رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من البوسنة والهرسك إلى المدينة التعليمية..
قطر منحت للحلم وطناً
وصلت إلى قطر أحمل حلمًا. منحت قطر ذلك الحلم وطنًا، ووفّرت له مؤسسة قطر مجتمعًا ينمو فيه، ثم حوّله التعليم إلى مسؤولية لخدمة الآخرين .
وصلت إلى قطر قادمًا من البوسنة والهرسك، ولم تكن حقيبتي وحدها ما أحمله معي؛ فقد حملت آمال أسرتي، وصلابة البلد الذي شكّل وجداني، وذلك الشعور بعدم اليقين الذي يعرفه كثير من الطلاب الدوليين حين يبدؤون حياة جديدة بعيدًا عن أوطانهم.
جئت طلبًا للتعليم، لكنني وجدت شعورًا بالانتماء، وفهمًا أوضح لما يطلبه منا التعليم بعد أن نحظى به.
درست في جامعة قطر، ثم في جامعة حمد بن خليفة، عضو مؤسسة قطر. وفي المدينة التعليمية، تجاوز التعلّم حدود المحاضرات والمؤهلات الأكاديمية؛ إذ انضممت إلى مجتمع يتبادل فيه أشخاص ينتمون إلى ثقافات وتخصصات مختلفة الأفكار، ويتحدّى بعضهم بعضًا، ويتساءلون عن السبل التي تمكّن المعرفة من الاستجابة لاحتياجات المجتمع.
غيّرت تلك التجربة فهمي للنجاح. كان التفوق الأكاديمي مهمًا، لكنه لم يكن الغاية النهائية؛ فالمعرفة تبلغ أقصى قيمتها حين تسهم في تعزيز مجتمع، أو تحسين حياة إنسان، أو فتح طريق أمام شخص آخر.
ويشكّل هذا الإيمان جوهر الصورة التي أستذكر بها صاحب السمو الأمير الوالد الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيّب الله ثراه؛ قائدًا جعلت رؤيته لقطر الإنسان والتعليم والتنمية البشرية في صميم مسيرة التقدم الوطني.
لا تمثّل المنحة الدراسية للطالب مجرد دعم مالي؛ بل هي رسالة ثقة مفادها أن إمكاناته جديرة بالاستثمار. ويمكن لهذه الثقة أن تُحدث تحولًا عميقًا، لأنها تتيح للشاب مساحة يتخيّل فيها مستقبلًا يتجاوز ظروفه الراهنة، وتسمح للفضول بأن يتحول إلى قدرة، وللطموح بأن يكتسب وجهة واضحة.
لكن أثر المنحة لا يتوقف عند الطالب؛ فقد تفضي المنحة إلى شهادة جامعية، وتقود الشهادة إلى مهنة، ثم تتحول المهنة إلى حياة مكرّسة للخدمة. وهكذا تمتد الفرصة الأولى إلى الخارج، عبر الأسر وأماكن العمل والمجتمعات التي قد لا تعرف أبدًا أين كانت بدايتها.
"لا تكمن قيمة المنحة الدراسية في الشهادة التي يحصل عليها الطالب فحسب، بل أيضًا في كل حياة يتمكن ذلك الخريج لاحقًا من ترك أثر فيها ".
وقد منح قدومي من البوسنة والهرسك هذه الفرصة معنى خاصًا. فقد علّم تاريخ بلادي جيلي كلفة الدمار وأهمية النهوض من جديد. ولم يكن التعليم مجرد طريق إلى التقدم الشخصي، بل كان جزءًا من إعادة البناء، والإسهام في المجتمع، وضمان ألا يظل المستقبل أسيرًا للماضي وحده.
كلما دخلت قاعة دراسية في قطر، حملت ذلك التاريخ معي، وحملت كذلك آمال جيل عازم على ألا يُعرَف فقط بما عاناه، بل بما يستطيع أن يبدعه.
ولذلك، فإن الروابط بين قطر والبوسنة والهرسك تمثّل بالنسبة إليّ أمرًا شخصيًا؛ فهي حاضرة في تجارب الطلاب والأسر التي ربطت حياتها بين الدوحة وسراييفو، وفي علاقات الصداقة والتفاهم المتبادل التي نمت بفضل تلك الروابط.
* في جامعة حمد بن خليفة، عشت المدينة التعليمية بوصفها أكثر من مجرد مجموعة من الجامعات والمؤسسات؛ فقد كانت ملتقى للأفكار، وبيئة يجتمع فيها التعليم والبحث والابتكار والمشاركة المجتمعية.
وكان الطلاب يُشجَّعون على التفكير، ليس فقط فيما يريدون تحقيقه، بل في أهمية ما يسعون إليه، وفي الأشخاص الذين يمكن أن يخدمهم ذلك الإنجاز.
وبالنسبة إلى طالب دولي، كان لهذا السؤال وقع عميق؛ إذ دعاني إلى النظر إلى التعليم، لا بوصفه شيئًا أتلقاه لنفسي، بل رسالةً أستطيع حملها إلى العالم.
