رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لليوم الرابع على التوالي، ومنذ أن أُعلن نبأ وفاة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أحاول أن أمسك قلمي لأكتب "ترويدتي" عن مواقف سموه حيال القضية الفلسطينية، لكنني في كل مرة أجد الأحرف الأبجدية ضئيلة، والكلمات غدت شاحبة، بل وعاجزة عن الإحاطة بصنائعه الجليلة، أو حتى وصف قامة كان ولا يزال حضورها أكبر من أن تختصره اللغة بكل ما أوتيت من جزالة وغنى. وأمام بياض إحدى صفحات مسودتي، ظننت أن هذا العجز شعور يخصني وحدي، وأنني أنا من لم أجد اللغة التي تليق برحيل فقيد الوطن الكبير، لكنني، بدافع الفضول أكثر من أي شيء آخر، توجهت إلى المنصات الإعلامية الفلسطينية، وحسابات الصحفيين والكتاب والناشطين الفلسطينيين، لأرى كيف تصدر خبر الوفاة عناوينهم، وكيف نعوا الأمير الوالد، فإذا بي أكتشف أن المأزق لم يكن مأزقي وحدي؛ فالجميع كان يحاول أن ينتقي بديع الوصف، إلا أن كلماتهم كانت تؤكد أن الأمير الوالد رجل وزعيم استثنائي، غيّر وجه التاريخ بمواقفه الثابتة تجاه القضية الفلسطينية، حتى غدا من الصعب أن تختصره الكلمات. لم تكن منشوراتهم تكرر صفاته، ولا تستعرض سيرته بقدر ما كانت تستدعي مواقفه، وكأن الفلسطينيين، في لحظة الرحيل المؤلم، لم يبحثوا في أرشيف خطابات سموه عما يؤكد مواقفه تجاه فلسطين والمسجد الأقصى وغزة، بل فتشوا في ذاكرة الوفاء، هناك حضرت غزة أولًا، واستعاد كثيرون زيارة سموه التاريخية في أكتوبر عام 2012، حين كسر حصار القطاع، ترافقه صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر ووفد قطري رفيع المستوى، في زيارة لم تكن آنذاك رسالة سياسية أربكت العدو الصهيوني فقط، بل كانت رسالة إنسانية هدفت إلى مداواة أوجاع الغزيين ونصرتهم فعلًا لا قولًا. فالأمير الوالد آنذاك لم يكتف بكسر الحصار، بل حمل معه مشروعًا متكاملًا لإعادة إعمار ما دمرته الحروب، فأعلن يومها حزمة مشاريع تجاوزت قيمتها 400 مليون دولار، شملت إنشاء مدينة حمد السكنية، وإعادة تأهيل شارع صلاح الدين، وإنشاء مستشفى الشيخ حمد للتأهيل والأطراف الصناعية، إلى جانب مشاريع للبنية التحتية والإسكان والطرق والمرافق العامة، كان سموه هو من يتابع أدق التفاصيل حتى تحولت تلك المشاريع إلى بيوت آوت آلاف الأسر الفلسطينية، وإلى طرق أعادت وصل ما قطعه الدمار والاحتلال، وإلى مؤسسات ظلت تخدم الفلسطينيين حتى دُمِّر كثير منها في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، ولهذا لم يكن استقبال الغزيين للأمير الوالد بأغصان الزيتون آنذاك سوى رسالة صادقة منهم عن امتنانهم لكسر سموه عزلتهم الجبرية، قبل أن تكون زيارة رسمية. ذلك الموقف لم يكن الوحيد الذي رسخ مكانة الأمير الوالد في الوجدان الفلسطيني، بل يستحضر كثيرون عبارته الشهيرة خلال افتتاح القمة الطارئة في الدوحة منتقدا غياب التوافق العربي بشأن العدوان على غزة عام 2009، حين قال "إنه ما إن يكتمل النصاب لعقد هذه القمة حتى ينقص، حسبي الله ونعم الوكيل". ورغم أن هذه العبارة كانت شاهدة على خيبة أمل سموه من واقع عربي مرتبك، فإنها ترسخت في وجدان الفلسطينيين، لأنها كشفت أن القضية الفلسطينية تشكل همًا حمله على كتفيه، وقضية آمن بأن نصرتها مسؤولية لا يساوم عليها الرجال. وأرى أنَّ أثمن ما يتركه القادة بعد رحيلهم ليس الماديات المتمثلة في الطرق والمباني والبنى التحتية، وإنما ما يؤسسون له من نهج، ومن يتأمل السياسة القطرية تجاه القضية الفلسطينية يدرك أن ما غرسه الأمير الوالد في هذا الجانب ينمُّ عن رؤية راسخة أصبحت جزءًا من ثوابت الدولة، ولهذا لم يكن استمرار الدعم القطري لفلسطين في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني تحولًا في السياسة، بل امتدادًا طبيعيًا لمدرسة أرساها الأمير الوالد، تقوم على أن فلسطين قضية القطريين قيادةً وشعبًا، لذلك لم يكن الحزن الفلسطيني على الأمير الوالد حزنًا فرضته لحظة الرحيل، بل كان وفاءً لرجل ارتبط اسمه بمحطات مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، فالتاريخ لا يخلد قادة الأقوال، بل يخلد قادة الأفعال والمواقف. ختامًا… ثمة رجال لا يختصرهم لقب، ولا يحتويهم منصب، لأن أثرهم يمتد في تاريخ الأوطان ووجدان الشعوب، وكان صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحدًا منهم؛ رجلًا سيظل حاضرًا كلما ذُكرت غزة، وكلما استعاد الفلسطينيون أسماء الذين لم يكتفوا بالتضامن معهم، بل شاركوهم الألم، وأسهموا في تضميد جراحهم، وخلفوا إرثًا من المواقف أكبر من أن يحتويه مقال، وأبقى من أن يطويه الزمن. ولذلك لم يكن مستغربًا أن تنعقد مجالس العزاء في غزة على ركام منازلهم، وأن يُطعم بعضهم عن روح سموه، وأن تُنظم في رثائه القصائد، وتُكتب كلمات الوفاء ليس تملقاً ولا تزلفاً، إنما بمنتهى الوفاء لرجل حفر اسمه في الذاكرة الفلسطينية بمواقف بقيت وستبقى حاضرة في أشد الأيام قسوة، وسيظل معروفه دينًا في أعناق أجيال من الفلسطينيين.
