رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. وحيد سوليتش

مساحة إعلانية

مقالات

138

د. وحيد سوليتش

قطر منحت للحلم وطناً

25 أكتوبر 2026 , 12:00ص

من البوسنة والهرسك إلى المدينة التعليمية..

قطر منحت للحلم وطناً

 

وصلت إلى قطر أحمل حلمًا. منحت قطر ذلك الحلم وطنًا، ووفّرت له مؤسسة قطر مجتمعًا ينمو فيه، ثم حوّله التعليم إلى مسؤولية لخدمة الآخرين .

وصلت إلى قطر قادمًا من البوسنة والهرسك، ولم تكن حقيبتي وحدها ما أحمله معي؛ فقد حملت آمال أسرتي، وصلابة البلد الذي شكّل وجداني، وذلك الشعور بعدم اليقين الذي يعرفه كثير من الطلاب الدوليين حين يبدؤون حياة جديدة بعيدًا عن أوطانهم.

جئت طلبًا للتعليم، لكنني وجدت شعورًا بالانتماء، وفهمًا أوضح لما يطلبه منا التعليم بعد أن نحظى به.

درست في جامعة قطر، ثم في جامعة حمد بن خليفة، عضو مؤسسة قطر. وفي المدينة التعليمية، تجاوز التعلّم حدود المحاضرات والمؤهلات الأكاديمية؛ إذ انضممت إلى مجتمع يتبادل فيه أشخاص ينتمون إلى ثقافات وتخصصات مختلفة الأفكار، ويتحدّى بعضهم بعضًا، ويتساءلون عن السبل التي تمكّن المعرفة من الاستجابة لاحتياجات المجتمع.

غيّرت تلك التجربة فهمي للنجاح. كان التفوق الأكاديمي مهمًا، لكنه لم يكن الغاية النهائية؛ فالمعرفة تبلغ أقصى قيمتها حين تسهم في تعزيز مجتمع، أو تحسين حياة إنسان، أو فتح طريق أمام شخص آخر.

ويشكّل هذا الإيمان جوهر الصورة التي أستذكر بها صاحب السمو الأمير الوالد الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيّب الله ثراه؛ قائدًا جعلت رؤيته لقطر الإنسان والتعليم والتنمية البشرية في صميم مسيرة التقدم الوطني.

لا تمثّل المنحة الدراسية للطالب مجرد دعم مالي؛ بل هي رسالة ثقة مفادها أن إمكاناته جديرة بالاستثمار. ويمكن لهذه الثقة أن تُحدث تحولًا عميقًا، لأنها تتيح للشاب مساحة يتخيّل فيها مستقبلًا يتجاوز ظروفه الراهنة، وتسمح للفضول بأن يتحول إلى قدرة، وللطموح بأن يكتسب وجهة واضحة.

لكن أثر المنحة لا يتوقف عند الطالب؛ فقد تفضي المنحة إلى شهادة جامعية، وتقود الشهادة إلى مهنة، ثم تتحول المهنة إلى حياة مكرّسة للخدمة. وهكذا تمتد الفرصة الأولى إلى الخارج، عبر الأسر وأماكن العمل والمجتمعات التي قد لا تعرف أبدًا أين كانت بدايتها.

"لا تكمن قيمة المنحة الدراسية في الشهادة التي يحصل عليها الطالب فحسب، بل أيضًا في كل حياة يتمكن ذلك الخريج لاحقًا من ترك أثر فيها ".

وقد منح قدومي من البوسنة والهرسك هذه الفرصة معنى خاصًا. فقد علّم تاريخ بلادي جيلي كلفة الدمار وأهمية النهوض من جديد. ولم يكن التعليم مجرد طريق إلى التقدم الشخصي، بل كان جزءًا من إعادة البناء، والإسهام في المجتمع، وضمان ألا يظل المستقبل أسيرًا للماضي وحده.

كلما دخلت قاعة دراسية في قطر، حملت ذلك التاريخ معي، وحملت كذلك آمال جيل عازم على ألا يُعرَف فقط بما عاناه، بل بما يستطيع أن يبدعه.

ولذلك، فإن الروابط بين قطر والبوسنة والهرسك تمثّل بالنسبة إليّ أمرًا شخصيًا؛ فهي حاضرة في تجارب الطلاب والأسر التي ربطت حياتها بين الدوحة وسراييفو، وفي علاقات الصداقة والتفاهم المتبادل التي نمت بفضل تلك الروابط.

* في جامعة حمد بن خليفة، عشت المدينة التعليمية بوصفها أكثر من مجرد مجموعة من الجامعات والمؤسسات؛ فقد كانت ملتقى للأفكار، وبيئة يجتمع فيها التعليم والبحث والابتكار والمشاركة المجتمعية.

وكان الطلاب يُشجَّعون على التفكير، ليس فقط فيما يريدون تحقيقه، بل في أهمية ما يسعون إليه، وفي الأشخاص الذين يمكن أن يخدمهم ذلك الإنجاز.

