رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

861

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

حصان طروادة

19 أغسطس 2026 , 01:00ص

تروي الأسطورة أن مدينة طروادة صمدت سنوات أمام الجيوش التي حاصرتها، فلم تستطع الأسوار أن تُهزم بالقوة، حتى جاءها حصان خشبي بدا هدية لا خطر فيها، ففتح أهل المدينة أبوابهم له، وأدخلوه بأيديهم إلى داخل الأسوار، دون أن يدركوا أن ما عجز عن فعله العدو من الخارج، سيفعله من أصبح في الداخل.

وفي المؤسسات أيضًا أحصنة طروادة، وإن اختلفت الأشكال والمسميات، فقد يدخل شخص إلى المؤسسة تحت مسمى وظيفي ما، ويُمنح الثقة والصلاحيات والأدوات لأداء مهمة محددة، لكنه يحمل في داخله مشروعًا آخر؛ مصلحة شخصية، أو حسابات قديمة، أو رغبة في بناء نفوذ، أو أجندة لا علاقة لها بالمهمة التي جاء من أجلها، والأخطر أن المسؤول الذي اختاره قد يكون آخر من يعلم.

فهو يعتقد أنه يمنحه الأدوات لخدمة المؤسسة، بينما قد تُستخدم الأدوات ذاتها لتحقيق أهداف لم يطلبها، ويظن أنه يدعم موظفًا مخلصًا، بينما يَمنح - من حيث لا يدري - غطاءً رسميًا لتحركات لم يكن ليوافق عليها لو عُرضت عليه بصورتها الحقيقية، وهنا تكمن خطورة حصان طروادة؛ فهو لا يعمل ضد النظام بالضرورة، بل قد يتقن استخدام النظام نفسه، لا يحتاج إلى تجاوز صلاحياته علنًا، ما دام قادرًا على توظيفها في غير غاياتها، فيقرّب هذا ويبعد ذاك، ويضخم واقعة ويتجاهل أخرى، ويختار من المعلومات ما يخدم روايته، حتى تصبح الوظيفة التي أُنشئت لخدمة المؤسسة أداة لخدمة صاحبها.

ولا تُكتشف هذه الممارسات بسهولة، لأنها غالبًا ما تختبئ خلف عبارات مألوفة: «مصلحة العمل»، و«توجيهات الإدارة العليا»، و«الحرص على المؤسسة». وكلما زادت ثقة المسؤول بالشخص، أصبح من الصعب التمييز بين ما يريده المسؤول فعلًا، وما يُنفذ باسمه دون أن يكون قد أراده أصلًا، ولذلك فإن الحوكمة الحقيقية لا تكتفي بتحديد الصلاحيات، بل تسأل أيضًا: كيف تُستخدم؟ ولأي غاية؟ ومن المستفيد من القرارات المتكررة؟ وهل ما يُنفذ باسم القيادة يعكس فعلًا إرادتها، أم إرادة من يتحدث باسمها؟ 

لقد بقي حصان طروادة رمزًا عبر التاريخ، ليس لأنه كان أقوى من أسوار المدينة، بل لأن المدينة منحته ما لم تمنحه لعدوها: الثقة، والدخول، والمكان الآمن داخل الأسوار.

وفي الإدارة أيضًا، قد لا تكون المشكلة فيمن يحاول اقتحام المؤسسة من الخارج، بل فيمن فتحنا له الباب، ومنحناه الأدوات، ثم اكتشفنا متأخرين أنه كان يخوض معركة أخرى بأيدينا.

مساحة إعلانية