183
| 15 يوليو 2026
"يا طالعين عين للل الجبل… يا موللل الموقدين النار"...هذه واحدة من أشهر الأهازيج الشعبية الفلسطينية، تلك التي كانت النساء يرددنها بطريقة "الملالاة" أي وضع حرف اللام بين كل كلمة لإيصال رسائل مشفرة إلى الأسرى والثوار لتضليل سجانيهم، فغدت وسيلة من وسائل المقاومة، وحافظة للذاكرة الفلسطينية، ومادفعني للحديث عنها هو المقطع المصور الذي يظهر عدداً من المستوطنين الاسرائيليين خلال زراعتهم كروم العنب المنهوبة من أصحابها الأصليين وهم يرددونها، ويؤدونها كما لو كانت جزءًا من موروثهم، عندها وجدت نفسي أعود إلى ملف سرقة التراث الفلسطيني، لأكتشف أن هذا الفيديو ماهو سوى حلقة جديدة في مسلسل قديم بدأ قبل عقود. ...وأثناء البحث في هذا الملف، بدا واضحًا أن استهداف التراث الفلسطيني لم يبدأ مع نكبة عام 1948، بل سبقها بسنوات طويلة، فمنذ البدايات الأولى للمشروع الصهيوني، لم يكن الصراع على الأرض وحدها، وإنما على التاريخ أيضًا، فالأرض يمكن احتلالها بالقوة، أما شرعنة احتلالها فتحتاج إلى رواية، والرواية تحتاج إلى شواهد، وهنا بدأ السطو على كل ما يثبت عمق الوجود الفلسطيني. حيث يشير مركز المعلومات الوطني الفلسطيني إلى أن الاحتلال اتبع وسائل متعددة لإعادة تشكيل المشهد الثقافي الفلسطيني، من خلال الاستيلاء على المواقع الأثرية، ونهب وسرقة القطع التاريخية الأثرية ونقلها إلى المتاحف الإسرائيلية، وتغيير أسماء المواقع وربطها بروايات توراتية، إلى جانب مصادرة المخطوطات والأرشيفات التي توثق تاريخ فلسطين، وتؤكد وزارة السياحة والآثار الفلسطينية وجود (6963) موقعًا أثريًا مسجلًا في الضفة الغربية، يقع عدد كبير منها في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، الأمر الذي يجعلها عرضة للتنقيب غير المشروع والاستيلاء والتهويد. ولم تتوقف محاولات السطو عند الآثار، بل امتدت إلى الرموز التي يعرف بها الفلسطيني نفسه، فالكوفية بلونيها الأبيض والأسود والتي تعد رمزا وطنيا فلسطينيا، ظهرت في عروض أزياء إسرائيلية بعد تجريدها من رمزيتها السياسية والوطنية، كما تعرض الزي الفلسطيني لمحاولات متكررة لسرقة غرز التطريز التي تحفظ هوية المدن والقرى الفلسطينية، رغم أن كل نقشة تحكي مكانًا وتاريخًا وذاكرة، وفي عام 2021، سجلت اليونسكو فن التطريز الفلسطيني على قائمتها للتراث الثقافي غير المادي، في اعتراف دولي بأصالته وارتباطه بالمجتمع الفلسطيني. وامتدت محاولات السطو إلى المطبخ الفلسطيني أيضًا، إذ قُدمت أطباق مثل الحمص والفلافل والمقلوبة في معارض دولية وعلى متن الخطوط الجوية الإسرائيلية باعتبارها أطباقًا إسرائيلية، في تجاهل لتاريخها المتجذر في فلسطين، وحتى الأهازيج الشعبية التي رافقت مواسم الحصاد والأعراس، وروت حكايات المقاومين والأسرى، لم تسلم من محاولات إعادة تقديمها خارج سياقها الوطني الفلسطيني. وفي غزة، لم يقتصر الاعتداء على سرقة التراث، بل طال وجوده المادي نفسه. ووفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تعرض نحو (200) موقع أثري وتراثي للتدمير، واندثر أكثر من (2100) ثوب وقطعة تطريز تراثية، كما تضررت (87) مكتبة و (25) مركزًا ثقافيًا وثمانية دور نشر ومطابع، وأظهر مسح أجرته وزارة السياحة والآثار الفلسطينية أن (226) موقعًا تراثيًا من أصل (316)موقعًا تعرضت لأضرار، بينها (138) موقعًا لحقت بها أضرار جسيمة، في خسارة تجاوزت المباني لتصيب الذاكرة الفلسطينية ذاتها. وهُنا أريد التأكيد أنَّ سرقة التراث والهوية لا تقل خطورة عن سرقة الأرض والمدن، فمحاولات الاستيلاء على الرموز والهوية الفلسطينية من الكوفية، أو الثوب، أو الأهزوجة، أو الطبق الشعبي، لا يبحث عن إرث ثقافي يضيفه إلى تاريخه فقط، إنما يحاول وبكل شراسة أن ينتزع من الفلسطيني الأدلة التي تثبت أنه كان هنا، فحين تُسرق الحكاية، يصبح تزوير التاريخ أسهل، وحين يُزور التاريخ، تصبح سرقة الأرض أقل كلفة في نظر العالم، غير أن ما حفظته ذاكرة الفلسطينيين على امتداد الأجيال، لن تمحوه رواية صُنعت على عجل، لأن التراث، قبل أن يكون حجرًا أو ثوبًا أو أغنية، هو هوية شعب لا تزال تنبض بالحياة. ختاماً... ولعل ما ورد في هذا المقال، بما تضمنه من وقائع وأرقام، لا يمثل سوى غيض من فيض ملف طويل يوثق محاولات الاستيلاء على التراث الفلسطيني وإعادة تقديمه برواية أخرى، فكلما تعمقت في المصادر والمراجع، اتسعت قائمة السرقات، من الآثار والمخطوطات إلى الأزياء والأطعمة والأهازيج، في محاولة لا تستهدف الموروث الثقافي وحده، بل الوعي الجمعي والذاكرة التاريخية للشعب الفلسطيني، وربما لهذا السبب، لا تقل سرقة الهُوية والتراث خطورة عن سرقة الأرض، فبالأولى يسعون إلى تهويد الرموز الفلسطينية، وفي الثانية يسعون للاستيلاء على جغرافية المكان.
243
| 07 يوليو 2026
للمرة المئة أقف حائرة أمام أوراقي التي أتركها كمسودة أولى لـ"ترويدتي"، وكلما عزمت أن أكتب عن شأنٍ آخر، أو أن أترك لفلسطين استراحةً من قلمي، وجدت ما يعيدني إليها قسراً، ليس لأن العالم خلا من القضايا، بل لأن فلسطين لا تكف عن إنجاب الفواجع، حتى يصبح تجاوزها إلى غيرها نوعًا من الخيانة الأخلاقية أمام ما يحدث فيها. فبت أفتش عن بداية للمقال وأطرح على نفسي سؤالاً: أأكتب عن استهداف خيام النازحين في مواصي خان يونس، أمس الأول، التي تحولت في لحظات إلى كتل من اللهب والرماد، واستشهاد أم وطفلتها الوليدة؟، أم أكتب عن محمد أبو جياب، الفتى ابن السادسة عشرة، الذي اندفع نحو البحر باحثاً عن فسحة يلتقط فيها أنفاس غزة المثقلة بالحصار، فإذا برصاصة قناص إسرائيلي تستقر في رأسه لتحيله إلى كتلة من السكون، إمعاناً أن الفلسطيني محاصر حتى في اتساع بحره، وأن الاحتلال لا يُطوق اليابسة فحسب إنما يحتل البحر والجو معاً؟ أم أفتح ملف الصحفي مجاهد بني مفلح، الذي خرج من المعتقل بنزيف في الدماغ أُصيب على إثره بسكتة دماغية أفقدته النطق، فيما بقيت ذاكرته شاهدة على سبعة أشهر من التعذيب، وتحمل جمجمته أثر العملية الجراحية التي استُؤصل خلالها جزء منها؟ أم أتوقف عند اتفاق وقف إطلاق النار، الذي لا تزال بنوده تمضي وفق أهواء "نتن ياهو" وحكومته، بينما يتواصل القتل، ويتسع الجوع، ويُترك المرضى لمصيرهم بلا رعاية طبية أو دواء يخفف وطأة الألم، وتبقى المنازل المهدمة تنتظر من يرمم وجعها ويحيي ذاكرة من غادروها بالموت أو التهجير، رهينةً للقيود والحصار؟ أم أتناول كيف يوظف الاحتلال، بالتعاون مع عملائه، أدوات الحرب الهجينة من خلال محاولات إغراق القطاع بالمخدرات، وتسهيل إدخالها عبر الممر الأصفر؟ أقلب الأوراق أحياناً دون أن أكتب حرفاً، ليس لأن الكلمات شحيحة، وإنما لأن كل سطر أكتبه أشعر أنه ينتزع حق سطر آخر في أن يُروى، فالفواجع في فلسطين وغزة تحديدا حدث يومي، لذا يغدو ترتيبها نوعا من الظلم، وكأن على من يحمل القلم أن يختار أي الوجوه يقدّم للقارئ، وأي الحكايات يؤجلها، مع أن أصحابها يستحقون أن تُروى قصصهم في اللحظة عينها. ولعل هذا هو الوجه الأكثر قسوة للحرب؛ فهي لم تعد تكتفي بصناعة المأساة، بل صنعت ازدحاماً غير مسبوق للمآسي، فمنذ السابع من أكتوبر 2023، تجاوز عدد الشهداء في قطاع غزة عشرات الآلاف، فيما أصيب أكثر من مئة ألف فلسطيني، ونزح معظم سكان القطاع قسراً، بعضهم مرات عدة، بعدما لم يعد هناك مكان يمكن وصفه بالآمن، كما دُمِّرت نسبة كبيرة من المنشآت الصحية من مستشفيات ومراكز صحية، وتفاقمت معها أزمة ندرة الغذاء وشح الدواء. والأرقام، على فظاعتها، لا تعكس سوى جانبٍ من حجم المأساة، فيما تواري خلفها قصصًا ومشاعر يعجز العدّ عن الإحاطة بها، فكم أمّ يجافي النومُ جفونَها بعد أن فقدت أبناءها، وكم طفل يستيقظ على فاجعة تخبره أنه بات يتيمًا، وكم صحفي يخرج لتغطية حدث وهو يدرك أنه قد يصبح هو نفسه خبراً، ثمة أوجاع لا تختزلها البيانات، وخسارات تعجز التقارير الدولية، مهما بلغت دقتها، عن إحصاء أثرها في النفوس. وهذا، في ظني، جزء من أهداف الحرب، التي بدّلت مقياس الصدمة، صار الخبر الذي كان يهز الضمير الإنساني قبل أعوام يمر اليوم متخففًا من وطأته، لا لأن المأساة أصبحت أقل فداحة، بل لأن تكرارها اليومي أنهك قدرة الإنسان على التفاعل معها، حيث يصف علماء النفس هذه الحالة بـالتبلد أو التناقص الانفعالي، حيث يؤدي التعرض المستمر للمشاهد الصادمة إلى تراجع الاستجابة العاطفية تدريجياً، فيغدو ما كان استثنائياً جزءًا من المألوف، وتتحول صور الأطفال تحت الركام، وأخبار التجويع، وأعداد الضحايا إلى مشاهد متكررة لا تستدعي القدر نفسه من الصدمة الذي كانت تستدعيه في بدايات الحرب. ختاماً... ومع ذلك، تبقى الكتابة فعلاً لا يجوز التخلي عنه، قد تعجز عن إنصاف الضحايا جميعاً، لكنها تسلب من الجريمة رفاهية الصمت، وما دامت فلسطين محتلة، وما دام هناك دمٌ يُراق ثمناً لهذا الاحتلال، فسيظل مداد قلمي وفِيّاً لها ولقضاياها، لا يساوم على الحقيقة ولا يغادرها، حتى وإن وقفت أمام أوراقي البيضاء حائرةً ألف مرة.
384
| 30 يونيو 2026
عندما ترتطم الذات بلوحٍ زجاجي لا تراه إلا تلك الروح، يصبح الكلام عبئاً ثقيلاً، ويغدو الصمت ملاذاً مؤقتاً من أسئلة لا نملك لها جواباً، في تلك المساحة الرمادية بين الانكسار والتماسك، قد يختار الإنسان الانسحاب إلى داخله، لا نفوراً من الآخرين، بل عجزاً عن ترجمة ما يعتمل في أعماقه، فبعض المشاعر أكثر تعقيداً من أن تُروى، وبعض الخيبات تضيق عنها اللغة مهما اتسعت مفرداتها. وفي خضم هذا الصمت، قد تطرق باب الروح يدٌ لم تكن في دائرة التوقع، لا تجمعنا بها قرابة، ولا يربطنا بها تاريخ طويل من المواقف، ومع ذلك تنجح بكلمة صادقة أو موقفٍ إنساني أو قدرٍ من الاحتواء في تخفيف وطأة لحظة كادت تستبد بنا، ليس لأنها تمتلك حلولاً لكل ما نعانيه، بل لأنها أحسنت الإصغاء حين عزّ الإصغاء، وأحسنت الحضور..الحضور الذهني الذي يحدث فرقاً، وليس ذاك الحضور الجسدي الباهت. أتحدث هُنا عن أولئك الذين يمرون في حياتنا تاركين بصمة تفوق حجم أفعالهم الظاهرة، أشخاص اتخذوا من نفع الناس منهجاً، ومن التخفيف عن الآخرين سلوكاً يومياً، ومن الكلمة الطيبة جسراً يعبرون به إلى القلوب، لا ينتظرون مناسبة استثنائية ليقدموا خيراً، ولا يبحثون عن الاعتراف بما صنعوا أو عن كلمة شكر تسقط من فيه من هو بحاجة، بل يؤمنون بأن الأثر الحقيقي يتشكل من الأعمال الصغيرة المتكررة، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ». ولعل هذا ما يجعلني أصف حضورهم في حياة الآخرين بــ"أثر الفراشة"، فكما أن رفرفة الفراشة تبدو حدثاً بالغ الصغر، بينما يمتد أثرها إلى ما هو أبعد من لحظتها، كذلك بعض المواقف الإنسانية، كلمة تخرج بصدق قد تبدد وحشة، ورسالة مقتضبة قد تعيد الطمأنينة إلى قلبٍ مضطرب، وثقة يمنحها إنسان لآخر قد تكون بداية تحول لا يدرك أحد مداه، إن قيمة هذه الأفعال لا تكمن في حجمها، بل في ما تتركه من أثر باقٍ في النفوس لاسيما تلك التي نُسِيت عند بوابات الفرحْ. ولذلك لم يحصر الإسلام دوائر العطاء في حدود النسب أو المعرفة المسبقة، بل وسّعها لتشمل المجتمع بأسره، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (المؤمن لِلْمؤْمن كالبُنْيان يَشُدُّ بَعْضُه بَعْضا، ثُمَّ شَبّك بين أَصابعه)، وهي صورة بليغة تجعل التماسك الإنساني مسؤولية مشتركة، فالبنيان لا يقوم بحجر واحد، وإنما بتكاتف أجزائه وتساندها، وكذلك المجتمعات لا تستقيم فقط بالروابط المفروضة بحكم القرابة، بل أيضاً بأولئك الذين يختارون أن يكونوا سنداً لغيرهم دون انتظار مقابل. وقد أدركت الثقافة العربية هذا المعنى منذ زمن بعيد حين قالت: "رب أخٍ لك لم تلده أمك."، وهي عبارة لا تنتقص من مكانة الأقربين، بل تؤكد أن الله يهيئ للإنسان في بعض محطات حياته من يواسيه ويخفف عنه ويمنحه من الدعم ما يحتاجه لعبور مرحلة صعبة، فالإنسان، مهما بلغ من قوة، يظل محتاجاً إلى من يمد له يداً حين تتعثر خطاه ويفقد بوصلته. ويرى كثير من الفلاسفة أن الإنسان لا يتشكل من خلال تجاربه الخاصة فقط، وإنما عبر لقاءاته بالآخرين، فبعض الأشخاص لا يغيرون ظروفنا، لكنهم يغيرون قدرتنا على مواجهتها، وبعض الكلمات لا تبدل الواقع في لحظتها، لكنها تمنح صاحبها من القوة ما يكفي ليستأنف السير ويكمل الطريق. لهذا لا أجد وصفاً أدق لهؤلاء من استعارة محمود درويش الخالدة "أثر الفراشة لا يُرى، أثر الفراشة لا يزول."، فكم من إنسان مرّ بهدوء في حياة غيره، دون أن يدرك أن موقفاً منه أو كلمة قالها أصبحت جزءاً من ذاكرة لا تُنسى، وسبباً في تخفيف ألم أو استعادة أمل أو ترميم شيء انكسر في الداخل. ختاما... ...وأنت عزيزي القارئ، من هو صاحب "أثر الفراشة" في حياتك الذي حضر في ذاكرتك وأنت تقرأ هذه السطور؟ وهل فكرت يوماً أن كلمةً قلتها، أو يداً امتدت بالعون، أو حضوراً، ربما ترك أثراً جميلاً في حياة شخص آخر دون أن تدري؟
