رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

144

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

شغب باريس!

25 أكتوبر 2026 , 12:00ص

إن مشهد استقبال حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، لرئيس الجمهورية الفرنسية لهو أمر يدعو للفخر والاعتزاز؛ لما له من دلالة عميقة على أن دولتي الحبيبة قطر أصبحت محطة دولية راسخة لحفظ الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي الدوليين. وتُعد زيارة الرئيس الفرنسي أرفع مستويات التواصل الدبلوماسي والبروتوكولي بين الدول، أو ما يُعرف في الأوساط الدبلوماسية بـ «زيارة دولة»؛ إلا أن الإعلان عنها قبيل ساعات خاطفة من انطلاقها أضفى عليها طابع الاستعجال والسرية، كاشفاً عن تحركات رفيعة المستوى لحسم ملفات شائكة فرضتها سخونة اللحظة إقليمياً ودولياً. غير أن الأمر—في عمقه—يبدو وثيق الصلة وبشكل واضح بحدة التوتر المتصاعد داخل الحدود الفرنسية.

في المحاضرة السابعة والأربعين للبروفيسور الشهير «جيانغ»، والتي جاءت بعنوان (قصة الحضارة)، بَيَّنَ أن فرنسا مَثَّلَت مختبراً للثورات عبر التاريخ الحديث؛ إذ لا يملك المراقب للحركات الثورية عبر هذه الحقب إلا أن يتلمس الإلهام من الثورة الفرنسية التي غدت أيقونةً للحراك في العصر الحديث. وفي هذا السياق، يرى «جيانغ» أن هذه التحولات تشكل بداية الشرارة لانهيار المنظومة الغربية؛ مستنداً إلى أن تضخم وتخمة «النخب المجتمعية» يؤديان بالضرورة إلى شلل المؤسسات والبرلمانات، وعجزها عن إنتاج حلول بنيوية، مما ينعكس إنهاكاً على الحالة المجتمعية العامة. ويعزو البروفيسور أسباب هذا الشلل إلى صدام الهويات الناشئ بين نخب المدن المركزية والمناطق الهامشية في الدولة، وهو الأمر الذي فاقم بدوره وحشية الفجوة الاقتصادية بين عرض المنتجات والخدمات من جهة، والقدرة الشرائية للطلب من جهة أخرى. ونتيجة لهذه العوامل المتشابكة، تحولت الاحتجاجات في العاصمة الفرنسية باريس إلى مواجهة ومعركة وجودية وضعت هيبة الدولة على المحك.

وفي خضم هذا الشغب العارم الذي انتهك هيبة الأمن وطال المتاجر والمحلات في العاصمة باريس، برزت بعض المفارقات الطريفة؛ إذ كان نوع المتاجر الوحيد الذي نجا من النهب هو «المكتبات»، في تجسيد حي للمقولة العربية الشائعة: (المثقفون لا يسرقون، واللصوص لا يقرأون). وفي مشهد طريف آخر، التقطت العدسات أماً ترجلت مسرعة من سيارتها لتلحق بابنها قبل أن ينخرط في جموع المتظاهرين وأعمال الشغب، حيث قبضت عليه واقتادته معها بعد توبيخه. ولم تقتصر هذه المشاهد السريالية على المدنيين فحسب، بل امتدت لتطال رجال الأمن؛ حيث رُصد شرطيان وهما يجمعان الملابس الملقاة في الشارع وسط الفوضى، في مشهد يختصر المثل العربي الشهير: (شر البلية ما يضحك).

يؤكد تراثنا الإسلامي عدم جواز الاحتجاجات والمظاهرات التي تفضي إلى الفوضى وتخريب الممتلكات؛ استناداً إلى القاعدة الفقهية الكبرى التي تُقدّم «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح». ويرى الفقهاء أن استباحة الأموال وإسقاط هيبة الدولة يُعدّان منكرًا أعظم، إذ يلتزم المنظور الإسلامي بإنكار المفاسد عبر النصيحة المنضبطة والوسائل السلمية التي تصون استقرار المجتمع. وحتى السياقات اللفظية والدلالات الاصطلاحية لكلمة «مظاهرة» في القرآن الكريم أتت في أطر خاصة ومحددة، لا تخرج عن معنى المعاونة والمناصرة على الحق في ظل نظام الدولة، وليس خارج نطاقها أو اتباعاً لأجندات خارجية، بعيداً عن التخريب والدمار اللذين يمسّان حياة الأفراد والمجتمع؛ وهي مفاهيم طارئة استُوردت من الأدبيات الغربية في هذا الشأن.

وأمام هذا المأزق المتأزم، تلجأ النخب السياسية في باريس إلى ممارسة الهروب إلى الأمام والوقوع في المغالطات الجدلية، عبر البحث عن «شماعات» خارجية ومحلية للتنصل من جذور أزمتها البنيوية. فبدلاً من معالجة أسباب الاحتقان الداخلي، يُصار إلى استهداف النسيج السكاني المسلم، واستغلال تعاطفه الطبيعي مع القضية الفلسطينية، أو تجاهل استفزازات الجماعات الصهيونية التي تُغذّي الشارع بالاحتقان. وتأتي التحركات الدبلوماسية المتأخرة عبر الزيارات الرسمية العاجلة كمحاولة للالتفاف على الواقع الأمني والسياسي المأزوم، واختزال الأزمة في الخارج بدلاً من مواجهة استحقاقاتها في الداخل.

وهنا يتجلى بيت الشعر الخالد: «مصائب قوم عند قوم فوائد»؛ إذ تجد باريس نفسها اليوم بحاجة ماسة لثقل الدبلوماسية القطرية ومكانتها العالمية كمرتكز موثوق لإمدادات الطاقة. ففي ظل الشتاء القارس والأزمة المعيشية المتفاقمة، يبرز الغاز القطري كطوق نجاة أساسي لتأمين دفء العاصمة الفرنسية وضمان أمن طاقتها، مما يكرس قطر كفاعل دولي محوري لا غنى عنه في إدارة الأزمات الاستراتيجية.

وفي الختام، فإن الخروج الحقيقي لباريس من أزمتها لا يكون عبر مسكنات الدبلوماسية المتأخرة أو استنزاف الميزانية الوطنية في أتون الحروب الخارجية كالحرب الأوكرانية التي وضعت الاقتصاد الفرنسي تحت ضغوط مخيفة فوق أزماته المتراكمة؛ بل يبدأ بالتركيز الجاد على معالجة الاختلالات البنيوية من الداخل، والاستماع لصوت الشارع، بدلاً من البحث عن شماعات خارجية لا تُغني ولا تُسمن من جوع.

مساحة إعلانية