رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

924

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

معركة بلا غنائم !!!

02 سبتمبر 2026 , 02:00ص

في الطريق قد يسيء إليك سائق، وفي متجر قد يخطئ بائع، وفي فندق قد يختلف معك موظف الاستقبال، وفي العمل قد تسمع كلمة لا تعجبك أو موقفًا لا يروق لك، وقبل أن تحول الموقف إلى معركة، توقف قليلًا، ليس لتسأل نفسك إن كنت قادرًا على الانتصار، فالقوة وحدها قد تجيب عن هذا السؤال، وإنما لتسأل: هل تستحق هذه المعركة أن تُخاض أصلًا؟، وما الغنيمة التي تريدها من هذه المعركة؟، فليس كل من يملك القدرة على خوض معركة يكون مطالبًا بخوضها، وليس كل من يستطيع الانتصار ينبغي له أن يسعى إليه.

لا شك أن لكل معركة غنائمها، منها ما هو منصب، ومنها ما هو نفوذ، ومنها ما هو انتصار للنفس، ومنها ما هو تشفٍ في خصمٍ اختلفنا معه، لكن ماذا لو كانت هذه الغنائم كلها لا تعني لك شيئًا؟ ماذا لو كنت لا تريد منصبًا، ولا تبحث عن نفوذ، ولا تجد لذة في رؤية غيرك يخسر، عندها تصبح المعركة عبئًا لا مكسبًا، واستنزافًا لا إنجازًا.

في الحياة العملية قد يجد الإنسان نفسه قادرًا على تحريك ملفات، أو مخاطبة جهات، أو استثمار علاقات، أو كشف ما يملك من حقائق، وقد ينجح في ذلك كله، لكن النجاح في إشعال المعركة لا يعني أن إشعالها هو القرار الصحيح، فالقوة لا تُقاس بما تستطيع أن تفعله، بل بما تختار ألا تفعله.

تعلمت أن بعض الانتصارات تحمل في داخلها هزيمة أخلاقية، وأن بعض التراجعات تحفظ للإنسان قيمًا لا يستطيع أي انتصار أن يعوضها، فليس كل حق يُنال بالمواجهة، وليس كل خلاف يُحسم بالتصعيد، وليس كل باب يمكن فتحه يستحق أن نطرقه، والأصعب من الانتصار على الآخرين هو الانتصار على رغبة النفس في الانتقام، فحين يكون الإنسان قادرًا على الإيذاء ثم يعفو، وقادرًا على التصعيد ثم يختار أن يمضي في طريقه، فإنه لا يخسر معركة، بل ينتصر على نفسه.

لهذا، لا أؤمن بأن شجاعة الإنسان تُقاس بعدد المعارك التي خاضها، بل بعدد المعارك التي أدرك بحكمته أنها لا تستحق أن تُخاض، فالعاقل لا يسأل: هل أستطيع أن أنتصر؟ وإنما يسأل أولًا: ماذا سأربح إن انتصرت؟ وهل تستحق تلك الغنيمة أن أدفع ثمنها من راحتي، أو وقتي، أو مبادئي.

لكن الحكمة أيضًا، لا تعني أن ينسحب الإنسان من كل مواجهة، فهناك معارك لا يملك الشريف أن يتجنبها؛ حين يتعلق الأمر بمبدأ، أو أمانة، أو حق عام، أو ظلم لا يصيبك وحدك، يصبح الصمت تواطؤًا، ويصبح التراجع تخليًا عن مسؤولية لا عن خصومة، فالقضية ليست في كثرة المعارك أو قلتها، وإنما في معيار اختيارها.

مساحة إعلانية