435
| 23 يونيو 2026
أرى علامات الدهشة ترتسم على محياك عزيزي القارئ، وكأنك تتساءل: تحيةٌ لمن؟ وعلى ماذا؟ تحيةٌ لتلك الجمعيات والمنظمات النسوية التي أثبتت قدرةً استثنائية على رفع الصوت حين يتوافق الظلم مع أجنداتها، وإتقان الصمت حين تكون الضحية امرأةً مسلمة أيا كان موقعها. فلو فُرض النقاب على نساء في قرية نائية، أو حُرمت طالبة من حقها في التعليم بسبب عرفٍ اجتماعي أو ممارسةٍ فردية لا تمت إلى الدين بصلة، لصيغت البيانات، وعُقدت المؤتمرات، وامتلأت المنصات بالحديث عن قمع المرأة في العالم الإسلامي، حتى يخال المتابع أن النساء في هذه المنطقة لا يعرفن سوى الاضطهاد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: أين تختفي هذه الأصوات عندما تُنتهك أجساد الحرائر من الفلسطينيات والسودانيات في أتون الحرب؟ وأين هي عندما تتعرض نساء مسلمات في بعض بقاع العالم للتضييق بسبب حجابهن وهويتهن الدينية؟ ولماذا يخفت الصخب الحقوقي كلما كانت الضحية امرأة لا تنتمي إلى الدائرة التي تحظى بالاهتمام الإعلامي والسياسي الكافي؟ وإذا كان ذلك يحدث في أكثر من مكان، فإن صورة الازدواجية تتجلى بوضوح أكبر في قضية الأسيرات الفلسطينيات، فأين المدافعون عن حقوق المرأة عندما تُحرم نحو 90 أسيرة فلسطينية، غالبيتهن محتجزات في سجن الدامون وفق ما وثقه نادي الأسير الفلسطيني، من حقهن في الحجاب وملابس الصلاة؟ وأين بيانات الشجب والغضب عندما تتعرض الأسيرات للتفتيش الجسدي المهين، والاعتداءات النفسية والحرمان من أبسط حقوقهن الدينية والإنسانية؟ وأين الأصوات ذاتها عندما تُعتقل طالبات فلسطينيات من أمام مدارسهن وجامعاتهن تحت ذرائع أمنية فضفاضة؟، وكأنهنَّ يهددن الأمن القومي للكيان المحتل!؟ وأين كانت هذه المنظمات خلال الحرب المستمرة على غزة، حين حوصرت النساء تحت القصف والجوع والنزوح، وحُرمنَ من أبسط الاحتياجات الصحية الشخصية المرتبطة بالحيض والنفاس، في مشهد كان يفترض أن يهز ضمير كل من يرفع شعار الدفاع عن المرأة ؟ وما يزيد من الطين بِلَّة ومن خطورة هذه الانتهاكات أنها لا تتعارض مع القيم الإنسانية فحسب، بل تصطدم بصورة مباشرة مع قواعد القانون الدولي، فالمادة (18) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تكفل لكل إنسان حرية الفكر والوجدان والدين، بما في ذلك حقه في إظهار معتقده وممارسة شعائره، كما يؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية هذه الحماية، فيما تلزم اتفاقية جنيف الرابعة القوة القائمة بالاحتلال باحترام الكرامة الشخصية للمحتجزين وحمايتهم من المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة، وعليه، فإن حرمان الأسيرات من الحجاب أو من أداء شعائرهن الدينية، وإخضاعهن لتفتيش جسدي مهين، لا يمكن النظر إليه بوصفه إجراءً إدارياً أو أمنياً، بل باعتباره انتهاكاً صريحاً لحقوق كفلتها المواثيق الدولية. لستُ هنا لأدافع عن خطأ يُرتكب باسم الدين أو العُرف؛ فكلّ انتهاك لحقوق المرأة مدان، بلا استثناء أو تبرير. غير أنّ العدالة حين تُجزَّأ تفقد جوهرها، والحقوق حين تُستدعى لنصرة بعض النساء وتُهمل أخريات تتحوّل من قيمة إنسانية إلى أداة انتقائية، وعندها، لا يعود الدفاع عن المرأة دفاعاً عن كرامتها، بل انحيازاً يُفتِّش عن كل ثغرةٍ لاتهام الدين الإسلامي وتحميله وزر ممارساتٍ لا تمثّله، فيُدفع بالنساء المسلمات دفعاً إلى النفور من دينهنّ وتصويره كعقبةٍ في طريقهن، لا كمنظومةٍ تحفظ لهنّ حقوقهن وتصون إنسانيتهن. ختاما... لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس عن أوضاع الأسيرات الفلسطينيات أو عن النساء المسلمات اللاتي تنتهك أجسادهن فحسب، بل عن مصداقية الخطاب الحقوقي العالمي نفسه: هل حقوق المرأة حقاً حقوق عالمية لا تتجزأ، تُدافع عنها المنظمات والهيئات بصرف النظر عن دين الضحية أو جنسيتها أو موقعها الجغرافي؟ أم أنها امتيازات تُمنح لبعض النساء وتُحجب عن أخريات تبعاً للهُوية والدين والجغرافيا والسياسة؟
321
| 16 يونيو 2026
"حصل الطفل أيوب جنيد على نظارة طبية جديدة من جمعية خيرية إثر حملة تضامن واسعة النطاق عقب موجة تعاطف عالمية بعد انتشار مقطع فيديو له وهو يبكي بحرقة على نظارته المكسورة في إحدى خيام النزوح شمال قطاع غزة."، نعم، كما قرأت عزيزي القارئ، بات هذا خبراً. من حيث الصياغة المهنية، الخبر صحيح ومكتمل العناصر التي تؤهله للنشر، لكنه، في الوقت ذاته، افتقر إلى أبسط معايير الإنسانية، فحين يتحول حصول طفل على نظارة طبية إلى حدث استثنائي يستدعي الاحتفاء والتغطيات والتفاعل، فإن المشكلة لا تكمن في الخبر ذاته، إنما في الواقع الذي جعل من حق بديهي خبراً يستحق التداول. لم يكن ينقص الطفل أيوب نظارة فحسب، فالطفل الذي لم يتجاوز السادسة من عمره يعاني ضعفاً حاداً في البصر ومرضاً عصبياً يحتاج إلى علاج عاجل خارج قطاع غزة، والعلاج غير متوافر بكل تأكيد في ظل حرب إسرائيلية دمرت القطاع الصحي الأولي والثانوي في قطاع غزة، وأخرجت عدداً كبيراً من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة، وفاقمت معاناة المرضى والجرحى الذين باتوا ينتظرون فرصة للعلاج كما ينتظر غيرهم فرصة للنجاة. لكن هذه القصة لم تكن جذابة بما يكفي، لم يصبح مرض أيوب خبراً، ولم يصبح حرمانه من العلاج خبراً، ولم يصبح عجزه عن مغادرة غزة لتلقي الرعاية الطبية خبراً، الذي أصبح خبراً هو نظارته المكسورة، وكأنَّ المأساة الإنسانية بكل تعقيداتها يمكن اختزالها في لقطة قصيرة ودموع طفل يبكي بحرقة على آخر أشيائه. في زمنٍ تحكمه الخوارزميات، يبدو أن المعاناة لم تعد كافيةً لكي تُرى؛ إذ لا بدّ لها من صورةٍ مؤثّرة، ومشهدٍ عاطفي، وقصّةٍ قابلةٍ للتداول حتى تستحقّ الاهتمام، أمّا آلاف الأطفال الذين يعيشون الظروف ذاتها بعيدًا عن عدسات الكاميرات، فيبقون خارج دائرة الضوء، لا لشيءٍ إلا لأن مأساتهم لم تتحوّل إلى "ترند" يُجنى من ورائه عشراتُ الآلاف من المشاهدات. ووفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) ومنظمة الصحة العالمية، فإن نحو أربعة آلاف طفل في قطاع غزة بحاجة ماسة إلى إجلاء طبي عاجل لتلقي العلاج خارج القطاع، كما يعيش نحو مليون طفل ظروفاً قاسية تشمل النزوح والمرض وسوء التغذية وفقدان الأمان، وتشير البيانات الأممية إلى مقتل أو إصابة أكثر من 64 ألف طفل، وفقدان أكثر من 58 ألف طفل لأحد والديهم أو كليهما، فضلاً عن حرمان مئات الآلاف من التعليم المنتظم. هذه الأرقام لم تصدر عن جهة فلسطينية، بل عن مؤسسات أممية محايدة تحاول اختزال الكارثة في بيانات وإحصاءات، لكنها، رغم ضخامتها، قد لا تنجح أحياناً في تحريك الضمير العالمي بقدر ما تفعل صورة واحدة لطفل يبكي أمام الكاميرا كسباً للمشاهدات. نفرح لأيوب، بالطبع، ونفرح لكل طفل يحصل على دواء أو طرف اصطناعي أو فرصة للعلاج، لكن الفرح لا يجب أن يحجب الحقيقة الأكبر؛ فآلاف الأطفال في غزة ما زالوا ينتظرون ما هو أكثر من نظارة، ينتظرون حقهم في العلاج، حقهم في التعليم، حقهم في السفر وحقهم في الحياة الكريمة التي يفترض أن تكون مكفولة لكل طفل في هذا العالم وفق الاتفاقيات والمعاهدات الدولية. إنَّ حكاية أيوب لم تبدأ يوم انكسرت نظارته، بل بدأت مع أسلافه منذ سنوات طويلة من الحصار والتضييق والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، قبل أن تأتي الحرب الحالية لتضيف فصلاً أكثر قسوة ودموية إلى الحكاية. ختاماً... باعتقادي نحن والعالم كلِّه من يحتاج إلى نظارة، لنرى من خلالها الأطفال الذين لا تصل صورهم إلى الشاشات، وطوابير المرضى الذين ينتظرون موافقات المحتل للسفر بفرض العلاج، والعائلات التي تنتظر الحياة، نحتاج إلى نظارة تعيد الأمور إلى حجمها الحقيقي، فلا يصبح الحصول على نظارة خبراً، بينما يظل حرمان طفل من العلاج أمراً عادياً في نظر عَالمٍ عطّل ضميره وأعمى بصيرته قبل أنْ يعمي بصره.
486
| 09 يونيو 2026
﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ﴾، كلما مررت بهذه الآية، شعرت بأنها تنساب إلى القلب سكينة خفية، كأنها لمسة رحيمة تهدّئ اضطرابه وتعيده إلى موضع الطمأنينة في لحظات حزنٍ غير مبررة الأسباب، آية قصيرة في مبناها، عظيمة في معناها، تحمل من الأنس ما يخفّف وطأة الحزن، وتوقظ في النفس يقيناً راسخاً بأن الله يرى ضعفنا، ويعلم ما تخفيه الصدور، ويحيطنا بعنايته حين تضيق السبل، وتُغلق الأبواب، وتتلاشى من حولنا تلك الوجوه التي وعدت بالبقاء… ومضت. في بعض الأيام، يطرق الحزن القلب من غير موعد، لا يأتي مصحوباً بضجيج، ولا يعلن عن نفسه بوضوح، لكنه يحضر بما يكفي لنشعر بثقله في تفاصيل يومنا، وفي لحظات الصمت الطويل مع النفس، وفي ذلك القلق الذي يطلّ من ملامحنا رغم محاولاتنا المستمرة لإخفائه، ومع ذلك أظن أنه لا ينبغي أن نتعامل مع الحزن على أنه خطأ أو علامة ضعف، فهو جزء من طبيعتنا البشرية التي تتأثر بما تعترضه الحياة من فقدٍ وتعب وخيبات أمل وانتظار طويل. حتى أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم مرّ بلحظات من الحزن والضيق، وكذلك صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين احتميا بغار ثور أثناء الهجرة، فأنزل الله قوله ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾، لم يكن النهي عن الحزن إنكاراً للمشاعر الإنسانية، وإنما تذكيراً بأنَّ معية الله أوسع من الخوف، وأقوى من كل ما يحيط بالإنسان من قلق واضطراب. ومع مرور الأيام نتعلم أن الحزن، مهما كان مشروعاً، لا ينبغي أن يتحول إلى إقامة دائمة في القلب، من حقه أن يمرّ، ومن حق الإنسان أن يشعر به، لكن ليس من الحكمة أن يفسح له المجال حتى يستولي على الداخل ويطغى على كل ما عداه، وفي المقابل، يبقى استحضار النعم باباً من أبواب النجاة، وتظل الطمأنينة التي يهبها الله لعباده رحمة تعيد ترتيب الفوضى الكامنة في النفس مهما بدا الواقع مرتبكًا. وفي مثل هذه اللحظات، وأنا أبحث عن شيء من الاتزان لأعبر منطقة الحزن، يتجه التفكير تلقائيا إلى غزة؛ حيث ينهض الناس كل صباح على امتحان جديد من الصبر، هناك شعب يواجه منذ سنوات طويلة حربا ضروساً بأنواع الأسلحة كافة، فالفلسطيني يعيش بين الفقد والانتظار والخوف، ويكابد أوجاعا متراكمة لا تكاد تنقطع، إلا أنَّ في غزة لا يزال الناس يتمسكون بما تبقى من أسباب الحياة، يرفعون أكفّ الدعاء إلى السماء، ويحمدون الله على ما بقي لهم رغم اتساع مساحة الفقد، ترى ذلك في أمّ تضم أبناءها محاولة أن تصنع لهم شعوراً بالأمان وسط الخوف، وفي أبٍ يخفي قلقه ليمنح أطفاله قدراً من الطمأنينة، وفي قلوب أثقلها الغياب لكنها لم تنقطع عن الرجاء. وهنا تتجسد حقيقة هذه الآية العظيمة: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾. فالله لا يغيب عنه وجع عباده، ولا تخفى عليه دمعة سقطت في عتمة الليل، ولا تنهض نفس مثقلة بالدعاء إلا وهو سبحانه أعلم بما فيها، فهي ليست كلمات تُتلى، وإنما معنى يربط القلوب بربها حين تشتد المحن وتتوالى الابتلاءات، بل أكثر فهي قبس من نور ممتد في نفق أنهكته حُلكة سواده. وربما لهذا لا يكون الحزن خصماً ينبغي إنكاره، ولا الدمع ضعفاً ينبغي إخفاؤه، ما يحتاجه الإنسان أحياناً ليس الهروب من مشاعره، بل أن يمنحها حقها دون أن يستسلم لها، وأن يتذكر أن رحمة الله أوسع من كل ما يثقل صدره، وأن لطف الله قد يأتي في صورة لا يتوقعها، وفي وقت يظنه أبعد ما يكون. ولعل أعظم ما تمنحه لنا هذه الآية أنها تذكّرنا، في أكثر اللحظات قسوة، بأننا لسنا متروكين لأنفسنا، وأن في معية الله ما يكفي لطمأنة قلب أنهكه الانتظار، واحتواء روح أرهقتها الحياة، وإحياء أمل ظن صاحبه أنه خبا إلى الأبد. ختاماً… تمضي الأيام، ويبقى الحزن جزءا من التجربة الإنسانية، لكنه لا يملك أن ينتصر ما دام القلب عامراً بالحمد، وما دام في الروح يقين بأن الله يرى ويسمع ويرحم ويحفظ عباده. ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾؛ آية يكفي أن تستقر في القلب ليهدأ، وتطمئن النفس، ويدرك الإنسان أن الطريق مهما اشتد ظلامه فإن نور الله أقرب مما يظن، وأن الفرج يأتي من حيث لا يحتسب، وأن من كان بعين الله ورعايته فلن يضيعه الله أبداً.
