رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة رجالٌ لا تُقاس عظمتهم بحدود الدول التي قادوها، ولا بعدد السنوات التي أمضوها في الحكم، وإنما بما أعادوه من أمل إلى قلوب الناس، وبما مدّوه من يدٍ إلى الشعوب، وبما أفسحوا له من مجال كي تُقال الحقيقة. وكان صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير دولة قطر السابق ومؤسس نهضتها الحديثة، واحدًا من هؤلاء القادة، كما كان صديقًا صادقًا للبوسنة والهرسك.
برحيله، فقدت قطر أحد أبرز رجالاتها، وخسر العالمان العربي والإسلامي واحدًا من أكثر قادتهما تأثيرًا، فيما ودّعت البوسنة والهرسك رجلًا أدرك أن الشعوب لا تصبح صغيرة لقلة عددها، بل حين يختار العالم أن يصم أذنيه عن آلامها.
لم ينظر سمو الشيخ حمد إلى البوسنة باعتبارها دولة بعيدة على أطراف أوروبا، بل رأى فيها شعبًا شقيقًا ذاق ويلات العدوان والإبادة الجماعية، ومع ذلك تمسّك بإيمانه وكرامته وإنسانيته في أحلك الظروف. وكان يدرك أن البوشناق لا يحتاجون إلى الشفقة ولا إلى الكلمات المجردة، بل إلى أصدقاء يقفون إلى جانبهم وقت المحنة، ويساعدونهم على إعادة بناء ما دمّرته الحرب، ويشهدون بالحق أمام العالم.
كان يزور سراييفو بصفته رجل دولة، لكنه كان يدخل البوسنة بصفة الصديق. ولم تكن زياراته مجرد محطات بروتوكولية أو لقاءات عابرة أمام عدسات الكاميرات، بل حملت رسالة واضحة مفادها أن البوسنة والهرسك ليست وحدها، وأن معاناتها لم تُنسَ، وأن هناك دولًا وشعوبًا شقيقة تدرك عدالة نضالها من أجل البقاء والحرية والكرامة.
وخلال فترة حكمه، تعززت جسور التعاون السياسي والصداقة والاحترام المتبادل بين قطر والبوسنة والهرسك. وفتحت قطر أبوابها أمام البوسنيين، من طلاب وعمال وأصحاب كفاءات وعائلات، بحثًا عن فرص العيش الكريم. واكتسب كثير من شباب البوسنة في قطر العلم والخبرة والاستقرار، ثم عادوا ليسهموا بما تعلموه في خدمة أسرهم ووطنهم.
ولم تكن المساعدات القطرية مجرد أرقام في التقارير، بل كانت أثرًا ملموسًا في حياة الناس؛ في رعاية الأيتام، ودعم الأسر المحتاجة، ومساندة العائدين إلى ديارهم، ومساعدة الطلاب والتلاميذ، وإعادة إعمار المنازل، والمدارس، والمؤسسات الدينية والثقافية، وتعزيز التعليم والعمل الإنساني. وربما لم يحمل كل مشروع اسمه، لكنه حمل بصمة الدولة التي أسس نهضتها، والرؤية التي رسم مستقبلها.
فالقائد الحقيقي لا يقتصر أثره على ما ينجزه في حياته، وإنما يبني مؤسسات تواصل خدمة الناس بعد رحيله.
ولعل من أعظم ما تركه سمو الشيخ حمد كان تأسيس قناة الجزيرة.
في عالمٍ اعتاد فيه الأقوياء أن يحددوا أيّ الحقائق تُروى وأيها تُحجب، أسهم سمو الشيخ حمد في إطلاق منبر إعلامي منح صوتًا للمظلومين والمهمشين والمحرومين. وقد غيّرت الجزيرة الطريقة التي يتحدث بها العالم العربي والإسلامي عن نفسه، وأتاحت لشعوبه أن تروي قصصها بلغتها ومن منظورها.
وكان لذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى البوسنة والبوشناق.
