رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

111

د. أحمد المحمدي

جعل الله أيامكم مطاياكم إلى آمالكم

13 أغسطس 2026 , 10:44م

قال أبو إسحاق الصابي: «مارست الكتابة ستين سنة، فلم يحضرني في الدعاء أحسن، ولا أوجز، ولا أجمع من قولي: جعل الله أيامك مطاياك إلى آمالك».

ليس هذا دعاء بطول العمر، وإنما هو دعاء بأن يتحول العمر إلى رسالة، والزمن إلى قوة دافعة، والأيام إلى طريق يصل بين ما أنت عليه وما ينبغي أن تكونه. فالناس جميعا تعبر بهم الأيام، ولكن قليلا منهم من يعبر بها؛ لأنها لا تصنع مجدا بمجرد مرورها، وإنما تصنعه بما يودعه الإنسان فيها من عزم وعمل.

قد يعيش رجلان يوما واحدا، فتغرب شمسه وقد اقترب أحدهما من غايته، وابتعد الآخر عنها؛ الأول جعل يومه لبنة في بناء غده، والآخر جعل غده قبرا يدفن فيه واجبات يومه. مر عليهما الزمن نفسه، ولكن أحدهما امتطاه، والآخر امتطاه الزمن؛ أحدهما قاد ساعاته إلى أمله، والآخر ساقته ساعاته إلى أجله.

فالزمن لا يسير بالإنسان إلى الوجهة التي يتمناها، بل إلى الوجهة التي يعمل لها. وليس الفرق بين المجتهد والخامل في عدد الساعات التي منحت لهما، وإنما في مقدار الحياة التي أودعها كل منهما في ساعاته؛ فقد يتسع يوم قصير لعمل عظيم، ويضيق عمر طويل عن أثر صغير. والعمر لا يطول بكثرة أيامه، وإنما بكثرة ما يبقى منها بعد انقضائها.

ولذلك جعل الصابي الأيام مطايا؛ لأن المطية وسيلة لا غاية، ولا تبلغ بصاحبها إن ظل ممسكا بزمامها واقفا، مفتونا بصورة الطريق، مكتفيا بوصف الوصول. فالأماني التي لا يوقظها العزم ليست آمالا، بل مخدرات جميلة تسكن ألم العجز، وتوهم صاحبها أنه يسير وهو لم يغادر مكانه.

وهنا يفترق الخامل والمجتهد: فالخامل يعد الأيام، والمجتهد يجعل الأيام تعد إنجازاته. ذاك ينتظر أن يتغير الزمان، وهذا يغير نفسه حتى يغير الله له ما حوله. ذاك يعيش على هامش عمره، يرجئ بدايته إلى غد لا يأتي، وهذا يعلم أن الغد لا يولد إلا من رحم اليوم. ذاك يستهلك عمره فيما يفنى، وهذا يستثمره فيما يبقى.

غير أن المجتهد لا يقيس سيره بكثرة الحركة وحدها؛ فقد يسرع الإنسان في الطريق الخطأ، فيزداد بكل خطوة بعدا عن غايته. وإنما يبدأ بلوغ الأمل من وضوح الوجهة، ثم صدق العزم، ثم تقسيم الغاية الكبرى إلى أعمال يومية صغيرة، ثم صبر لا تهزمه العثرات. فالنجاح ليس قفزة واحدة، بل وفاء طويل لأعمال قليلة تتكرر حتى تصنع ما كان يبدو مستحيلا.

وفي ميزان الإيمان، لا تكون الآمال نبيلة إلا إذا اتصلت بمرضاة الله؛ فقد يبلغ الإنسان ما أراد ثم يكتشف أنه أضاع نفسه في الطريق إليه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. فالقضية ليست أن تمضي الأيام، بل أن تقدم في كل يوم شيئا لغد الدنيا وغد الآخرة.

ومن هنا كان العمر رحلة معنى قبل أن يكون رحلة زمن، وكانت الأيام فرص بلوغ لا وحدات حساب. فلا يسأل العاقل: كم عشت؟ بل: ماذا صنعت بما عشت؟ ولا: كم بقي من عمري؟ بل: كم بقي في عمري مما يستحق أن يعيش؟

فطوبى لمن كانت أيامه مطايا إلى علم ينفع، وعمل يرفع، وخلق يبقى، وإيمان يلقى به ربه؛ فإذا انتهت رحلته، لم تكن أيامه قد انقضت منه، بل كان هو قد انقضى بها إلى غايته.

اقرأ المزيد

مركزية القرآن أم أسلمة العلوم؟ مركزية القرآن أم أسلمة العلوم؟

ظهر مشروع “أسلمة العلوم” في سياق تاريخي كانت فيه الهيمنة للمنظومة المعرفية الغربية، فسعى أصحابه إلى تخليص العلوم... اقرأ المزيد

228

| 20 يوليو 2026

هزيمة النصر هزيمة النصر

يروى أن أبا جعفر المنصور قال: بلغني أن أسدًا لقي خنزيرًا، فقال له الخنزير: قاتلني. فقال الأسد: إنما... اقرأ المزيد

438

| 11 يوليو 2026

فن الرد... الواجب الغائب فن الرد... الواجب الغائب

تابعت مناظرة بين موحد وملحد، فلم أخرج مشغولا بما قيل، بل بما لم يقل؛ ذلك أن الحق لا... اقرأ المزيد

303

| 04 يوليو 2026

مساحة إعلانية