رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. وحيد سوليتش

مساحة إعلانية

مقالات

324

د. وحيد سوليتش

رحيل صديق كبير للبوسنة والهرسك

16 يوليو 2026 , 11:15م

ثمة رجالٌ لا تُقاس عظمتهم بحدود الدول التي قادوها، ولا بعدد السنوات التي أمضوها في الحكم، وإنما بما أعادوه من أمل إلى قلوب الناس، وبما مدّوه من يدٍ إلى الشعوب، وبما أفسحوا له من مجال كي تُقال الحقيقة. وكان صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير دولة قطر السابق ومؤسس نهضتها الحديثة، واحدًا من هؤلاء القادة، كما كان صديقًا صادقًا للبوسنة والهرسك.

برحيله، فقدت قطر أحد أبرز رجالاتها، وخسر العالمان العربي والإسلامي واحدًا من أكثر قادتهما تأثيرًا، فيما ودّعت البوسنة والهرسك رجلًا أدرك أن الشعوب لا تصبح صغيرة لقلة عددها، بل حين يختار العالم أن يصم أذنيه عن آلامها.

لم ينظر سمو الشيخ حمد إلى البوسنة باعتبارها دولة بعيدة على أطراف أوروبا، بل رأى فيها شعبًا شقيقًا ذاق ويلات العدوان والإبادة الجماعية، ومع ذلك تمسّك بإيمانه وكرامته وإنسانيته في أحلك الظروف. وكان يدرك أن البوشناق لا يحتاجون إلى الشفقة ولا إلى الكلمات المجردة، بل إلى أصدقاء يقفون إلى جانبهم وقت المحنة، ويساعدونهم على إعادة بناء ما دمّرته الحرب، ويشهدون بالحق أمام العالم.

كان يزور سراييفو بصفته رجل دولة، لكنه كان يدخل البوسنة بصفة الصديق. ولم تكن زياراته مجرد محطات بروتوكولية أو لقاءات عابرة أمام عدسات الكاميرات، بل حملت رسالة واضحة مفادها أن البوسنة والهرسك ليست وحدها، وأن معاناتها لم تُنسَ، وأن هناك دولًا وشعوبًا شقيقة تدرك عدالة نضالها من أجل البقاء والحرية والكرامة.

وخلال فترة حكمه، تعززت جسور التعاون السياسي والصداقة والاحترام المتبادل بين قطر والبوسنة والهرسك. وفتحت قطر أبوابها أمام البوسنيين، من طلاب وعمال وأصحاب كفاءات وعائلات، بحثًا عن فرص العيش الكريم. واكتسب كثير من شباب البوسنة في قطر العلم والخبرة والاستقرار، ثم عادوا ليسهموا بما تعلموه في خدمة أسرهم ووطنهم.

ولم تكن المساعدات القطرية مجرد أرقام في التقارير، بل كانت أثرًا ملموسًا في حياة الناس؛ في رعاية الأيتام، ودعم الأسر المحتاجة، ومساندة العائدين إلى ديارهم، ومساعدة الطلاب والتلاميذ، وإعادة إعمار المنازل، والمدارس، والمؤسسات الدينية والثقافية، وتعزيز التعليم والعمل الإنساني. وربما لم يحمل كل مشروع اسمه، لكنه حمل بصمة الدولة التي أسس نهضتها، والرؤية التي رسم مستقبلها.

فالقائد الحقيقي لا يقتصر أثره على ما ينجزه في حياته، وإنما يبني مؤسسات تواصل خدمة الناس بعد رحيله.

ولعل من أعظم ما تركه سمو الشيخ حمد كان تأسيس قناة الجزيرة.

في عالمٍ اعتاد فيه الأقوياء أن يحددوا أيّ الحقائق تُروى وأيها تُحجب، أسهم سمو الشيخ حمد في إطلاق منبر إعلامي منح صوتًا للمظلومين والمهمشين والمحرومين. وقد غيّرت الجزيرة الطريقة التي يتحدث بها العالم العربي والإسلامي عن نفسه، وأتاحت لشعوبه أن تروي قصصها بلغتها ومن منظورها.

وكان لذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى البوسنة والبوشناق.

فالشعب الذي عاش العدوان والإبادة الجماعية يدرك أن الصمت قد يكون شريكًا في الجريمة، وأن الجريمة لا تبدأ بالسلاح وحده، بل تبدأ أيضًا بالكذب، ولا تنتهي بانتهاء إطلاق النار، وإنما حين تُنصف الحقيقة ويُفسح لها المجال لتُسمع.

لقد واصلت الجزيرة تغطية الشأن البوسني في وقت اكتفى فيه كثيرون بمعالجات سطحية أو تجاهلوا القضية تمامًا. ومع إطلاق قناة الجزيرة البلقان، أصبحت سراييفو مقرًا لمؤسسة إعلامية رائدة وفرت فرصًا للصحفيين البوسنيين، وأسهمت في إعداد أجيال جديدة من الإعلاميين، وربطت شعوب المنطقة، ورسخت ثقافة الصحافة المهنية والمسؤولة.

ولهذا، لم يكن سمو الشيخ حمد بالنسبة إلى البوشناق مجرد أمير لدولة صديقة، بل كان رجلًا آمن بأن الكلمة قد تكون في أهمية الخبز؛ فالخبز يحفظ حياة الإنسان، أما الحقيقة فتحفظ كرامته.

لقد حوّل قطر من دولة صغيرة المساحة إلى دولة مسموع صوتها على الساحة الدولية. ولم يجعل ثروتها مجرد عمران أو قوة مادية، بل استثمرها في التعليم، والدبلوماسية، والإعلام، والوساطة الدولية، ومد يد العون حيث تردد الآخرون.

وفي ذلك تجلت حكمته السياسية؛ إذ أدرك أن عظمة الدول لا تُقاس بما تملكه فحسب، بل بما تقدمه للآخرين.

لقد وجدت البوسنة والهرسك فيه صديقًا لم يطلب منها أن تتخلى عن هويتها حتى تحظى باحترامه، بل احترمها لأنها بقيت وفية لذاتها؛ شعبًا أوروبيًا مسلمًا، وجسرًا بين الشرق والغرب، وشعبًا ظل متمسكًا بقيم التعايش والعدل والحرية رغم ما تعرض له من مآسٍ واضطهاد.

ولا ينبغي للبوشناق أن ينسوا أصدقاءهم.

فالشعب الذي ينسى من أحسن إليه يصبح أفقر من شعبٍ لا يملك الثروة. والوفاء ليس ضعفًا، بل دليل على النبل، وحفظ الجميل، وصون الكرامة. ولهذا سيبقى اسم سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حاضرًا في ذاكرتنا، مقرونًا بالاحترام والدعاء.

سنذكره صديقًا للبوسنة والهرسك.

وسنذكره داعمًا لمن فقدوا بيوتهم ولم يفقدوا الأمل.

وسنذكره بما أتاحه من فرص للطلاب لبناء مستقبل أفضل.

وسنذكره بالجسور السياسية والإنسانية التي أقامها بين سراييفو والدوحة.

وسنذكره بالجزيرة، التي منحت شعوبًا كثيرة صوتًا، وأسهمت في حفظ حقيقة البوسنة من النسيان.

وسنذكره رجلًا أدرك أن الصداقة مع البوسنة لا تُثبتها الشعارات، بل الحضور، والعمل، والوقوف إلى جانبها في أوقات الشدة.

إن رحيل الإنسان يذكرنا جميعًا بأن السلطة والثروة والمناصب زائلة، وأن الباقي هو العمل الصالح؛ والعلم الذي نُشر، والبيت الذي أُعيد بناؤه، والدمعة التي مُسحت، وكلمة الحق التي حُفظت.

وقد ترك سمو الشيخ حمد وراءه إرثًا زاخرًا من هذه الأعمال.

نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل أعماله الصالحة نورًا دائمًا له، وأن يكتب في ميزان حسناته كل ما قدمه للبوسنة، ولطلابها، وأيتامها، والعائدين إليها، ولكل محتاجٍ امتدت إليه يد العون.

ونسأله سبحانه أن يوسع له في قبره، ويمنحه الأمن والطمأنينة في الآخرة، وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.

كما نتقدم بأحر التعازي وصادق المواساة إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وإلى أسرة آل ثاني الكريمة، وإلى الشعب القطري الشقيق.

فالبوسنة والهرسك اليوم لا تودع أمير قطر السابق فحسب، بل تودع صديقًا وفيًا.

والأصدقاء الصادقون لا يرحلون تمامًا، بل يبقون في الدعاء، وفي الذاكرة، وفي الخير الذي يتركونه خلفهم.

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

 

مساحة إعلانية