798
| 02 يونيو 2026
"عيدٌ بأيّة حالٍ عُدتَ يا عيدُ... بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ"، كلَّ عيدٍ أستحضر هذين البيتين لأبي الطيب المتنبي، الذي استقبل بهما يوم عرفة عام 350هـ، قبل أكثر من ألف عام، متسائلًا عمّا يحمله العيد من جديد، وهل يعود كما عرفه الناس موسمًا للطمأنينة والبهجة، أم يأتي مثقلًا بما مضى من أسى وانتظار. ويبدو هذا السؤال حاضرًا اليوم بكل ثقله في غزة، حيث يستقبل الفلسطينيون عيد الأضحى للعام الثالث على التوالي في ظل حرب مستمرة وحصار خانق، فيما تتسع الكارثة الإنسانية وتضيق سبل الحياة أمام سكان القطاع المنهكين. في الأيام التي كانت تسبق العيد، اعتادت غزة أن تنبض بحركة الناس في الأسواق، وتتعالى فيها أصوات الأطفال وهم يترقبون المناسبة بملابس جديدة وفرحة مألوفة، تختلط بأصوات تكبيرات العشر الأُوَل من ذي الحجة الصادحة من مآذن مساجد غزة، كما كانت البيوت تنشغل بتفاصيل الأضاحي والتجهيز لاستقبال الأقارب، حتى إن رائحة الكعك الفلسطيني كانت تلفّ القطاع بأكمله إيذانًا بقدوم العيد، أمّا اليوم، فقد تبدلت المشاهد إلى صورة أخرى؛ خيام تمتدّ على مدّ البصر، ووجوه أتعبها القلق، وعائلات باتت تنشغل بكيفية تأمين قوت يومها وتوفير الماء والدواء، بعدما أنهكت الحرب تفاصيل الحياة، وأثقلت الناس بفقدان الأحبة، ومشقة النزوح، وضيق المعيشة. وكان لهذا التضييق انعكاساً على توفير الأضاحي، حيث يعاني القطاع نقصاً حاداً في المواشي نتيجة استمرار الحصار وإغلاق المعابر، ما أدى إلى غياب الأضاحي للعام الثالث على التوالي، وارتفاع أسعار ما تبقى منها إلى مستويات تفوق قدرة غالبية الأسر التي استنزفتها الحرب وفقدت مصادر دخلها، ليغيب أحد أبرز شعائر عيد الأضحى عن أكثر من مليوني فلسطيني، في مشهد تختلط فيه المعاناة اليومية بحرمان الناس من طقوس ارتبطت لديهم منذ عقود بمعاني التكافل والرحمة وصلة الرحم. ولا يقتصر الأمر على الأضاحي، إذ يُحرم أهالي قطاع غزة، للعام الثالث أيضًا، من أداء فريضة الحج، الركن الخامس من أركان الإسلام، بفعل القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على حركة الغزيين من وإلى القطاع، وما نتج عنها من إغلاق طويل وحرمان متواصل من التنقل. ويُنظر إلى هذا الواقع، في ظل الحرب المستمرة، باعتباره امتدادًا لسياسة العقاب الجماعي المفروضة على سكان القطاع، بعدما امتدت آثارها إلى تفاصيل تمسّ حياة الناس اليومية وشعائرهم الدينية، لتغدو حتى مناسبات العبادة مرتبطة بقرارات المنع والحصار، المرهونة بقرار من حكومة يرأسها مجرم حرب. وفي موازاة ذلك، تتفاقم الأزمة الإنسانية مع تعثر دخول المساعدات والوقود وعدم كفاية ما يصل لتلبية الاحتياجات الأساسية، ويخيم شبح المجاعة على مناطق واسعة من القطاع، فيما يعيش مئات الآلاف داخل مراكز الإيواء أو بين الخيام، محرومين من مقومات الاستقرار، وتحت ضغط متواصل فرضته الحرب على تفاصيل يومهم، من الغذاء إلى العلاج وحتى الحد الأدنى من الأمان. وفي مثل هذا اليوم، الذي تصدح فيه تكبيرات العيد في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي، وتُذبح الأضاحي وتلتئم العائلات حول موائدها، تبدو غزة أمام مشهد مغاير؛ طوابير انتظار، وخيام متلاصقة، وقلوب مثقلة بالفقد، ومحاولات متواضعة تُبقي شيئًا من روح المناسبة حاضراً، عبر مبادرات فردية محدودة لتوزيع لحوم تُجهز خارج القطاع وتصل إلى بعض الأسر المحتاجة، أو عبر اجتهادات بسيطة تحاول أن تمنح الأطفال لحظة فرح وسط هذا الركام. ختاماً... في أول أيام عيد الأضحى المبارك، تتجدد معاني الرحمة والتكافل واستحضار أحوال المستضعفين، وتبقى غزة حاضرة في وجدان المسلمين بما فيها من جراح مفتوحة وصمود يواجه أقسى الظروف، كما تبقى معاناة الشعوب المنكوبة، سواء في فلسطين أو السودان وسائر بقاع العالم الإسلامي، تذكيرًا بأن للعيد معنى يتجاوز المظاهر، إلى الإحساس بآلام الآخرين والوقوف إلى جانبهم، ففي أيام تُرفع فيها الأكف بالدعاء، وتُبذل فيها الأضاحي تقربًا إلى الله، يظل من أصدق معاني العبادة ألّا يُترك المظلوم وحده، وألّا يغيب أصحاب المعاناة عن الضمير الحي، حتى يكتب الله للشعوب الإسلامية المنكوبة فرجًا قريبًا، ليعود العيد إليهم يومًا وهم ينعمون بالأمن وبالكثير من الفرح.
