رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

258

موزا محمد الكواري

الذين يملكون رأياً في كل شيء

16 سبتمبر 2026 , 12:15ص

هناك أشخاص لا يحتاجون أن يعرفوا القصة كي يحكموا عليها، ولا أن يعيشوا التجربة كي يشرحوا لك كيف كان يجب أن تعيشها.

لديهم رأي في زواجك، وتربيتك لأبنائك، وطريقة عملك، وملابسك، وقراراتك، وأصدقائك، وحتى في الأشياء التي لم تطلب منهم رأيًا فيها أصلًا.

تخبرهم أنك تعبت، فيشرحون لك لماذا تعبت.

تخبرهم أنك اتخذت قرارًا، فيخبرونك لماذا كان قرارك خاطئًا.

تسكت، فيفسرون صمتك.

تتكلم، فيحللون كلامك.

وكأن بعض الناس لا يستطيعون مشاهدة حياة الآخرين دون أن يضعوا عليها تعليقًا.

المثير أن الإنسان كلما قلّ اطلاعه على تفاصيل حياة غيره، زادت أحيانًا ثقته في الحكم عليها.

لأننا لا نرى القصة كاملة.

نرى موقفًا واحدًا، ثم نبني عليه شخصية كاملة.

نسمع جملة، ثم نخترع خلفها نوايا.

نشاهد قرارًا، ثم نفترض أسبابه.

وهكذا يتحول الجزء الصغير من الحقيقة إلى حقيقة كاملة في أذهاننا.

ربما لهذا تنتشر الأحكام أسرع من الحقائق.

فالإنسان بطبيعته يحب القصة المكتملة؛ لا يحب الفراغات ولا المناطق التي لا يعرفها، فيملؤها من عنده.

إذا لم يعرف لماذا تأخر شخص عن الزواج، وضع له تفسيرًا.

إذا لم يعرف لماذا ترك أحدهم عمله، اخترع له سببًا.

إذا رأى شخصًا يبتعد، قرر أنه متكبر.

وإذا رأى شخصًا ينجح، بحث عن تفسير يقلل من نجاحه.

نحن أحيانًا لا نحكم على الناس بناءً على ما فعلوه…

بل بناءً على ما اخترعناه عنهم.

والأغرب أن بعض الأحكام لا يكون هدفها فهم الآخر أصلًا.

إنها تمنح صاحبها شعورًا بالتفوق.

حين أقول لك: «لو كنت مكانك لفعلت كذا»، فأنا في كثير من الأحيان لا أقدم لك حلًا بقدر ما أقول لك، بطريقة غير مباشرة: أنا أعرف أكثر منك.

وحين أقول: «أنا من البداية كنت أعرف أن هذا سيحدث»، فأنا لا أساعدك في أزمتك، بل أحاول أن أثبت لنفسي أنني كنت أذكى منك.

وهنا يصبح الرأي وسيلة لإثبات الذات.

ربما لهذا نجد أشخاصًا يتحدثون بثقة شديدة عن حياة لم يعيشوها، ومشاعر لم يشعروا بها، وظروف لم يمروا بها.

يتحدثون عن الطلاق وهم لا يعرفون تفاصيل زواج غيرهم.

يحكمون على التربية وهم لا يعرفون يومًا واحدًا من حياة الأسرة.

ينتقدون النجاح لأنهم لا يعرفون كم كلف صاحبه.

ويحكمون على شخصٍ انسحب من مكان ما، دون أن يسألوا أنفسهم:

كم مرة حاول أن يبقى قبل أن يرحل؟

ليست المشكلة أن يكون للإنسان رأي.

الرأي حق.

لكن المشكلة حين يتحول الرأي إلى وصاية، وحين نعتقد أن اختلاف الآخرين عنّا دليل على خطئهم.

نحن نحتاج أن نتعلم جملة بسيطة جدًا:

«لا أعرف.»

لا أعرف ماذا حدث بينهما.

لا أعرف لماذا اختار ذلك.

لا أعرف ما الذي يخفيه هذا الشخص خلف ابتسامته.

لا أعرف كم مرة حاول قبل أن يصل إلى قراره.

«لا أعرف» ليست علامة جهل.

أحيانًا تكون أعلى درجات الوعي.

لأن الإنسان الناضج يعرف أن هناك مساحات في حياة الآخرين ليست ملكًا له، وأن عدم معرفته بكل التفاصيل لا يمنحه الحق في اختراعها.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله تجاه حياة الآخرين أن نترك فيها بعض الأبواب مغلقة.

ليس كل ما نراه يحتاج تفسيرًا.

وليس كل ما نسمعه يحتاج حكمًا.

وليس كل سؤال يستحق إجابة.

وليس كل حياة تحتاج إلى مراجعة من الخارج.

فكل إنسان يحمل نسخة من القصة لا يراها أحد كاملة.

وقد يكون الشخص الذي تنتقده اليوم قد خاض معركة لا تعرف عنها شيئًا.

وقد يكون القرار الذي تسخر منه هو القرار الذي أنقذ حياته.

وقد يكون صمته الذي فسّرته تكبرًا… محاولة أخيرة منه لحماية نفسه.

لذلك، قبل أن نعطي رأينا في حياة أحد، ربما يجدر بنا أن نسأل أنفسنا:

هل أعرف ما يكفي لأحكم؟

وإذا كانت الإجابة «لا»…

فربما يكون أجمل رأي يمكن أن نقوله هو:

«الله أعلم بما لا نعلم.»

فليست الحكمة أن يكون لديك رأي في كل شيء.

الحكمة أن تعرف متى يكون رأيك مطلوبًا… ومتى يكون صمتك احترامًا.

اقرأ المزيد

مذكراتي العزيزة مذكراتي العزيزة

أكتب إليكِ اليوم، لا لأحكي لكِ ما حدث، فأنتِ تعرفين أكثر مني، ولا لأستعيد تفاصيل مضت، فأنتِ الوحيدة... اقرأ المزيد

396

| 20 سبتمبر 2026

قد تكون عِوض الأيام قد تكون عِوض الأيام

هناك أشياء لا نفهم سبب حدوثها حين تقع. نخرج من علاقة ونحن نحاول أن نفهم أين أخطأنا، نخسر... اقرأ المزيد

438

| 14 سبتمبر 2026

إلى من يعنيه الكلام إلى من يعنيه الكلام

لا أريد أن أعرف من أنت، ولا ما الذي يجمعني بك. قد تكون شخصًا أحببته، أو صديقًا خذلته... اقرأ المزيد

603

| 10 سبتمبر 2026

مساحة إعلانية