهمة جهة معينة بل مسؤولية الجميع.

أما احترام المرافق العامة فهو درس آخر مهم يمكن نقله بسهولة. في اليابان تبدو دورات المياه العامة وكأنها داخل فندق فاخر، ومع ذلك لا أحد يفسدها أو يتركها في حالة سيئة، لأن المجتمع يرى أن إهمال المكان العام تصرف غير مقبول. وإذا استطعنا ترسيخ هذا المفهوم في مجتمعنا من خلال الإعلام، والتوعية، والقوانين، وغرس القدوة - فإن مستوى المرافق سيرتفع تلقائيًا وستصبح بيئتنا أكثر جودة وراحة للجميع.

ولا يمكن تجاهل جانب الانضباط والتنظيم، وهو عنصر رئيسي في نجاح اليابانيين. فمن احترام الوقت إلى ترتيب الطوابير، ومن الصمت في وسائل النقل إلى الحركة المنظمة في الشوارع، كلها تفاصيل تصنع مجتمعًا يسير بانسجام. وهذا السلوك لو طُبّق في بيئتنا، سيخفف الازدحامات، ويحسّن الخدمات، ويرفع كفاءة المؤسسات، ويجعل الحياة اليومية أكثر سلاسة.

الجميل أن هذه الدروس لا تحتاج إلى ميزانيات ضخمة أو مشاريع معقدة، بل تحتاج إلى إرادة مجتمعية تبدأ بالأسرة والمدرسة وتُعزَّز عبر الإعلام وتُدعم بسياسات واضحة. فاليابان نجحت ليس لأنها دولة غنية فقط، بل لأنها دولة بنَت إنسانًا يحمل سلوكًا مسؤولًا يشعر أنه جزء من المكان، وأن ما يتركه خلفه يعكس صورته وصورة وطنه.

إن الاستفادة من التجربة اليابانية ممكنة ومجدية، بل هي ضرورة إذا أردنا بناء بيئة حضارية متطورة تتناسب مع طموحات دول الخليج ورؤية قطر الوطنية 2030. فالتقدم الحقيقي يبدأ من سلوك بسيط كالتزام النظافة، واحترام الوقت، والمحافظة على المرافق، وهذه اللبنات الصغيرة هي التي تبني الأمم قبل ناطحات السحاب والطرق الحديثة. اليابان ليست معجزة، لكنها نموذج يُثبت أن السلوك الجيد قادر على صناعة الفرق، وأن المجتمعات ترتقي عندما يتحمل كل فرد دوره بإخلاص ومسؤولية.

مساحة إعلانية