وبالنسبة إلى طالب دولي، كان لهذا السؤال وقع عميق؛ إذ دعاني إلى النظر إلى التعليم، لا بوصفه شيئًا أتلقاه لنفسي، بل رسالةً أستطيع حملها إلى العالم.

وأظهرت لي المدينة التعليمية أيضًا أن الانتماء لا يتطلب من الإنسان التخلي عن هويته. فقد كانت تجربتي بوصفي بوسنيًا جزءًا مما جلبته معي إلى قاعة الدراسة، مثلما وسّعت وجهات نظر زملائي فهمي للعالم، فتحولت اختلافاتنا إلى مصدر للتعلّم المشترك.

لم تمنحني قطر مكانًا للدراسة فحسب؛ بل منحتني الثقة لأتخيّل ما يمكن أن أصبح عليه، والمسؤولية للتفكير فيما يمكنني تقديمه.

* تركت الفرص التي حظيت بها أمامي سؤالًا: كيف يمكنني ردّ الجميل؟

يكتسب الامتنان معنى مستدامًا حين يتحول إلى عمل. وبالنسبة إليّ، تمثّلت إحدى الإجابات في منصة "طلاب قطر " (‎@students_qatar)، التي أسستها لنشر المعلومات التعليمية، وتسليط الضوء على الفرص، ومساعدة الطلاب على شق طريقهم في مسيرتهم الأكاديمية.

وتقوم الفكرة على مبدأ بسيط: ينبغي ألا يشعر أي طالب بأنه مضطر إلى العثور على طريقه بمفرده.

فقد تفتح معلومة واحدة بابًا، وتخفف تجربة مشتركة وطأة عدم اليقين، وقد تعيد كلمة تشجيع إلى الطالب ثقته بنفسه في اللحظة التي يكون فيها بأمسّ الحاجة إليها.

وتُعد منصة "طلاب قطر" إحدى الوسائل التي أمدّ بها الآخرين بالدعم الذي وصل إليّ ذات يوم. كما تجسّد درسًا تعلمته من خلال مؤسسة قطر: النجاح لا يقتصر على التقدم الشخصي، بل يكمن أيضًا في القدرة على جعل الطريق أكثر وضوحًا لمن يأتون من بعدنا.

هكذا يتسع أثر التعليم؛ حين يصبح الخريجون مرشدين، ويستجيب الباحثون لاحتياجات المجتمع، ويضفي المهنيون النزاهة والغاية على مجالات عملهم، ويختار من حظي بفرصة أن يتيح فرصة لشخص آخر.

* وبصفتنا من خريجي مؤسسة قطر، فإننا نحمل ما هو أكثر من أسماء جامعاتنا المدوّنة على شهاداتنا؛ إذ نحمل قيم منظومة تحثنا على السعي إلى التميز الهادف، وربط المعرفة بالعمل، وقياس الإنجاز بحجم الأثر الإيجابي الذي نصنعه.

ولا يمثل التخرج نهاية تلك الرحلة، بل النقطة التي تبدأ عندها الفرصة التي حصلنا عليها بالامتداد إلى الخارج، عبر مساراتنا المهنية وأبحاثنا وأفكارنا وعلاقاتنا وخدمتنا لمجتمعاتنا.

وهذا امتياز ومسؤولية في آن واحد. فعلينا أن نواصل التعلّم والإسهام، وأن نتشارك المعرفة بسخاء ونفتح الأبواب أمام الآخرين، وأن نتذكر أن كل إنجاز يحمل في طياته إمكانية تحسين حياة إنسان آخر.

إن الخريجين ليسوا مجرد شهود على أثر التعليم، بل هم من أبرز تجلياته.

حين أتأمل رحلتي، أرى سلسلة مترابطة من الفرص والثقة والمسؤولية: طالبًا وصل من البوسنة والهرسك يحمل حلمًا لم تتضح معالمه؛ وبلدًا فتح أبوابه؛ ومعلمين ومرشدين تقاسموا معارفهم؛ ومجتمعًا أفسح المجال أمام الطموح لينمو.

وأرى تعليمًا تحوّل إلى مسؤولية تتواصل من خلال كل طالب أتمكن من دعمه.

هكذا تتحول الرؤية إلى إرث؛ يحملها الطالب الذي مُنح فرصة، والخريج الذي يخدم مجتمعه، والباحث الذي يتصدى لتحدٍّ مشترك، والمرشد الذي يساعد شخصًا آخر على العثور على طريقه.

وتظل رؤية صاحب السمو الأمير الوالد الراحل حيّة في المؤسسات التي أسهم في تشكيلها، والأهم من ذلك، في الأشخاص الذين تحولت حياتهم من خلالها.

ويذكّرنا إرثه بأن التقدم الدائم لا يُبنى بالبنية التحتية وحدها، بل بأشخاص يمتلكون الأدوات التي تمكّنهم من التخيّل والإبداع والقيادة والخدمة.

بدأت رحلتي بحلم في البوسنة والهرسك، ومنحت قطر ذلك الحلم وطنًا، ووفّرت له مؤسسة قطر مجتمعًا ينمو فيه، ثم حوّله التعليم إلى التزام مدى الحياة بخدمة الآخرين.

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية