رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

456

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

أخلاق الفرسان.. مروءة الخلاف

26 أغسطس 2026 , 01:00ص

في الحياة المهنية، لا تظهر أخلاق الإنسان عندما تسير الأمور كما يريد، ولا عندما تتفق معه الآراء، وإنما تظهر حين يتحول الاختلاف إلى خلاف، وحين يصبح الطرف الآخر خصمًا في الرأي أو الموقف، فهنا لا يعود الاختبار في قدرتنا على عرض وجهة نظرنا، بل في قدرتنا على أن نختلف دون أن نفقد إنصافنا، وأن نخاصم دون أن نفقد مروءتنا، وأن ندافع عن موقفنا دون أن نحتاج إلى تشويه موقف غيرنا.

ولأن الخلاف ليس جديدًا على البشر، فقد عَرف الفرسان في أشد صور الخصومة، معنى أن يتواجه الرجال دون أن تسقط بينهم المروءة، لم يكن الفرسان يُعرفون بشجاعتهم وحدها، بل بمروءتهم ونبل أخلاقهم أيضًا؛ فقد كانوا يتواجهون في ساحات القتال، ويشتد بينهم الصراع، لكنهم كانوا يلتزمون بقواعد لا يتجاوزونها، كانوا يدركون أن النصر لا يبرر الكذب، وأن الخصومة لا تمنحهم حق تشويه الحقيقة، ولذلك بقيت الفروسية، عبر العصور، مرادفةً للشجاعة والنبل معًا.

أما في بعض بيئات العمل، فتظهر معركة من نوع آخر، هناك من يملك سلطة التأثير، يوجّه، ويقترح، ويدفع نحو اتخاذ قرار لكنه لا يتحمل مسؤوليته، فإذا نجح القرار، اقترب منه ونسب الفضل لنفسه، وإذا أخفق، ابتعد عنه وألقى تبعاته على من حمل المسؤولية النظامية، والأسوأ من ذلك أن يتحول من صنع القرار أو شارك في صناعته إلى أول من يتبرأ منه، أو أن ينسبه كاملًا إلى شخص غادر المؤسسة ولم يعد حاضرًا ليدافع عن نفسه.

ولعل أسهل متهم في أي مؤسسة هو المسؤول السابق، فما إن يغادر، حتى تصبح الأخطاء والقرارات المتراكمة مشروعًا جاهزًا لتعليقها على اسمه، لكن الحقيقة لا تغادر بخروج أصحابها، ولا يعيد أحد كتابة الوقائع لمجرد أن أحد أطرافها لم يعد حاضرًا ليرويها، فالحقائق لا تتبدل بتبدل الروايات.

ولا يقتصر ذلك على من يغادرون المؤسسات، بل يظهر أيضًا في بعض اللجان ومجالس الإدارة، فقد يناقش الأعضاء موضوعًا، وتُطرح الآراء، ثم يُتخذ القرار بعد المداولة، فإذا جاءت النتائج على غير المأمول، ظهر من يقول: «لقد كنت أرى غير ذلك»، أو «كنت أتوقع ما حدث»، ولو كان رأيه بهذه القناعة، لكان الأولى أن يطلب إثبات تحفظه في محضر الاجتماع، وأن يتحمل مسؤوليته قبل صدور القرار، لا بعد ظهور نتائجه، أما أن يبقي لنفسه طريقين؛ فإن نجح القرار كان أحد صانعيه، وإن أخفق أصبح أول من يتبرأ منه، وذلك ليس من شجاعة الرأي، وإنما من الحرص على أن يكون رابحًا بأي ثمن.

إن التحفظ يُكتب قبل القرار، لا بعد نتائجه، أما الحكمة التي لا تظهر إلا بعد وقوع الخطأ، فلا تحمي مؤسسة، ولا تنصف زملاء، ولا تضيف قيمة، فالشجاعة ليست أن تقول: «لقد توقعت»، بل أن تثبت موقفك قبل أن تعرف النتيجة.

لا تنهار المؤسسات بسبب وقوع الأخطاء، فالأخطاء جزء من العمل، لكنها تبدأ في التآكل عندما يصبح الكذب وسيلة لإدارة المسؤولية، وعندما يعتقد البعض أن حماية صورتهم تكون بتشويه صورة غيرهم، عندها يفقد العاملون ثقتهم بعدالة المؤسسة، ويتعلمون أن الحقيقة ليست ما حدث، بل ما يُراد لهم أن يصدقوه.

الفارس الحقيقي لا يختبئ خلف توقيع غيره، ولا يهرب من نتائج تأثيره، ولا يبحث عن غائب ليحمله أوزار الحاضر، وإذا اختلف مع زميل أو مسؤول سابق، بقي وفيًا للحقيقة، لأن شرف الخصومة جزء من شرف الإنسان، والفارس الحقيقي أيضًا لا يحتفظ برأي سري ليكشفه بعد الإخفاق، بل يعلنه في وقته، ويتحمل مسؤوليته كما يتحمل غيره مسؤولية القرار الجماعي.

قد يستطيع الإنسان أن يكسب جولة بإخفاء الحقيقة أو تبديلها، لكن التاريخ الإداري، كما التاريخ الإنساني، يحتفظ دائمًا بمن تحمل مسؤوليته بشجاعة، وبمن اختار أن يحتمي بالكذب، وبين الاثنين مسافة لا تقاس بالمناصب، بل بالأخلاق.

وفي النهاية، لا تصنع المؤسسات الأنظمة وحدها، بل يصنعها رجال ونساء يملكون شجاعة قول الحقيقة، والقدرة على تحمل تبعاتها، حتى عندما لا تكون في صالحهم، فالفروسية ليست أن تنتصر في خصومتك، بل أن تحافظ على مروءتك وأنت تختلف، وأن تتحمل مسؤولية ما صنعت، وألا تنسب إلى غيرك ما كان من صنع يديك، وتلك في نظري، هي أخلاق الفرسان.

مساحة إعلانية