645
| 26 مايو 2026
قال تعالى ﴿ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، إنَّ هذه الآية الكريمة استطاعت أن تلخِّص طبيعتهم وجبلّتهم في نقض العهود والتنصل من المواثيق، وكأنها توجيه وتحذير رباني للمسلمين بألا ينخدعوا بمعسول القول، أو يغتروا بالعهود والاتفاقات التي لا تلبث أن تتحول إلى حبر على ورق، فالتاريخ الطويل للصراع أثبت مراراً أن المواثيق التي تُبرم مع الاحتلال الإسرائيلي تبقى رهينة المصالح والقوة، فيما يكون الفلسطيني وحده من يدفع ثمن هذا النكث المتكرر. ومنذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في غزة خلال أكتوبر 2025، بدا المشهد أمام العالم وكأن الحرب فقدت حدّتها الأولى، أو على الأقل خرجت من ذروة الدمار المفتوح، تراجع حضور الصور العاجلة، وخفّ صوت القصف مقارنة بالأشهر الأولى، فبدا وكأن القطاع دخل مرحلة أقل دموية، غير أن هذا الهدوء النسبي لا يعكس حقيقة ما يجري داخل مدينة ما تزال تعيش تحت ضغط الموت اليومي، وإن تبدلت أدواته وحدّته. فمنذ بدء الهدنة الهشة، لم تتحول غزة إلى مساحة آمنة، بل إلى نموذج آخر للحرب؛ حرب أقل ظهوراً على الشاشات، لكنها أكثر التصاقاً بتفاصيل الحياة اليومية للسكان، القصف لم يتوقف بصورة كاملة، والقتل لم يتوقف، كما لم تتوقف القيود على دخول الغذاء والدواء والوقود، في وقت يعيش فيه القطاع واحدة من أكثر مراحله هشاشة على المستويين الصحي والإنساني. الحروب الطويلة تمتلك قدرة خطيرة على دفع العالم نحو الاعتياد، ومع مرور الوقت، تتراجع حساسية المتابعة الدولية تجاه الكارثة، حتى وإن بقيت أسبابها قائمة، وهذا ما تبدو عليه غزة اليوم؛ مدينة خرجت تدريجياً من دائرة "العاجل"، لكنها ما تزال غارقة في واقع يومي يزداد قسوة وتعقيدًا. وبعيداً عن اللغة السياسية التي تدعي وقف إطلاق النار، تكشف الأرقام صورة مختلفة تماماً، فبحسب ما نشره موقع (Middle East Eye) نقلاً عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، تم توثيق ما لا يقل عن 2400 انتهاك إسرائيلي خلال الأشهر الستة الأولى من وقف إطلاق النار، الممتدة بين 10 أكتوبر 2025 و10 أبريل 2026، مع تسجيل عشرات الانتهاكات الأخرى منذ ذلك الحين، وشملت تلك الانتهاكات 1109 غارات جوية، إلى جانب 921 عملية إطلاق نار استهدفت مدنيين في مناطق مختلفة من القطاع، كما أسفرت الهجمات، وفق وزارة الصحة الفلسطينية، عن مقتل ما لا يقل عن 857 فلسطينياً وإصابة 2486 آخرين حتى 15 مايو، بينهم 229 طفلاً. إنَّ هذه الأرقام ليست أرقاما فحسب إنما براهين وأدلة تكشف هشاشة واقع ما يزال فيه الفلسطيني في غزة يعيش تحت احتمالية الموت نفسها، حتى وإن تراجع حضور الحرب إعلامياً، فالقطاع الذي دُمّرت أحياؤه ومستشفياته وبناه التحتية، لم يحصل فعلياً على فرصة للتعافي، بل انتقل من مواجهة القصف المكثف إلى مواجهة استنزاف يومي طويل. ويبدو المشهد الصحي واحدا من أكثر وجوه هذا الاستنزاف قسوة، فقد أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أمس أن نقص الأدوية يهدد حياة نحو 225 ألف مريض يعانون من ارتفاع ضغط الدم، في ظل نقص حاد في العلاجات الأساسية، وتراجع قدرة المؤسسات الصحية على متابعة المرضى وتشخيص الحالات الجديدة بسبب تدمير مراكز الرعاية الصحية الأولية الأمر الذي أدى إلى غياب شبه كامل لعمليات الرصد المبكر والمتابعة الدورية، ما حوّل الأمراض المزمنة إلى تهديد حقيقي، ففي غزة كل الطرق تؤدي إلى الموت. ولا يمكن فصل ذلك عن البيئة التي يعيش فيها السكان اليوم؛ مياه ملوثة، اكتظاظ شديد، نقص الغذاء، وضغط نفسي مستمر داخل خيام ومبانٍ مدمرة، وهي ظروف تجعل الجسد يواجه المرض بأضعف قدرة ممكنة على المقاومة، فيما تتحول النجاة نفسها إلى عبء يومي. ختاماً... .. وربما تكمن خطورة ما يجري في أنَّ غزة لم تعد تواجه حربا عسكرية بالمعنى التقليدي فقط، بل واقعاً يعيد إنتاج المأساة يوما بعد آخر، فحين يُترك السكان وسط نظام صحي منهك، وغذاء شحيح، وبنية تحتية مدمرة، وهدنة قابلة للانهيار في أي لحظة، يصبح الموت أبطأ لكنه حاضر.
393
| 19 مايو 2026
قبل يومين، وبينما كنت أجلس في أحد المستشفيات بانتظار نتيجة فحص روتيني، وجدت نفسي أراقب الوجوه من حولي أكثر مما أراقب عقارب الساعة، كان شيء ما يتبدل في ملامح الناس، ويشي بما اعتمل داخلهم لحظة خروجهم من غرف الأطباء؛ بعضهم خرج بخفة واضحة، كأن الحياة أعادت إليه جزءًا من الطمأنينة، وآخرون بدت وجوههم شاحبة تحت وطأة خبر غيَّر وجه الواقع كله، هناك من بدا أكثر أملًا، وهناك من بدا وكأنه دخل فجأة إلى نفق مظلم. عندها تسللت إلى ذهني فكرة لم تغادرني منذ تلك اللحظة؛ أن حياة الإنسان بأكملها تقع بين لحظتين فقط: لحظة قبل، ولحظة بعد، قبل أن ينطق أحدهم بخبر يبدّل ملامح أيامنا، وبعد أن يستقر ذلك الخبر في أرواحنا كحقيقة لا يمكن الفرار منها، وبين اللحظتين يقف الإنسان معلَّقًا بين نسختين من نفسه؛ نسخة كانت تعيش بعفوية، وأخرى تحاول أن تفهم كيف تغيّر كل شيء بهذه السرعة. نحن لا ننتبه غالباً إلى اللحظات المفصلية إلا بعد وقوعها، لا ندرك أن الحياة كانت تمضي بهدوء نحو نقطة فاصلة ستقسم أرواحنا إلى نصفين: ما قبل، وما بعد، قبل الفقد وبعده، قبل المرض وبعده، قبل الخذلان وبعده، وحتى قبل الحروب وبعدها، فالإنسان لا يتغير دائماً بالتدريج، أحياناً تغيّره لحظة واحدة فقط، لحظة كفيلة إما بنفخ الروح من جديد، أو بنزعها لخلق فوضى لا تهدأ لسنوات لا نعلم كم يطول أمدها. وربما أكثر ما يربك الإنسان أن تلك اللحظات لا تأتي ممهّدة أو منطقية دائماً، بل تباغته وهو منشغل بتفاصيل روتينه اليومي؛ في صباح يشبه كل صباح، أو أثناء حديث عابر، أو خلف باب غرفة ينتظر أمامها بقلق ظاهر، لذلك تبدو التحوُّلات الكبرى في حياتنا قاسية، لأنها تصل دون استعداد وتختارنا، وفق مزاجها المتقلِّب. قبل الفقد، يبدو وجود الذين نحبهم أمراً اعتيادياً إلى درجة أننا لا نفكر فيه كثيرًا. الأصوات في المنزل مألوفة، المقاعد ممتلئة، والوجوه التي نراها كل يوم تمنحنا طمأنينة خفية. لكن بعد الفقد، يتبدل كل شيء حتى وإن بقي كل شيء في مكانه. يصبح الصمت أثقل، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى طعنات مباغتة؛ صورة قديمة، رائحة عابرة، أو مقعد ظل فارغًا أكثر مما ينبغي. فالفقد لا يأخذ الأشخاص وحدهم، بل يأخذ أجزاء كاملة منا كانت تعيش بوجودهم. وقبل المرض، يمضي الإنسان مطمئناً إلى جسده كأن العافية أمر أبدي، ثم تأتي لحظة التشخيص، اللحظة التي يسبق فيها الخوف كل شيء، حين تتحول كلمة صغيرة إلى عبء ثقيل يسقط على الروح دفعة واحدة، بعد تلك اللحظة لا يعود الإنسان كما كان، حتى لو بدا طبيعياً أمام الآخرين، ثمة هشاشة خفية تتسلل إليه، وإدراك قاسٍ بأن الحياة قادرة على التبدل فجأة ودون استئذان. وقبل الخذلان، نمنح الآخرين قلوبنا بثقة كاملة، ونطمئن إلى العلاقات كأنها ثابتة لا تتغير، لكن بعد الخذلان، لا ينكسر القلب وحده، بل تختلف معه نظرتنا للأشياء كلها، يصبح الإنسان أكثر حذراً، وأقل اندفاعاً، وأكثر ميلاً للسكون. وربما لهذا يبدو الإنسان هشاً وقوياً في الوقت ذاته؛ هشّ لأن خبراً واحداً قادر على بعثرة يقينه كله، وقوي لأنه، رغم ذلك، يواصل العيش، قد لا يعود كما كان تماماً، لكنه يتعلم شكلاً جديداً للحياة، أكثر وعياً بحقيقة الأشياء وأقل انخداعاً بوهم الديمومة. ختاما لهذا ربما علينا أن نكون أكثر رحمة ببعضنا البعض، لأننا لا نعرف أي لحظة "بعد" يعيشها الآخرون في داخلهم، فبعض الناس يبتسمون ويمضون في حياتهم بشكل يبدو طبيعياً، بينما هم في الحقيقة ما زالوا متسمّرين عند لحظة واحدة غيّرت كل شيء.