وأظهرت لي المدينة التعليمية أيضًا أن الانتماء لا يتطلب من الإنسان التخلي عن هويته. فقد كانت تجربتي بوصفي بوسنيًا جزءًا مما جلبته معي إلى قاعة الدراسة، مثلما وسّعت وجهات نظر زملائي فهمي للعالم، فتحولت اختلافاتنا إلى مصدر للتعلّم المشترك.
لم تمنحني قطر مكانًا للدراسة فحسب؛ بل منحتني الثقة لأتخيّل ما يمكن أن أصبح عليه، والمسؤولية للتفكير فيما يمكنني تقديمه.
* تركت الفرص التي حظيت بها أمامي سؤالًا: كيف يمكنني ردّ الجميل؟
يكتسب الامتنان معنى مستدامًا حين يتحول إلى عمل. وبالنسبة إليّ، تمثّلت إحدى الإجابات في منصة "طلاب قطر " (@students_qatar)، التي أسستها لنشر المعلومات التعليمية، وتسليط الضوء على الفرص، ومساعدة الطلاب على شق طريقهم في مسيرتهم الأكاديمية.
وتقوم الفكرة على مبدأ بسيط: ينبغي ألا يشعر أي طالب بأنه مضطر إلى العثور على طريقه بمفرده.
فقد تفتح معلومة واحدة بابًا، وتخفف تجربة مشتركة وطأة عدم اليقين، وقد تعيد كلمة تشجيع إلى الطالب ثقته بنفسه في اللحظة التي يكون فيها بأمسّ الحاجة إليها.
وتُعد منصة "طلاب قطر" إحدى الوسائل التي أمدّ بها الآخرين بالدعم الذي وصل إليّ ذات يوم. كما تجسّد درسًا تعلمته من خلال مؤسسة قطر: النجاح لا يقتصر على التقدم الشخصي، بل يكمن أيضًا في القدرة على جعل الطريق أكثر وضوحًا لمن يأتون من بعدنا.
هكذا يتسع أثر التعليم؛ حين يصبح الخريجون مرشدين، ويستجيب الباحثون لاحتياجات المجتمع، ويضفي المهنيون النزاهة والغاية على مجالات عملهم، ويختار من حظي بفرصة أن يتيح فرصة لشخص آخر.
* وبصفتنا من خريجي مؤسسة قطر، فإننا نحمل ما هو أكثر من أسماء جامعاتنا المدوّنة على شهاداتنا؛ إذ نحمل قيم منظومة تحثنا على السعي إلى التميز الهادف، وربط المعرفة بالعمل، وقياس الإنجاز بحجم الأثر الإيجابي الذي نصنعه.
ولا يمثل التخرج نهاية تلك الرحلة، بل النقطة التي تبدأ عندها الفرصة التي حصلنا عليها بالامتداد إلى الخارج، عبر مساراتنا المهنية وأبحاثنا وأفكارنا وعلاقاتنا وخدمتنا لمجتمعاتنا.
وهذا امتياز ومسؤولية في آن واحد. فعلينا أن نواصل التعلّم والإسهام، وأن نتشارك المعرفة بسخاء ونفتح الأبواب أمام الآخرين، وأن نتذكر أن كل إنجاز يحمل في طياته إمكانية تحسين حياة إنسان آخر.
إن الخريجين ليسوا مجرد شهود على أثر التعليم، بل هم من أبرز تجلياته.
حين أتأمل رحلتي، أرى سلسلة مترابطة من الفرص والثقة والمسؤولية: طالبًا وصل من البوسنة والهرسك يحمل حلمًا لم تتضح معالمه؛ وبلدًا فتح أبوابه؛ ومعلمين ومرشدين تقاسموا معارفهم؛ ومجتمعًا أفسح المجال أمام الطموح لينمو.
وأرى تعليمًا تحوّل إلى مسؤولية تتواصل من خلال كل طالب أتمكن من دعمه.
هكذا تتحول الرؤية إلى إرث؛ يحملها الطالب الذي مُنح فرصة، والخريج الذي يخدم مجتمعه، والباحث الذي يتصدى لتحدٍّ مشترك، والمرشد الذي يساعد شخصًا آخر على العثور على طريقه.
وتظل رؤية صاحب السمو الأمير الوالد الراحل حيّة في المؤسسات التي أسهم في تشكيلها، والأهم من ذلك، في الأشخاص الذين تحولت حياتهم من خلالها.
ويذكّرنا إرثه بأن التقدم الدائم لا يُبنى بالبنية التحتية وحدها، بل بأشخاص يمتلكون الأدوات التي تمكّنهم من التخيّل والإبداع والقيادة والخدمة.
بدأت رحلتي بحلم في البوسنة والهرسك، ومنحت قطر ذلك الحلم وطنًا، ووفّرت له مؤسسة قطر مجتمعًا ينمو فيه، ثم حوّله التعليم إلى التزام مدى الحياة بخدمة الآخرين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12147
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10185
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3477
| 22 أكتوبر 2026