فالشعب الذي عاش العدوان والإبادة الجماعية يدرك أن الصمت قد يكون شريكًا في الجريمة، وأن الجريمة لا تبدأ بالسلاح وحده، بل تبدأ أيضًا بالكذب، ولا تنتهي بانتهاء إطلاق النار، وإنما حين تُنصف الحقيقة ويُفسح لها المجال لتُسمع.
لقد واصلت الجزيرة تغطية الشأن البوسني في وقت اكتفى فيه كثيرون بمعالجات سطحية أو تجاهلوا القضية تمامًا. ومع إطلاق قناة الجزيرة البلقان، أصبحت سراييفو مقرًا لمؤسسة إعلامية رائدة وفرت فرصًا للصحفيين البوسنيين، وأسهمت في إعداد أجيال جديدة من الإعلاميين، وربطت شعوب المنطقة، ورسخت ثقافة الصحافة المهنية والمسؤولة.
ولهذا، لم يكن سمو الشيخ حمد بالنسبة إلى البوشناق مجرد أمير لدولة صديقة، بل كان رجلًا آمن بأن الكلمة قد تكون في أهمية الخبز؛ فالخبز يحفظ حياة الإنسان، أما الحقيقة فتحفظ كرامته.
لقد حوّل قطر من دولة صغيرة المساحة إلى دولة مسموع صوتها على الساحة الدولية. ولم يجعل ثروتها مجرد عمران أو قوة مادية، بل استثمرها في التعليم، والدبلوماسية، والإعلام، والوساطة الدولية، ومد يد العون حيث تردد الآخرون.
وفي ذلك تجلت حكمته السياسية؛ إذ أدرك أن عظمة الدول لا تُقاس بما تملكه فحسب، بل بما تقدمه للآخرين.
لقد وجدت البوسنة والهرسك فيه صديقًا لم يطلب منها أن تتخلى عن هويتها حتى تحظى باحترامه، بل احترمها لأنها بقيت وفية لذاتها؛ شعبًا أوروبيًا مسلمًا، وجسرًا بين الشرق والغرب، وشعبًا ظل متمسكًا بقيم التعايش والعدل والحرية رغم ما تعرض له من مآسٍ واضطهاد.
ولا ينبغي للبوشناق أن ينسوا أصدقاءهم.
فالشعب الذي ينسى من أحسن إليه يصبح أفقر من شعبٍ لا يملك الثروة. والوفاء ليس ضعفًا، بل دليل على النبل، وحفظ الجميل، وصون الكرامة. ولهذا سيبقى اسم سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حاضرًا في ذاكرتنا، مقرونًا بالاحترام والدعاء.
سنذكره صديقًا للبوسنة والهرسك.
وسنذكره داعمًا لمن فقدوا بيوتهم ولم يفقدوا الأمل.
وسنذكره بما أتاحه من فرص للطلاب لبناء مستقبل أفضل.
وسنذكره بالجسور السياسية والإنسانية التي أقامها بين سراييفو والدوحة.
وسنذكره بالجزيرة، التي منحت شعوبًا كثيرة صوتًا، وأسهمت في حفظ حقيقة البوسنة من النسيان.
وسنذكره رجلًا أدرك أن الصداقة مع البوسنة لا تُثبتها الشعارات، بل الحضور، والعمل، والوقوف إلى جانبها في أوقات الشدة.
إن رحيل الإنسان يذكرنا جميعًا بأن السلطة والثروة والمناصب زائلة، وأن الباقي هو العمل الصالح؛ والعلم الذي نُشر، والبيت الذي أُعيد بناؤه، والدمعة التي مُسحت، وكلمة الحق التي حُفظت.
وقد ترك سمو الشيخ حمد وراءه إرثًا زاخرًا من هذه الأعمال.
نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل أعماله الصالحة نورًا دائمًا له، وأن يكتب في ميزان حسناته كل ما قدمه للبوسنة، ولطلابها، وأيتامها، والعائدين إليها، ولكل محتاجٍ امتدت إليه يد العون.
ونسأله سبحانه أن يوسع له في قبره، ويمنحه الأمن والطمأنينة في الآخرة، وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.
كما نتقدم بأحر التعازي وصادق المواساة إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وإلى أسرة آل ثاني الكريمة، وإلى الشعب القطري الشقيق.
فالبوسنة والهرسك اليوم لا تودع أمير قطر السابق فحسب، بل تودع صديقًا وفيًا.
والأصدقاء الصادقون لا يرحلون تمامًا، بل يبقون في الدعاء، وفي الذاكرة، وفي الخير الذي يتركونه خلفهم.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11295
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3705
| 22 أكتوبر 2026
نستطيع لـوم اتحاد القدم وإدارات الأندية ووكلاء جلب اللاعبين، طويلاً، لكن ذلك سيظل في إطار التمـنيات وافتراض ما سيكون، أي أننا سنظل ندور في حلقةٍ مفرغةٍ لا نخرج منها. ولذلك ينبغي الحديث بوضوحٍ عن دورٍ فاعلٍ للإعلام الرياضي. وهنا، لا نتحدث عن النقل الخبري وإنما عن ممارسة التأثير السليم من خلال النقد والتحليل وإلقاء الضوء على سوء اختيار اللاعبين الـمحترفين الأجانب، وجوانب القصور في أداء وسلوك لاعبينا الـمحترفين الـمواطنين، وتوضيح الأسباب وطـرح الحلول الـممكنة. أما أنْ نظل جالسين في أبراجنا العاجيـة نراعي علاقتنا بالوكيل الفلاني والإدارة الفلانية واللاعب الفلاني، فهذا لا يجوز ويجعل من ممارستـنا لدورنا عاملاً من عوامل استفحال تراجع الـمستوى وزيادة التناقص في الرصيد الجماهيري لكرة القدم. وكلاء جلـب اللاعبين ليسوا كأصحاب مكاتب جلب الخدم والعـمالـة غير الـمحترفة، ولكن بعضهم يصر على أنْ يكون كذلك. لأنهم فيما يقـدمونـه للأندية من لاعبين محترفين، لا يضعون أنفسهم في صفها ولا يبالون بإسداء النصيحة الصادقة لها. وأيضاً، نجد في إدارات بعض الأندية نوعاً من اللامبالاة في تقييم ما يقـدم إليهم، وكأن الأمر لا يعدو كونه شراء سلعةٍ، فلا نلاحظ دوراً للاعبين القدامى في الأندية، على الأقل، في عملية اختيار الـمحترفين الأجانب، ولا نلمح أثراً لتقييم مدى إمكانية اللاعب الأجنبي الذي احترف في أنديةٍ أوروبيةٍ وأمريكيةٍ جنوبيةٍ على العطاء والاندماج في البيئة الكروية الـمحلية. وتكون النتيجة خسارةً للمستوى الفني للأندية والدوري والكرة القطرية، واستنزافاً للموازنات الـمخصصة للأندية. نحن بحاجةٍ لتجديد الأفكار السائدة حول العلاقة بين الصالح العام من جهةٍ، وتقديراتنا الشخصية لـما يصلح لنا ذاتياً من جهةٍ ثانيةٍ، فازدهار الكرة القطرية وارتفاع مستواها الفني يصبان في بوتقـة الـمصالح الوطنية العليا، ولسنا بغافلين عن كون الكرة أحد الوجوه الـمشرقة التي تطـل بلادنا بها على العالـم، ناقلةً إلى الآخرين صورةً حضاريةً رائعةً عنا. - كلمة أخيرة: الاحتراف مفهومٌ واسعٌ لا يتعلق بالاستعداد البدني للاعبين فحسب، وإنما يمتد ليشمل الأسس والبنى الفكرية والنفسية التي يقوم عليها الـمجتمع، والدور الذي تلعبـه الصحافة ووسائل الإعلام.
3378
| 22 أكتوبر 2026