رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فلسطين.. أرض يبدو أهلها كأنهم رهينة لقرارات صُنّاع التاريخ، تحاصرهم جغرافية الحاضر، وتتوارى عنهم ساعة الخلاص الموعودة في المستقبل. هي قضية مرتهنة طويلاً لأروقة القرار السياسي، غير أن المعضلة التاريخية تظل تبحث عن نهايتها الحتمية. من رحم هذا الواقع المعقد، جاءت حادثة صغيرة في تفاصيلها، كبيرة في دلالاتها؛ ففي أحد فروع مطعم ‹برغر كينغ› بالولايات المتحدة، دخل المغني المنتمي للكيان الصهيوني، ‹رامي فاينشتاين›، لطلب الطعام. وحين سألته الموظفة ‹أريانا› بعفوية عن أصله، أجاب بأنه من ‹إسرائيل›، ولم يكتفِ بذلك، بل استعرض بوقاحة قلادةً تحمل ‹نجمة داود› أخرجها مستفزاً من خلف قميصه. لترد عليه بكلمة واحدة اختصرت ضمير الحق العادل «الحرية لفلسطين!».
إن واقع فلسطين اليوم ليدمي القلب حيث هذا الانقسام الشديد بين الأطراف الفلسطينية والتباينات العربية للقضية وحتى العالمية مما يجعل البوصلة الفلسطينية تدور في منحنيات لا نهائية للحل.
ولم تكن الحدود الجغرافية والسياسية لأرض فلسطين يوماً كما هي وفق إرادة أبنائها عبر التاريخ القديم والحديث، إلا أن تأثيرها البالغ يظل حاضراً في مصير القضية من كل منظور. وإذا أردنا تأصيل التاريخ الفلسطيني انطلاقاً من أواخر العصور الحديثة حسب تقاسيم المؤرخين، فإن أبعاد القضية تتسع وتزداد تعقيداً. ولتبسيط هذا الامتداد التاريخي العميق، لا بد من وضعه في إطاره الطبيعي المتمثل في انتمائه للرقعة العربية، وبطبيعة الحال للأمة الإسلامية برمتها، رغم ما ألقته التقاطعات الفكرية والسياسية بظلالها الثقيلة على مسار القضية. من هنا، يصبح التركيز منصبًّا على محطات العصر الحديث، لا سيما القرنين التاسع عشر والعشرين، اللذين يمثلان الحجر الأساس في صياغة الكثير من السردية الفكرية المعاصرة لفلسطين.
بالعودة إلى جذور الانتماء، نجد أن فلسطين في العهود العباسية والأيوبية والمملوكية، وصولاً إلى العهد العثماني، قد شكلت حجر الزاوية في ذاكرة التاريخ الفلسطيني. يظل نقطة مفصلية في صلب السردية المعاصرة، لا سيما مع تصاعد الممارسات الاحتلالية للدول التي لم تستهدف فلسطين وحدها، بل طالت جسد الأمة الإسلامية برمتها وخوصواً العرب تحديداً. غير أن العهد العثماني و»الثورة العربية الكبرى» عام ١٩١٦ تظل هي المحطة الزلزالية التي أرست قواعد الواقع السياسي الراهن، وإن تباينت حولها القراءات والتأويلات. فمنذ تلك اللحظة التاريخية، انقسم الموقف الفلسطيني إلى تيارين متناقضين، تحولا بمرور العقود من محاولات التأييد الحذر إلى تجرع مرارة الصدمة، والانكسار التاريخي الذي لا نزال نستشعر ندوبه في واقعنا اليوم.
لقد تحركت الحركات السياسية الفلسطينية المبكرة في أواخر سنوات احتضار العهد العثماني، مدفوعةً بأزمات ميدانية ومعيشية خانقة؛ تمثلت في سياسات ‹التتريك› الرامية لطمس الهوية العربية، والتجنيد القسري المعروف بـ ‹السفربرلك›، ناهيك عن المجاعات والإعدامات الدموية الظالمة التي نفذها جمال باشا. هذا الواقع المأساوي دفع النخب الفلسطينية والعربية للانحياز نحو ‹الثورة العربية الكبرى› عام ١٩١٦، طمعاً في التحرر والاستقلال وإقامة دولتهم الموحدة في كنف الاستقلال العربي، مستلهمين روح التاريخ والكرامة ومتطلعين لاستعادة أمجاد الأمة. غير أن هذا الحلم العارم اصطدم بخديعة احتلالية كبرى تمثلت في اتفاقية ‹سايكس بيكو› عام ١٩١٦ التي قسمت المشرق العربي، تلتها الكارثة الأكبر بصدور ‹وعد بلفور› المشؤوم ٢ نوفمبر عام ١٩١٧ القاضي بإقامة وطن قومي لليهود. وقد تزامن ذلك مع دخول القوات البريطانية واحتلال فلسطين، ليعلن الجنرال ‹اللنبي› لحظة دخول القدس مقولته الشهيرة التي كشفت وجه الصراع الحقيقي: «الآن انتهت الحروب الصليبية»!
وفي الجانب المقابل؛ لم تكتفِ بريطانيا بإصدار الوعود، بل تحولت في ظل ‹انتدابها› المزعوم إلى مهندس فعلي لبناء نواة الكيان الصهيوني عبر ثلاث محطات أساسية: بدأت الأولى بإرساء البنية السياسية والإدارية عام ١٩٢٠ عبر تعيين أول مندوب سامٍ، المدعو ‹هربرت صموئيل›، الصهيوني البريطاني المتحمس الذي وضع تشريعات سلب الأرض. وتلتها المحطة الثانية بتشكيل ‹الوكالة اليهودية› والإدارة الذاتية لتكون حكومة ظل ترسخ قبضة المستوطنين على الجغرافيا الفلسطينية. ولم تتوقف عند هذا الحد، بل توجت ذلك بالتأسيس والدعم العسكري المباشر للعصابات الصهيونية مثل «الهاجانة «و»البلماخ»، والتي أدت وظيفتها الدموية في قمع المقاومة الفلسطينية، وصولاً إلى إعلان قيام كيان الاحتلال عام ١٩٤٨ على أنقاض النكبة.
يبقى هناك لغز تاريخي مرتبط بالقضية الفلسطينية! وما كان قيام هذا الكيان على أشلاء الواقع ليأتي مصادفةً، بل نبت من رحم عهر المؤامرة الصهيونية منذ مؤتمر عام ١٨٩٧، مروراً باعتراف الاتحاد السوفيتي في السابع عشر من مايو عام ١٩٤٨بعد ثلاثة أيام فقط من إعلان الكيان، وصولاً إلى تبنيه من قبل العم سام، بعد أن انتقل قسراً من ملجأ المجرمين والرعاع البريطاني لتكون ولاية الولايات الأمريكية في الشرق الأوسط. قال تعالى: {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} الإسراء ٤.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
15567
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3909
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026