رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

156

هديل رشاد

الموت أبطأ لكنه حاضر

19 مايو 2026 , 11:18م

قال تعالى ﴿ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، إنَّ هذه الآية الكريمة استطاعت أن تلخِّص طبيعتهم وجبلّتهم في نقض العهود والتنصل من المواثيق، وكأنها توجيه وتحذير رباني للمسلمين بألا ينخدعوا بمعسول القول، أو يغتروا بالعهود والاتفاقات التي لا تلبث أن تتحول إلى حبر على ورق، فالتاريخ الطويل للصراع أثبت مراراً أن المواثيق التي تُبرم مع الاحتلال الإسرائيلي تبقى رهينة المصالح والقوة، فيما يكون الفلسطيني وحده من يدفع ثمن هذا النكث المتكرر.

ومنذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في غزة خلال أكتوبر 2025، بدا المشهد أمام العالم وكأن الحرب فقدت حدّتها الأولى، أو على الأقل خرجت من ذروة الدمار المفتوح، تراجع حضور الصور العاجلة، وخفّ صوت القصف مقارنة بالأشهر الأولى، فبدا وكأن القطاع دخل مرحلة أقل دموية، غير أن هذا الهدوء النسبي لا يعكس حقيقة ما يجري داخل مدينة ما تزال تعيش تحت ضغط الموت اليومي، وإن تبدلت أدواته وحدّته.

فمنذ بدء الهدنة الهشة، لم تتحول غزة إلى مساحة آمنة، بل إلى نموذج آخر للحرب؛ حرب أقل ظهوراً على الشاشات، لكنها أكثر التصاقاً بتفاصيل الحياة اليومية للسكان، القصف لم يتوقف بصورة كاملة، والقتل لم يتوقف، كما لم تتوقف القيود على دخول الغذاء والدواء والوقود، في وقت يعيش فيه القطاع واحدة من أكثر مراحله هشاشة على المستويين الصحي والإنساني.

الحروب الطويلة تمتلك قدرة خطيرة على دفع العالم نحو الاعتياد، ومع مرور الوقت، تتراجع حساسية المتابعة الدولية تجاه الكارثة، حتى وإن بقيت أسبابها قائمة، وهذا ما تبدو عليه غزة اليوم؛ مدينة خرجت تدريجياً من دائرة "العاجل"، لكنها ما تزال غارقة في واقع يومي يزداد قسوة وتعقيدًا.

وبعيداً عن اللغة السياسية التي تدعي وقف إطلاق النار، تكشف الأرقام صورة مختلفة تماماً، فبحسب ما نشره موقع (Middle East Eye) نقلاً عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، تم توثيق ما لا يقل عن 2400 انتهاك إسرائيلي خلال الأشهر الستة الأولى من وقف إطلاق النار، الممتدة بين 10 أكتوبر 2025 و10 أبريل 2026، مع تسجيل عشرات الانتهاكات الأخرى منذ ذلك الحين، وشملت تلك الانتهاكات 1109 غارات جوية، إلى جانب 921 عملية إطلاق نار استهدفت مدنيين في مناطق مختلفة من القطاع، كما أسفرت الهجمات، وفق وزارة الصحة الفلسطينية، عن مقتل ما لا يقل عن 857 فلسطينياً وإصابة 2486 آخرين حتى 15 مايو، بينهم 229 طفلاً.

إنَّ هذه الأرقام ليست أرقاما فحسب إنما براهين وأدلة تكشف هشاشة واقع ما يزال فيه الفلسطيني في غزة يعيش تحت احتمالية الموت نفسها، حتى وإن تراجع حضور الحرب إعلامياً، فالقطاع الذي دُمّرت أحياؤه ومستشفياته وبناه التحتية، لم يحصل فعلياً على فرصة للتعافي، بل انتقل من مواجهة القصف المكثف إلى مواجهة استنزاف يومي طويل.

ويبدو المشهد الصحي واحدا من أكثر وجوه هذا الاستنزاف قسوة، فقد أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أمس أن نقص الأدوية يهدد حياة نحو 225 ألف مريض يعانون من ارتفاع ضغط الدم، في ظل نقص حاد في العلاجات الأساسية، وتراجع قدرة المؤسسات الصحية على متابعة المرضى وتشخيص الحالات الجديدة بسبب تدمير مراكز الرعاية الصحية الأولية الأمر الذي أدى إلى غياب شبه كامل لعمليات الرصد المبكر والمتابعة الدورية، ما حوّل الأمراض المزمنة إلى تهديد حقيقي، ففي غزة كل الطرق تؤدي إلى الموت.

ولا يمكن فصل ذلك عن البيئة التي يعيش فيها السكان اليوم؛ مياه ملوثة، اكتظاظ شديد، نقص الغذاء، وضغط نفسي مستمر داخل خيام ومبانٍ مدمرة، وهي ظروف تجعل الجسد يواجه المرض بأضعف قدرة ممكنة على المقاومة، فيما تتحول النجاة نفسها إلى عبء يومي.

ختاماً...

.. وربما تكمن خطورة ما يجري في أنَّ غزة لم تعد تواجه حربا عسكرية بالمعنى التقليدي فقط، بل واقعاً يعيد إنتاج المأساة يوما بعد آخر، فحين يُترك السكان وسط نظام صحي منهك، وغذاء شحيح، وبنية تحتية مدمرة، وهدنة قابلة للانهيار في أي لحظة، يصبح الموت أبطأ لكنه حاضر.

اقرأ المزيد

alsharq هل تدخل كرة القدم عصر “أسواق التوقعات”؟

في يناير الماضي حقق متداول مجهول أرباحًا تجاوزت 436 ألف دولار بعدما وضع ما يقارب 32 ألف دولار... اقرأ المزيد

204

| 20 مايو 2026

alsharq طافك رمضان؟ تفضل

في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر،... اقرأ المزيد

447

| 19 مايو 2026

alsharq "الأمراض الإدارية" والانهيار الصامت

في قلب الدوحة الآن، حيث يبرز معرض الدوحة الدولي للكتاب في نسخته الحالية كمنارة فكرية تجمع صناع المعرفة... اقرأ المزيد

159

| 19 مايو 2026

مساحة إعلانية