رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

366

موزا محمد الكواري

قد تكون عِوض الأيام

14 سبتمبر 2026 , 12:15ص

هناك أشياء لا نفهم سبب حدوثها حين تقع.

نخرج من علاقة ونحن نحاول أن نفهم أين أخطأنا، نخسر شخصًا كنا نظنه جزءًا ثابتًا من حياتنا، تفوتنا فرصة انتظرناها طويلًا، أو نقف أمام باب أُغلق دون أن نفهم لماذا أُغلق في وجهنا.

وفي تلك اللحظة تحديدًا، لا نرى سوى الخسارة.

نقيس ما حدث بما تمنيناه، لا بما قد يأتي بعده.

وهذه طبيعة الإنسان؛ يريد أن يفهم الحكاية وهي ما زالت في منتصفها، ويحكم على الطريق قبل أن يصل إلى نهايته.

لكن الأيام لديها طريقة مختلفة في الإجابة.

فكم من شيء بكيناه ثم شكرنا الله أنه لم يكن لنا، وكم من شخص ظنناه خسارة ثم اكتشفنا أن خروجه كان بداية لاستعادة أنفسنا، وكم من باب طرقناه طويلًا ولم يُفتح، ثم اكتشفنا أن وراءه طريقًا لم يكن يشبهنا أصلًا.

العوض لا يأتي دائمًا بالصورة التي نتوقعها.

أحيانًا يأتي على هيئة شخص.

وأحيانًا يأتي على هيئة فرصة.

وأحيانًا يأتي في صورة سلام داخلي لم نكن نعرف قيمته ونحن نعيش في الضجيج.

وقد يكون العوض أن تتوقف عن الركض خلف من لا يراك، وأن تتعلم للمرة الأولى أن قيمتك لا تحتاج إلى شهادة من أحد.

قد يكون أن تستيقظ ذات صباح ولا يؤلمك ما كان يؤلمك بالأمس.

أن تسمع اسمًا كان يربك قلبك فلا يتحرك شيء في داخلك.

أن تمر من المكان الذي شهد نهاية شيء عزيز عليك، وتكتشف أنك لم تعد الشخص نفسه الذي غادره يومًا.

ذلك أيضًا عوض.

نحن أحيانًا ننتظر أن تعوضنا الحياة بشيء أكبر من الذي فقدناه، بينما قد يكون أعظم ما تمنحنا إياه أنها تجعلنا لا نحتاج إليه أصلًا.

وهنا تكمن حكمة لا نكتشفها إلا متأخرين:

ليس كل عوض بديلًا عن الشيء الذي فقدناه، بعض العوض هو الإنسان الذي أصبحناه بعد فقده.

ربما كانت التجربة القاسية هي التي علمتك أن تختار بعناية.

وربما كان الخذلان هو الذي عرّفك قيمة الوفاء.

وربما كان الانتظار الطويل هو الذي جعلك أكثر تقديرًا لما يأتي في وقته.

وربما كان رحيل أحدهم هو الذي أعادك إلى نفسك بعد أن قضيت سنوات تحاول أن تكون الشخص الذي يريده الآخرون.

لهذا لا تستعجل تفسير كل ما يحدث لك.

بعض الأحداث تحتاج إلى مسافة زمنية حتى نراها بحجمها الحقيقي.

وأحيانًا، حين تهدأ مشاعرنا، نكتشف أن الله لم يأخذ منا شيئًا عبثًا، وأن ما حسبناه تأخيرًا كان حماية، وما حسبناه حرمانًا كان إبعادًا عن شيء لم نكن نعرف ضرره، وما ظنناه نهاية كان مجرد تحويل لمسارنا.

لعل العوض ليس في أن تعود الأشياء كما كانت.

لعل العوض أن يأتيك ما يجعلك سعيدًا لأن الأشياء لم تعد كما كانت.

فالحياة لا تعيد لنا دائمًا ما فقدناه، لكنها قد تمنحنا ما يجعلنا نفهم لماذا فقدناه.

وفي كل إنسان قصة لا يعرف أحد تفاصيلها كاملة؛ شخص يبتسم وفي داخله شيء لم يُشفَ بعد، وآخر يبدو قويًا وهو في الحقيقة يتعلم كيف يحمل ما لم يستطع تغييره، وثالث ينتظر منذ سنوات لحظة يشعر فيها أن الحياة أخيرًا ابتسمت له.

ولهؤلاء جميعًا أقول:

لا تحكموا على قصتكم من فصل واحد.

ما يؤلمكم اليوم قد يصبح بعد سنوات أكثر فصول حياتكم معنى.

وما ترونه الآن نهاية، قد يكون مجرد مساحة فارغة تهيئها الأيام لشيء جديد.

فربما يأتي يوم تنظر فيه إلى كل ما حدث، إلى الأشخاص الذين رحلوا، والأبواب التي أُغلقت، والفرص التي لم تكتمل، والطرق التي انحرفت بك عن وجهتك الأولى، ثم تبتسم.

ليس لأنك نسيت الألم…

بل لأنك أخيرًا فهمت الرسالة.

ستفهم أن بعض الأشياء لم تكن لك، مهما تمنيتها.

وأن بعض الأشخاص كانوا محطة، لا وجهة.

وأن بعض النهايات كانت رحمة متخفية في هيئة وجع.

وأن الله حين يؤخر عنك شيئًا، لا يعني بالضرورة أنه يحرمك منه؛ ربما كان يؤخره حتى تصبح أنت مستعدًا له، أو حتى يأتيك في صورة أجمل، أو حتى تدرك أنك كنت تطلب شيئًا لا يناسب قلبك أصلًا.

لذلك…

إذا كنت اليوم في منتصف خيبة، فلا تستعجل.

وإذا كنت تقف أمام باب مغلق، فلا تهدر عمرك في طرقه.

وإذا فقدت شيئًا عزيزًا، امنح قلبك الوقت الكافي ليفهم أن الفقد ليس دائمًا نهاية.

فقد تكون الأيام التي ظننت أنها أخذت منك… هي نفسها الأيام التي كانت تهيئ لك عِوضك.

وقد لا يأتي العوض كما تخيلته.

قد يأتي أهدأ.

أعمق.

وأكثر شبهًا بك.

وقد يأتي متأخرًا…

لكن حين يأتي، ستعرف لماذا كان عليه أن يتأخر.

فبعض العوض لا يصل في موعد الألم…

بل يصل في موعد النضج.

مساحة إعلانية