رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أحمد المعاضيد

مساحة إعلانية

مقالات

9

أحمد المعاضيد

لصالح أي أجندة يعملون؟

20 مايو 2026 , 05:20ص

ظهر مقطع مصوَّر على قناة العربي يتناول تصريحًا منسوبًا إلى أنغيلا ميركل، مفاده أن «أراضي المسلمين تلونت باللون الأحمر بسبب الحروب، بينما في الهند يوجد نحو 150 إلهًا ومع ذلك يعيشون بسلام».

والمستغرب أن المذيع لم يكتفِ بنقل هذا الكلام، بل عقّب عليه قائلًا إن ما قالته ميركل صحيح 100٪. وهنا يبرز السؤال المشروع: هل هذا جهل بالتاريخ؟ أم تجاهل متعمَّد للوقائع؟ أم انسجام مع خطاب انتقائي يُراد تمريره دون مراجعة؟

إذا كنا سنتحدث عن “السلام” و“الحروب”، فالأولى أن ننظر إلى التاريخ بميزان واحد، لا بانتقائية تُغفل ما لا يخدم الفكرة. فألمانيا، التي يُستشهد بتجربتها، ليست دولة بلا سجل حافل بالصراعات والدماء.

في مطلع القرن العشرين، ارتكبت القوات الألمانية في ناميبيا واحدة من أولى الإبادات الجماعية الحديثة، حيث قُتل عشرات الآلاف من السكان الأصليين في ظروف قاسية، شملت التجويع والعطش ومعسكرات الاحتجاز في الصحراء. وهي جريمة موثقة يعترف بها المؤرخون، وتُعد من أبشع صفحات التاريخ الاستعماري الأوروبي.

ثم جاءت الحرب العالمية الأولى، التي كانت ألمانيا أحد أطرافها الرئيسية، وأسفرت عن مقتل ملايين البشر. ولم تمضِ سنوات حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية، التي انطلقت شرارتها من أوروبا وكانت ألمانيا النازية في قلبها، لتخلّف عشرات الملايين من الضحايا، وتشهد جرائم واسعة بحق شعوب متعددة في القارة الأوروبية.

هذه ليست أحداثًا هامشية، بل محطات كبرى شكلت التاريخ الحديث، ولا يمكن القفز فوقها عند الحديث عن “السلام” وكأنها لم تكن.

أما في الحاضر، فإن الصورة ليست منفصلة تمامًا عن الماضي، فالدور الألماني في السياسة الدولية لا يزال حاضرًا ومؤثرًا. ومن بين أكثر القضايا إثارة للجدل، دعم ألمانيا لإسرائيل سياسيًا وعسكريًا، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الدولية لسقوط المدنيين، ومنهم الأطفال، في قطاع غزة. وهو ما يطرح تساؤلات أخلاقية حول ازدواجية المعايير في التعاطي مع قضايا الإنسان والحروب.

إن المشكلة ليست في نقل تصريح أو حتى في مناقشته، بل في تقديمه كحقيقة مطلقة دون وضعه في سياقه التاريخي والسياسي. فالعالم أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في جملة عابرة، أو مقارنة سطحية بين حضارات وشعوب.

الخلاصة أن الإعلام حين يتخلى عن التوازن، ويكتفي بترديد خطاب أحادي، فإنه لا ينقل الحقيقة كاملة، بل يساهم في تشكيل وعي ناقص. وهنا يعود السؤال من جديد:

لصالح من تُقدَّم هذه الصورة؟

ولأي رواية يُراد لها أن تترسخ في أذهان المشاهدين؟

مساحة إعلانية