رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

114

د. أحمد المحمدي

بين بحر وبطن وغار

15 أغسطس 2026 , 10:48م

ثلاثة مشاهد بلغ فيها العجز الإنساني منتهاه: موسى وقومه بين بحر لا يعبرونه وجيش لا يرحمهم، ويونس في بطن الحوت تطويه ظلمات الليل والبحر والجوف، وثلاثة رجال في غار أغلقت الصخرة بابه، فانقطعوا عن الحياة وهم لا يزالون فيها.

اختلفت صور الحصار، وكانت النجاة من جهة واحدة: الله.

عند البحر نظر بنو إسرائيل إلى الماء أمامهم، وإلى الموت يقترب من خلفهم، فقالوا بمنطق ما يرونه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. أما موسى عليه السلام فلم يكن يعرف طريقا خفيا، لكنه كان يعرف ربا لا يعجزه أن يخلق الطريق، فقال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.

فانشق البحر، وصار موضع الهلاك طريقا للنجاة. لم تتغير العصا، وإنما تغير المشهد حين نزل أمر الله؛ فإذا النهاية التي خافوها بداية، وإذا الماء الذي ظنوه حاجزا يحملهم إلى الضفة الأخرى.

وفي بطن الحوت انقطعت عن يونس عليه السلام أسباب الأرض جميعا؛ فلا عين تراه، ولا صوت يسمعه، ولا يد تمتد إليه. أحاطت الظلمات بجسده، لكن قلبه وجد النور حين عرف طريقه إلى الله، فنادى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.

جمع في ندائه توحيدا يقطع التعلق بغير الله واعترافا يرد العبد من تبرير نفسه إلى صدق العبودية. فخرج الدعاء من أعمق مواضع العجز، وعاد إليه بالنجاة: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾. لم يحتج يونس إلى باب في بطن الحوت؛ فقد كان باب السماء مفتوحا.

وفي الغار عجزت أيدي الرجال الثلاثة عن تحريك الصخرة، فعادوا إلى أعمال خبؤوها لله: بر صادق، وعفة غالبت الشهوة، وأمانة حفظت حق الغائب. وكلما قدم أحدهم صدقه بين يدي دعائه تحركت الصخرة، حتى خرجوا يمشون.

دخلوا الغار بما في أجسادهم من قوة، وخرجوا بما في أرواحهم من إخلاص. وما علموا يوم عملوا تلك الطاعات أن الله يدخرها لهم مفاتيح لفرج لا تفتحه القوة.

بين البحر وبطن الحوت والغار تتجلى حكمة البلاء: قد تغلق الجهات كلها وتبقى جهة الله وحدها، وقد تتعطل الأسباب لتستيقظ العبودية، وقد يتأخر الفرج حتى يسقط وهم القوة، فلا يرى القلب في النجاة إلا فضل الله.

ولهذا قال سبحانه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾. فالفرار إليه ليس انتقالا بالأقدام، بل تحولا في وجهة القلب: من السبب إلى مسببه، ومن الذنب إلى التوبة، ومن الخوف إلى التوكل، ومن ضيق الصدر إلى السجود، ومن التعلق بالخلق إلى الافتقار للخالق.

وكل ما تخافه تفر منه، إلا الله؛ فإنك تفر منه إليه: من غضبه إلى رضاه، ومن عقوبته إلى عفوه، ومن معصيته إلى طاعته، ومن وحشة البعد إلى أنس القرب.

فرب بحر لا ينشق حتى تقول بقلبك: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، ورب ظلمة لا تنجلي حتى تعترف: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ورب صخرة لا تتحرك حتى تتقدم بين يديك طاعة خبأتها لله.

وفي البحر درس اليقين، وفي بطن الحوت سر الافتقار، وفي الغار برهان الإخلاص؛ تختلف المحن، ولكن النجاة لا تخطئ وجهتها أبدا.

اقرأ المزيد

جعل الله أيامكم مطاياكم إلى آمالكم جعل الله أيامكم مطاياكم إلى آمالكم

قال أبو إسحاق الصابي: «مارست الكتابة ستين سنة، فلم يحضرني في الدعاء أحسن، ولا أوجز، ولا أجمع من... اقرأ المزيد

195

| 13 أغسطس 2026

 من ظلمة الجب إلى سدة الحكم من ظلمة الجب إلى سدة الحكم

من أعظم أسباب اضطراب القلب أن الإنسان يريد أن يفهم حكمة الله قبل أن تكتمل أقداره! فهو يحكم... اقرأ المزيد

699

| 02 أغسطس 2026

بين العزلة واعتزال العزلة بين العزلة واعتزال العزلة

قرأت مقالين عن العزلة، كلاهما أحسن النظر إلى وجه من الحقيقة؛ أحدهما يدعو إليها انطلاقا من حرص نبيل... اقرأ المزيد

282

| 26 يوليو 2026

مساحة إعلانية