رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

372

موزا محمد الكواري

إلى من يعنيه الكلام

10 سبتمبر 2026 , 02:00ص

لا أريد أن أعرف من أنت، ولا ما الذي يجمعني بك.

قد تكون شخصًا أحببته، أو صديقًا خذلته الأيام، أو قريبًا ابتعدت عنه المسافات، أو زميلًا ترك في نفسي موقفًا لم أنسه، أو حتى شخصًا مرّ في حياتي مرورًا قصيرًا لكنه ترك أثرًا أطول مما توقع.

يكفي أن تكون هناك علاقة بين إنسان وإنسان.

لأن العلاقات، مهما اختلفت أسماؤها، تشترك في شيء واحد:

أنها تترك فينا شيئًا لا يعود كما كان قبلها.

ولذلك، ربما يكون الكلام الذي تقرؤه الآن عنك وربما عني وربما عن شخص آخر تمامًا.

لكنني أريد أن أقول شيئًا لا نقوله كثيرًا:

نحن لا نخسر الناس دائمًا لأنهم سيئون، ولا نبقى معهم دائمًا لأنهم جيدون.

أحيانًا تتعب العلاقة من أشياء صغيرة تراكمت بصمت؛ كلمة لم تُفهم كما قيلت، موقف لم يُشرح، توقع لم يُذكر، عتاب تأجل، واعتذار جاء بعد أن تغيرت حاجة القلب إليه.

ثم يأتي يوم يصبح فيه الطرفان واقفين أمام علاقة يعرفان أنها كانت مهمة، لكنهما لم يعودا يعرفان كيف يعودان إليها.

وهنا تبدأ المسافة.

لا خصام واضح.

لا نهاية معلنة.

فقط ذلك النوع الغريب من البعد الذي يجعل شخصًا كان يعرف تفاصيل يومك، لا يعرف حتى كيف أصبح يومك الآن.

وهذا النوع من العلاقات هو الأكثر إرباكًا.

لأن الإنسان يستطيع أن يتعامل مع النهاية الواضحة، لكنه يتعب أمام الأشياء المعلقة.

يبقى يسأل نفسه:

هل كان يجب أن أتكلم؟

هل فهمني خطأ؟

هل بالغت؟

هل كان ينتظر مني شيئًا لم أفهمه؟

هل كان يمكن أن تنجو العلاقة لو تصرف أحدنا بطريقة مختلفة؟

والحقيقة التي نتعلمها متأخرين أنه ليس كل سؤال له إجابة، وليس كل علاقة يمكن إنقاذها حتى لو كانت المشاعر تجاهها صادقة.

أحيانًا يكون هناك حب، لكن لا يوجد توافق.

ويكون هناك تقدير، لكن لا توجد قدرة على الاستمرار.

وتكون النية طيبة، لكن طريقة التعبير مؤذية.

وهذه من أكثر الحقائق قسوة في العلاقات الإنسانية:

حسن النية لا يمنع سوء الأثر.

قد لا تكون أردت أن تؤذي، لكنه تأذى.

وقد لا يقصد هو أن يخذلك، لكنك خُذلت.

والنضج هنا ليس أن نبحث دائمًا عن مذنب، بل أن نستطيع أن نرى القصة من أكثر من جهة.

أن نقول:

«ربما كنت محقًا في شعوري، لكنه ربما كان محقًا في رؤيته أيضًا».

هذه المساحة الرمادية هي التي نفتقدها كثيرًا في علاقاتنا.

نريد شخصًا مخطئًا وآخر مظلومًا.

نريد رواية سهلة نستطيع أن نحكيها لأنفسنا وللآخرين.

لكن العلاقات الحقيقية ليست بهذه البساطة.

قد نكون أحببنا شخصًا وأخطأنا بحقه.

وقد نكون تعرضنا للأذى ونحن أيضًا لم نكن الطرف المثالي.

وقد يكون شخص ما قد ابتعد عنا، ليس لأنه لم يعد يهتم، وإنما لأنه لم يعد يعرف كيف يستمر بالطريقة نفسها.

وهذا لا يجعل أحدًا شريرًا.

يجعلنا فقط بشرًا.

ولهذا، إن كنت تقرأ هذا وفي ذهنك شخص معين، فلا تتعجل في إصدار حكم جديد عليه.

تذكره كما هو، لا كما كانت آخر لحظة بينكما.

فالإنسان أكبر من موقف واحد، وأعمق من كلمة قيلت في لحظة غضب، وأوسع من الصورة التي رسمناها عنه عندما كنا مجروحين.

