رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

207

د. أحمد المحمدي

الصمت في حضرة الجهل جواب

11 سبتمبر 2026 , 02:00ص

لكل كلام مقام يليق به، ولكل حجة عقل تصلح أن تخاطبه؛ إلا الجهل، فإن الرد عليه قد يخرجه من سفه مهمل إلى رأي يناقش، ويرفعه من هامش لا يلتفت إليه إلى مقام لم يكن ليبلغه لولا عناية العقلاء به. عندئذ يكون الصمت عدلا؛ لأنه يأبى أن يضع الحكمة والعبث في منزلة واحدة، أو يمنح الضجيج من الهيبة ما لا تمنحه إياه حقيقته.

فالجاهل لا يحاور الفكرة كما هي، بل يحاور الصورة التي صنعها عنها، ولا يدخل معك ليكتشف الحقيقة، وإنما ليثبت نفسه ولو على أنقاضها. إن غلبته الحجة، انتقل من المسألة إلى صاحبها، ومن البرهان إلى التجريح، ومن طلب الصواب إلى طلب الغلبة؛ لأن الحقيقة عنده ليست غاية يهتدي إليها، بل ساحة ينتصر فيها. وأنت حين تجيبه لا تمنحه حجة فحسب، بل تمنحه اعترافا ضمنيا بأن قوله يستحق أن يقف بإزاء قولك، وأن العبث جدير بأن يجلس إلى مائدة العقل. ومن هنا قد يصبح الرد ظلما؛ لأنه يسوي بين عقل يبحث وسفه يخاصم، وبين من يريد أن يعرف ومن لا يريد إلا أن يغلب.

وليس الصمت هنا عجزا عن الجواب، بل قدرة على تقدير قيمة الجواب وموضعه؛ فالعاجز يصمت لأنه لا يملك ما يقول، أما الحكيم فيصمت لأنه يملك ما هو أثمن من أن يبدده في خصومة عقيمة. وبين الصمتين بون بعيد: أحدهما فراغ، والآخر امتلاء؛ أحدهما هزيمة، والآخر سيادة على النفس والموقف.

إن بعض الباطل لا يعيش بقوته، بل بما يستدرجه من مقاومة؛ يتغذى من الرد، ويكتسب وزنه من انشغال العقلاء به، حتى يظن الناس أن كثرة الحديث عنه دليل على وجاهته. فإذا صمت الحكيم قطع عنه المادة التي تمنحه الوجود؛ فليست كل فكرة تهزم بحجة، بل منها ما يهزم بحرمانها من شرف المناقشة، وتركها تموت في الفراغ الذي ولدت فيه.

ولعل هذا من هدي قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. فالسلام هنا ليس كلمة عابرة، بل مقام أخلاقي رفيع: أن تعبر الجهل من غير أن يسكنك، وأن تخرج من الخصومة من غير أن تحمل شيئا من قبحها، وأن تحفظ لعقلك علوه، ولروحك صفاءها، وللسانك براءته من السفه.

إن أعظم هزائم الجاهل ألا يجد في عقلك موطنا، ولا في غضبك حياة، ولا في وقتك امتدادا له؛ فالحكمة ليست أن تجد لكل قول ردا، وإنما أن تعرف أي الأقوال يرفعه جوابك، وأيها يرده صمتك إلى العدم الذي جاء منه.

مساحة إعلانية