رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

1869

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

لم نعد نمر بالأحساء

16 سبتمبر 2026 , 12:15ص

لم نعد نمر بالأشياء كما كنا، تلك الطرق التي كانت تأخذنا إلى مكان ما، كانت تمنحنا شيئًا أيضًا؛ حكايةً، أو لقاءً، أو وجهًا لا ننساه، أو موقفًا صغيرًا يبقى معنا سنوات طويلة دون أن نعرف لماذا بقي، كان الطريق قديمًا أبطأ، نعم، لكنه كان يمنحنا وقتًا لنرى، نرى المدن، والناس، والوجوه، ونسمع حكايات لا نعرف أننا كنا نبحث عنها، وكانت الأحساء واحدة من تلك الأماكن التي لم تكن مجرد مدينة نعبرها، بل كان شيئًا ما يحدث لنا ونحن نعبرها.

كان علينا أن ندخلها، وأن نمر بسوقها، وربما نتوقف فيها دون أن نخطط لذلك، ثم نبحث عن طريقنا إلى الجهة الأخرى، كنا أحيانًا نضيع، وما أجمل أن تضيع في مكان يعرف أهله الطريق جيدًا، كنت تسأل أحدهم عن الاتجاه، فيعطيك أكثر مما طلبت؛ يدلك على الجادة، وربما دعاك إلى بيته، أو أهدى إليك شيئًا من عنده، وهكذا كان الضياع أحيانًا يقود إلى معرفة، والسؤال يفتح بابًا، والباب يفتح مجلسًا، والمجلس قد يفتح علاقة تستمر سنوات، فربما تعود في العام التالي، فتبحث عن صاحب دكان تحدثت إليه في رحلتك السابقة، أو عن رجل التقيته مصادفةً في مسجد، وقد لا تتذكر حتى كيف بدأ الحديث بينكما، لكنك تتذكر وجهه، وتعود تبحث عنه، وربما يصبح مرورك موسمًا ينتظره، كما ينتظر الربيع.

ربما تمر الأيام وتنسى الطريق، وتنسى المسافة، وحتى تفاصيل الرحلة، لكنك لا تنسى القلوب البيضاء، وجهًا استقبلك بإبتسامة، أو يدًا امتدت إليك، أو شيئًا أهداك إياه رجل لم تكن تعرفه قبل دقائق، كانت الأماكن يومها لا تُقاس بما تختصره من المسافة، بل بما تضيفه إلى الحكاية، ولهذا بقيت تلك الواحة في الذاكرة، لم تبقَ لأننا كنا نمر بها فحسب، بل لأننا كنا نترك فيها شيئًا منا، ونعود منها بشيء لا نعرف قيمته إلا بعد أن يمضي الزمن.

ثم تغيّر الطريق، ظهر طريق ساحلي أسرع، وأكثر اختصارًا، لا يمر بها، بدا الأمر وكأنه انتصار للوقت، لم نعد بحاجة إلى دخول المدينة، ولا إلى السؤال عن الطريق، ولا إلى التوقف في السوق، ولا إلى البحث عن مطعم نتناول فيه الغداء، الطريق واضح، والوجهة محددة، والخرائط في الهاتف تعرف ما لا نعرفه، وصلنا أسرع، لكن بلا حكاية، فماذا لو كان الذي اختصرناه لم يكن الطريق وحده؟ ماذا لو كنا، ونحن نختصر المسافات، نختصر شيئًا آخر معها؟ كنا نضيع فنلتقي، واليوم نقطع المسافة كلها دون أن ننزل من السيارة، كنا نسأل عن الطريق، فنجد إنسانًا، واليوم نفتح الخريطة، فنجد طريقًا موحشًا، كنا نتوقف لأننا لا نعرف ماذا ينتظرنا بعد المنعطف، فكانت الحياة تفاجئنا، واليوم نعرف الطريق كله قبل أن نبدأه.

أصبح بإمكاننا أن نتواصل مع عشرات الأشخاص ونحن في الطريق، دون أن نلتقي بواحد منهم، ونستطيع أن نعرف أين هم، ماذا يفعلون، ماذا أكلوا، وأين ذهبوا، دون أن نجلس معهم على مائدة واحدة، أصبحت الطرق أسرع، وأصبحت الرسائل أسرع، وأصبحت الأخبار أسرع، وأصبح الوصول إلى الناس أسهل من أي وقت مضى، ومع ذلك، يبدو أننا أصبحنا أبعد، ليس أبعد عن الأماكن فقط، بل عن بعضنا، وربما عن أنفسنا أيضًا.

لكن ماذا لو لم تكن المشكلة في الطريق الجديد؟ وربما لم تكن المشكلة في التكنولوجيا أيضًا، فلا نستطيع أن نطلب من العالم أن يعود إلى الطرق القديمة، ولا أن نعيد عقارب الساعة إلى الوراء، لكن علينا أن نسأل أنفسنا: ما الذي افتقدناه ونحن نمضي بهذه السرعة؟ افتقدنا شيئًا لا يعوضه اختصار المسافة، ولا سرعة التكنولوجيا، افتقدنا الصدفة، افتقدنا الدهشة، افتقدنا العفوية التي كانت تجعل للحياة طعمًا آخر، وتحمل إلينا أشياء لم نكن نبحث عنها، افتقدنا الإنسان الذي كنا عليه ونحن نمر بها، وكأننا ونحن نختصر الطريق اختصرنا شيئًا من الإحساس، ربما لهذا بقيت تلك المدينة في الذاكرة، لأنها كانت جزءًا من الحكاية.

ولست متأكدًا أنني أتحدث عن الأحساء !!، ربما عن شيء آخر...

اقرأ المزيد

حصان طروادة حصان طروادة

تروي الأسطورة أن مدينة طروادة صمدت سنوات أمام الجيوش التي حاصرتها، فلم تستطع الأسوار أن تُهزم بالقوة، حتى... اقرأ المزيد

933

| 19 أغسطس 2026

المقعد ليس إنجازًا المقعد ليس إنجازًا

«بعض الفائزين في انتخابات مجالس الإدارات يستعد للانتخابات أشهرًا، لكنه لا يستعد للاجتماع الأول ساعةً واحدة». لعل هذه... اقرأ المزيد

1014

| 12 أغسطس 2026

سيأتي الربيع... سيأتي الربيع...

في الإدارة، كما في الزراعة، ليس كل من يزرع هو من يحصد، وليس كل من يغرس شجرة يجلس... اقرأ المزيد

1110

| 05 أغسطس 2026

مساحة إعلانية