لكن تذكر أيضًا نفسك.

لا تجعل فهمك للآخر يتحول إلى ظلم لنفسك.

فالتفهم لا يعني أن تنكر ألمك، والتسامح لا يعني أن تتنازل عن حدودك، والحنين لا يعني بالضرورة أن العودة هي القرار الصحيح.

هناك أشخاص نحبهم ونختار ألا نعود إليهم.

ليس لأن المشاعر اختفت، وإنما لأننا فهمنا أخيرًا أن بعض العلاقات جميلة في ذاكرتها، لكنها ليست بالضرورة صالحة لحياتنا الآن.

وربما هذا هو الشيء الذي يحتاج بعضنا إلى سماعه اليوم:

ليس كل شخص نفتقده يجب أن نستعيده، وليس كل علاقة انتهت كانت خسارة.

بعض النهايات تحرمنا من شخص، لكنها تعيدنا إلى أنفسنا.

وبعض المسافات لا تأتي لتخبرنا أن الآخر لم يعد مهمًا، وإنما لتكشف لنا مقدار ما كنا نضعه في علاقة واحدة من توقعات واحتياج ومعنى.

لذلك، إلى من يعنيه الكلام…

إذا كنت تنتظر من شخص أن يفهمك، فربما حان الوقت أن تفهم نفسك أولًا.

وإذا كنت تنتظر اعتذارًا، اسأل نفسك: هل تحتاج الاعتذار فعلًا، أم تحتاج أن تعرف أنك لم تكن مخطئًا في شعورك؟

وإذا كنت تنتظر عودة أحدهم، اسأل سؤالًا أكثر صعوبة:

هل أريده هو… أم أريد أن تعود الأيام التي كانت معه؟

الفرق بين السؤالين قد يغير الكثير.

وإذا كنت أنت الشخص الذي قصّر، أو ابتعد، أو قال شيئًا لا يزال الطرف الآخر يحمله في قلبه، فلا تجعل مرور الوقت عذرًا دائمًا.

بعض الاعتذارات لا تعيد العلاقات، لكنها تعيد للإنسان احترامه لنفسه.

وبعض الكلمات المتأخرة لا تصلح ما انكسر، لكنها تمنح الطرفين نهاية أكثر إنسانية.

أما إذا كنت الطرف الذي ينتظر، فلا تجعل انتظارك هو الطريقة الوحيدة التي تعيش بها.

اترك للناس مسؤولية اختياراتهم، واترك لنفسك مسؤولية حياتك.

فالعلاقة الصحية ليست أن يظل أحدنا يطرق باب الآخر إلى ما لا نهاية، وإنما أن يكون هناك طريق يمكن للطرفين أن يمشيا فيه دون أن يفقد أحدهما نفسه.

وفي النهاية…

ربما لا أعرف من يعنيه هذا الكلام.

لكنني أعرف أن كل إنسان يحمل في حياته شخصًا أو علاقة لم يقل عنها كل ما يشعر به.

شيئًا بقي في منتصف الكلام.

عتبًا لم يجد وقته.

امتنانًا لم يُقل.

اعتذارًا تأخر.

أو حتى وداعًا لم يحدث كما يجب.

ولذلك، ربما لا تحتاج دائمًا إلى إعادة الأشخاص إلى حياتك.

أحيانًا تحتاج فقط إلى أن تعيد ترتيب مكانهم في قلبك.

أن تترك بعضهم في الذاكرة بامتنان، وبعضهم في التجربة بتعلم، وبعضهم خارج حياتك بسلام.

دون كراهية.

دون إنكار لما كان.

ودون أن تضطر إلى تحويل كل علاقة انتهت إلى قصة عن الخيانة والخذلان.

فبعض الناس كانوا مناسبين لمرحلة وانتهت.

وبعضهم كانوا درسًا.

وبعضهم كانوا نعمة.

وبعضهم كانوا اختبارًا.

وقليلون جدًا كانوا كل ذلك في وقت واحد.

إلى من يعنيه الكلام…

لا أعرف أين أنت من هذه الحكاية.

لكن إن كان في حياتك شخص جاء إلى ذهنك وأنت تقرأ، فربما لا يكون المطلوب أن تبحث عنه الآن.

ربما المطلوب فقط أن تفهم لماذا جاء في بالك.

فأحيانًا، الشخص الذي نتذكره فجأة لا يكون هو الذي نحتاجه.

بل المعنى الذي تركه فينا.

مساحة إعلانية