رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

شيخة غانم الكبيسي

 AlKubaisiSha

مساحة إعلانية

مقالات

726

شيخة غانم الكبيسي

والد الجميع

15 يوليو 2026 , 12:48ص

هناك رحيلٌ يشبه انطفاء شمعة، وهناك رحيلٌ يشبه أفول شمس. الفرق بينهما أن الأول يترك عتمة، والثاني يترك ضياءً يبقى معلَّقاً في الأفق طويلاً بعد أن تكون الشمس قد غابت. هكذا كان رحيل حمد بن خليفة آل ثاني. غيابٌ لم يأتِ بالعتمة، بل ترك خلفه إرثاً يضيء الطريق لمن يأتون من بعده.

لم يكن أميراً وَرِثَ عرشاً وحسب، بل كان حالماً امتلك جرأة نادرة: أن يحوّل الحلم إلى حجرٍ وأسمنت، إلى دستورٍ وانتخابات، إلى جامعاتٍ عريقة تنبت فجأة في صحراء كانت بالأمس القريب مجرد امتداد رملي. رأى في الغاز المدفون تحت الأرض ثروةً، لكنه رأى في العقل البشري ثروةً أعظم، فراهن على التعليم كما يراهن الفلاح على أرضه: بصبر، وثقة، ويقين أن الحصاد آتٍ ولو بعد حين.

كان رجلاً يعرف أن الحجر يبلى وأن الثروة تنضب، لكن العقل الذي تربّى على المعرفة لا ينضب أبداً. فكان قدوة لشعبه محلياً ودولياً، فلم يكتفِ على الساحة الدولية بأن يكون حاكماً لدولة صغيرة فقط، بل جعل منها صوتاً يُسمع في أرجاء العالم. فتح الجسور مع من يختلف معهم إن كان في ذلك مصلحة لقضية عادلة، وكان أول زعيم عربي يطأ قطاع غزة المحاصر في زمنٍ تجنّب فيه كثيرون حتى ذكر اسمها. لم يرَ في الدبلوماسية ضعفاً، بل رآها فناً رفيعاً يحتاج أحياناً إلى شجاعةٍ أكبر من شجاعة السلاح.

وفي لحظةٍ نادرة الحدوث في تاريخ الحكم بمنطقتنا، فعل ما لا يفعله كثيرون ممن أتيح لهم مثل ما أتيح له: نظر إلى ولي عهده، ورأى فيه القدرة، فسلّمه المقاليد وهو لا يزال في أوج قوته وحضوره، فكتب بذلك فصلاً جديداً في كيفية انتقال السلطة، لا بالصراع بل بالثقة، لا بالانتظار حتى النهاية بل بالاستعداد للرحيل.

رحيلٌ آمنّا بقدره قبل أن يأتي، لكننا حين جاء لم نكن مستعدين، انهمرت دموع العجائز والصغار، وانعصر قلب من عاصر نهضتك ومن وُلد في ظلالها، حتى الأطفال الذين لم يعرفوا الفقد بعدُ وجدوا أنفسهم يكبرون فجأة على وقع كلماتك.

تجاوز حزننا الحدود، فغمر الشاشات المحلية قبل أن يعبر شاشات العالم، لأن بعض الأرواح لا تلامس وطناً واحداً، بل تحتضن أمةً كاملة كُنتَ دائماً تذود عنها وتدافع عن كرامتها.

من أصعب أنواع الفقد أن تفقد من لم يكن قريباً منك بالدم لكنه كان دائماً داخلك ويحيط بك، أن تبكي رجلاً لم تصافحه يوماً لكنك تمشي كل يوم على أرضٍ رسمتها يداه، وتتعلم في مدرسةٍ بناها حلمه، وتحمل جوازاً يحمل اسم وطنٍ نهض على كتفيه.

واليوم، بعد رحيله، ننظر إلى ما تركه لنا. مدينةٌ تنبض بالعلم، وصوتٌ عربي ما زال محفوراً في ذاكرة المحافل الدولية، ودرسٌ في التخلي عن السلطة سيبقى يُروى لأجيال. فالرجال العظام لا يرحلون تماماً، يتركون خلفهم أثراً يمشي فيه الناس كل يوم دون أن يشعروا أنهم يمشون في حلم رجلٍ واحد. حين تمشي في شوارع تلك المدينة التي أحبها، اعلم أن كل حجرٍ فيها يحمل بصمة يدٍ لم تعد بيننا. وحين ترى شاباً يتخرج من جامعةٍ عريقة أقيمت هناك، اعلم أن حلماً قديماً لرجلٍ واحد ما زال يُثمر. وحين تسمع صوت بلدٍ صغير يتردد في محافل كبرى، اعلم أن رجلاً قاتل ليصنع لهذا الصوت مكاناً. فنم قرير العين أيها الأمير الوالد، فما بنيتَه من حجرٍ وعلمٍ ومجد لن تطويه الأيام، وما زرعتَه باقٍ، وما تركتَه من أثرٍ لن يبليه الزمن.

وستبقى الدوحة تهمس باسمك كلما أشرقت الشمس على أبراجها التي كانت يوماً مجرد حلمٍ في مخيلتك. (فمن خَلّف ما مات)، ولقد خلّفتَ لنا ذكرى طيبة تسكن القلوب قبل أن تسكن الأفواه، وروحاً عطرة يعشقها المواطن الذي شهد النهضة، والمقيم الذي وجد في هذه الأرض وطناً لم يولد فيه. خلفت لنا نهجاً نسير عليه، وخلّفتَ ما هو أعظم: خلّفتَ رجالاً يكملون العهد، وأبناءً يواصلون المسيرة، فلا تنقطع السلسلة ولا ينطفئ الأثر.

وستفتح صفحةٌ من صفحات أمةٍ بأكملها، ويقف الناس على أعتاب سؤالٍ كبير: كيف يُكتب التاريخ حين يغيب من كان يكتبه؟

مساحة إعلانية