633
| 12 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
2718
| 05 مايو 2026
"لا تحتاج إلى تاريخ… يكفي أن تمتلك روايةً مُلفّقة لتصبح صاحب أرض."، في سياق توسيع الاستيطان على أراضينا الفلسطينية المحتلة، يعمل الكيان الإسرائيلي المُحتَّل على استقدام مجموعات بشرية جديدة وتوطينها ضمن مشروعه الاستيطاني، في محاولة لإضفاء شرعية على واقع غير قانوني.. وهذه المرَّة من شمال شرق الهند، فقد استقدم جماعة تُعرف باسم "بني منشيه" والتي تعيش في ولايتي مانيبور وميزورام، وتزعم أنها من نسل "سبط منسى" التوراتي – أحد أسباط بني إسرائيل العشرة المفقودة– الذي نُفي قبل نحو 2800 عام، في سردية دينية تُستخدم لتبرير سياسات استيطانية واضحة، رغم غياب دليل تاريخي قاطع يدعم هذا الادعاء، ما يجعلها أقرب إلى توظيف الرواية لخدمة أهداف سياسية. خلال السنوات الماضية، نُقلت دفعات متتالية من أبناء هذه الجماعة إلى الكيان المحتل ضمن برامج هجرة منظمة. وفي عام 2026، وصلت إحدى هذه الدفعات وضمت نحو 240 مهاجراً، ضمن خطة تستهدف جلب آلاف منهم خلال السنوات المقبلة، هذه التحركات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع تتحول فيه الهجرة إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي بشكل ممنهج. فالوجهة التي يُعاد توطين هؤلاء فيها تكشف جوهر المسألة؛ إذ يُعاد توزيعهم في المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية، ومناطق حساسة في الجليل، في محاولة لملء المناطق التي فُرغت من سكانها لتعزيز الوجود الاستيطاني، خاصة في ظل مؤشرات الهجرة العكسية للإسرائيليين نتيجة الحروب المتكررة التي يشعلها الكيان المحتل في المنطقة، لتكشف سياسة مدروسة تهدف إلى إعادة رسم التوازن الديمغرافي على الأراضي الفلسطينية بشكل تدريجي. في الضفة الغربية اليوم، يعيش أكثر من 700 ألف مستوطن ضمن شبكة تضم نحو 150 مستوطنة رسمية، إلى جانب عشرات البؤر الاستيطانية، هذا التوسع يجري وفق رؤية طويلة المدى تجعل من الاستيطان واقعا يصعب تفكيكه، مع تراكم البنية التحتية وتكثيف الوجود البشري للسكان غير الأصليين، بما يسهّل ترسيخ السيطرة لانتزاع الأرض من أهلها. وهذا الاستقطاب لجماعة "بني منشيه" الهندية يأتي ضمن سياسات صهيونية مسمومة، مقابل حوافز تقدّمها حكومة الاحتلال تشمل السكن، وتوفير فرص العمل، والدعم الحكومي، إضافة إلى دمجهم في المنظومة العسكرية، ويأتي ذلك في ظل أزمات داخلية متصاعدة تتعلق بملف التجنيد، وتصاعد الجدل حول مشاركة الحريديم – وهم جماعة دينية متشددة ترفض الخدمة العسكرية – ما يدفع إلى البحث عن بدائل بشرية تسد هذا النقص من جهة، ولملء المناطق التي فرغ منها سكانها الأصليون بالقوة بهؤلاء وأمثالهم، وقد يعتقد أفراد هذه الجماعة أن هذه الحوافز تهدف إلى تحسين ظروفهم المعيشية وفتح آفاق جديدة لحياتهم، غير أن وضعها ضمن السياق الأوسع يكشف أنها أدوات جذب، يُعاد من خلالها توظيفهم ليكونوا جزءًا من مشروع سياسي استيطاني، تُستخدم فيه الهجرة كوسيلة لتعزيز السيطرة على الأرض. ولا يمكن فصل ذلك عن البعد الأيديولوجي الذي يُغلّف هذه السياسات، إذ يُعاد إنتاج رواية تُسوّق لهذا الوجود باعتباره "عودة" طبيعية لأرضهم!، بينما هو في جوهره عملية إحلال سكاني ممنهجة تستهدف تغيير الواقع الديموغرافي لفلسطين تدريجيًا. فالمسألة لا تتعلق بنقل أفراد من مكان إلى آخر فحسب، بل بإعادة تشكيل بنية المجتمع على الأرض المحتلة، وفرض وقائع جديدة تُراكم بمرور الوقت، بما يجعل تفكيكها أكثر تعقيدًا، ويُسهم في تكريس مشروع استيطاني طويل الأمد يقوم على استبدال السكان الأصليين بمستوطنين يتم استقدامهم وتوطينهم ضمن رؤية صهيونية مبنية على جمع يهود العالم وتوطينهم على أرض فلسطين. ختاما.. مهما حاول الكيان المحتل عبثاً تشويه ديموغرافية فلسطين بالدخلاء، ومهما سعى لتسويق هذه السرديات، فهذا لن ينشئُ حقاً، ولن يمحو فلسطين عن الخارطة فهي المحفورة في أذهان وقلوب شعبها الصامد. فالفلسطيني، رغم اختلال موازين القوة، لا يقف بموقع المتلقي، بل يواصل الدفاع عن أرضه وهُويته، متمسكاً بحقه التاريخي والقانوني، وفي مواجهة مشروع يسعى إلى إعادة تشكيل الأرض وسكانها، يظل حضوره الفعلي على الأرض بالمقاومة، وصموده اليومي أمام المغتصب لأرضه، هو الحقيقة الأوضح والأكثر ثباتاً، حتى لو بدا وحيداً في ساحة معركة غير متكافئة القوى.
366
| 28 أبريل 2026
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من...
5808
| 14 يوليو 2026
هناك لحظات في تاريخ الأوطان تتجاوز حدود الزمن،...
1818
| 18 يوليو 2026
«المقياس قطر».. لا توجد ترجمة حرفية لهذه العبارة،...
1488
| 19 يوليو 2026
أتيحت لي الفرصة من خلال صحبتي- بحكم العمل-...
1134
| 16 يوليو 2026
- دمــوع فـــي وداع الأمـير الوالـد - «أبو...
1107
| 15 يوليو 2026
يرتبط اسم المغفور له بإذن الله صاحب السمو...
1044
| 14 يوليو 2026
غاب عن دنيانا والد الجميع، صاحب السمو الأمير...
1020
| 14 يوليو 2026
الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني…...
1011
| 14 يوليو 2026
شكَّل رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة...
903
| 18 يوليو 2026
في مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة...
789
| 17 يوليو 2026
هناك رجال لا يرحلون حين تغيب أجسادهم، لأنهم...
741
| 14 يوليو 2026
هناك رحيلٌ يشبه انطفاء شمعة، وهناك رحيلٌ يشبه...
726
| 15 يوليو 2026
مساحة إعلانية